لا شيء.

مجرد سوادٍ دامسٍ لا قرار له، لا ضوء، لا صوت، لا دفء. كان الأمر كما لو أنّني سقطت في قاعٍ لا نهاية له، طافٍ في فراغٍ أبدي. حاولت أن أفتح عيني، لكنني لم أكن متأكدًا إن كنت قد أغلقتُها أصلاً. حاولت أن أصرخ، أن أتنفس، أن أتحرك... لكن لم يأتِ شيء.

—نبض.

صوت غريب... نبضة واحدة، عميقة، مؤلمة، كأنها تدق في داخلي مباشرة. ثم أخرى، أقوى... وصرخة.

—أغغغغ!

رأسي... رأسي يكاد ينفجر! الألم لا يُوصف، وكأن نارًا سوداء بدأت تشتعل خلف عينيّ، وتدفق شيء ما في جمجمتي... ذكريات؟ صور؟ هل هذا ماضيي؟ مستقبلي؟ هل هذه رؤى؟ لا أعلم، ولا أظن أني أستطيع الاحتمال.

صرخات بشر، أناس يركضون، ينهارون، يتفحمون. أيدٍ مقطوعة، رماد يتطاير. وجوه مشوهة تصرخ نحوي... لا، تصرخ نحوه... ذلك الشيء...

"ذلك الوحش... اللعنة حلت علينا بسببه!"

"ليتني لم ألده... ليتني لم ألده!"

"اقتلوه! اقتلوه قبل أن يحترق العالم مجددًا!"

—نبض... نبض... نبض!

كل شيء ينبض. حتى السواد ينبض. وأشعر أن جمجمتي تتشقق، تنفجر، تتمزق. صرخت من داخلي، لكن لم يكن هنالك من يسمع. لم يكن هنالك أحد.

ثم... هواء. هواء حقيقي، بارد، خشن، يلسع أنفاسي. شهقة تمزق سكون صدري وأنا أستعيد أنفاسي كما لو كنت أغرق. فتحت عينيّ فجأة...

—هاه... هاه... هاه...

كل جسدي كان يرتجف. قلبي يدق كطبول القيامة. العرق يغمر جسدي كأنني أُخرجت من بحيرة. تنفسي غير منتظم، وكأنني أتنفس رمادًا لا هواء. عيني تجول بسرعة، محاولة فهم ما أراه. كنت ممددًا على فراش قشٍ خشن، تحتي جلد دب ممزق، وغطاء سميك تفوح منه رائحة تراب ودخان.

الخيمة... كنت في خيمة.

أربعة أعمدة خشبية متآكلة، وقطع قماش ثقيل مظلمة، في المنتصف مصباح قديم يتدلى من السقف، يتمايل ببطء وينشر وهجًا ناريًا خافتًا. أسفله موقد صغير فيه شعلة ساكنة تتراقص، محاطة ببعض الحجارة والرماد.

—خشخشة...

كان هناك صوت... خطوات خفيفة تمشي على أرضية الخيمة، تلامس الرمل بصمت قاتل. رأيت ظلاً يقترب من جانبي، ثم سمعت صوتًا أنثويًا رقيقًا... لكن فيه حزم غريب:

"هل استيقظت؟"

انكمشت عظامي داخلي. لم أجب. هل هذا حقيقي؟ هل هذه رؤية أخرى؟ حلم؟ أم أنه جزء آخر من هذا الجحيم الطويل؟

"هل كنت ترى كابوسًا؟"

صوتها ناعم، لكنّه لم يخفف من ارتجافي. التفت ببطء، عيني ما زالت متسعة في رعبٍ مشوش، فوجدتها تقف هناك.

فتاة، أو بالأحرى محاربة، بشعر ذهبي طويل ينسدل على كتفيها بانسيابية. درعها الأبيض اللامع يضرب الضوء في كل جهة، عليه نقوش سوداء معقدة كأنها من عصر غابر، وعلى كتفها شعار بارز: سيفان متقاطعين، بينهما شعلة سوداء، وفوقهما هالة مشققة. كان الشعار يثير رهبة غريبة في قلبي، وكأنني رأيته من قبل... في حلم؟ في كابوس؟ في تصميمي؟

بشرتها شاحبة بشكل جميل، وعيناها... آه، عيناها كانت بلونٍ أزرق سماوي صافي، لكن فيهما غموضٌ قاسٍ، عميق، ينظر إليّ كمن يحاول قراءة كتاب مغلق.

تحدثت من جديد:

"لقد وجدناك ممددًا في الوادي، فاقدًا للوعي... وبجوارك وحشٌ لم يتبق منه إلا رماد. كنا نظن أنك أحدهم."

أحدهم؟ من تقصد؟ من هم؟

"هل أنت مخلوق من اللامكان؟ أم لعنة متنكرة؟ كيف نجوت من ذلك الهجوم؟"

لم أستطع الرد. كل ما خرج من فمي كان:

"هااا..."

وجهها تجهم قليلًا، ثم هدأت وقالت بهدوء:

"ما هو اسمك؟"

سؤال بسيط، أليس كذلك؟ لكنه طعنني، لا أدري لماذا. شعرت للحظة أنني لا أملك اسمًا، أو أنّني لا أستحقّه. بحثت في أعماقي، هناك، في بقعة معتمة داخل رأسي، تردد صوت، لا أعرف مصدره، لكنه كان واضحًا، وحيدًا وسط الفوضى:

"أرين..."

خرج الاسم من فمي بصوت مبحوح، كأنني أتنفس من خلال الرماد. كان صوتي غريبًا، أجشًّا، صوت شخص لم يتحدث منذ أيام... أو شهور... أو حياة كاملة.

أومأت الفتاة برأسها، وكأنّها تكرر الاسم في ذهنها. ثم سألت، بنفس الهدوء:

"هل تعلم أي شيء؟ كيف نجوت؟ ماذا كنت تفعل بجانب تلك الجثة؟"

ابتلعت ريقي. نظرت إلى الأرض، كأنّني أبحث فيها عن إجابة.

"لا... لا أتذكّر..."

رفعت رأسها ببطء، حاجباها انفرجا بدهشة خفيفة، لكنها لم تتكلم لثوانٍ. كانت تدرس وجهي، تبحث عن علامة، ربما عن كذبة... لكنها لم تجد شيئًا، فقط الفراغ.

قالت بهدوء وهي تميل برأسها قليلًا:

"كلّ ما تتذكّره هو اسمك؟"

أجبتُ، بنبرة لا تخلو من الحرج:

"نعم... لا شيء آخر."

سكتت قليلًا، ثم عضّت شفتها كما لو أنّها تحبس شيئًا، وقالت بنبرة حزينة:

"وقعت ظاهرة تصدّع اللامكان في هذه المنطقة... تغيّر كل شيء."

تقدّمت خطوة أخرى، جلست على كرسي خشبي صغير بجانبي، وضعت يديها المتقاطعتين فوق فخذها، وأكملت:

"كأنّ الظلال ابتلعت كل ما هو حي. قرى كاملة اختفت، البيوت ذابت في السواد، الناس... لا أحد نجا منهم."

نظرت إليّ نظرة طويلة، فيها وجع لا يخصّني وحدي:

"تأخرنا في الوصول... وعندما أتينا، لم نجد إلا الرماد. لم نجد أي ناجين."

ثم أضافت، بصوت منخفض يكاد يكون همسًا:

"كنتَ الوحيد... وسط كل ذلك."

الكلمات سقطت فوق رأسي كصخور. لم أستطع فهم معناها الكامل، لكنّها أيقظت شيئًا داخلي. شعور خفيف، كأن نارًا سوداء تحاول الاستيقاظ في داخلي، لكنها خائفة... تتراجع.

وفجأة، بلا إنذار:

—نبض.

رأسي اهتزّ من الداخل. شعرت به وكأنه طبل ضخم يُضرب من الداخل. نظري أصبح مشوشًا، وبدأت الأصوات تتدفق. صرخات، لهب، هياكل محترقة، رُكام، أيدٍ مقطوعة، وأصوات غريبة تهمس، تصرخ، تلعن.

"اقتلوه!"

"ليته لم يولد!"

"اللعنة... إنه هو!!"

—أغغغغ!!

صرخة مفاجئة خرجت مني، لم أتحكّم بها. جسدي كله اهتز، وتشنج، عيناي اتسعتا، أنفاسي أصبحت متقطعة، وحرارتي ارتفعت فجأة. شعرت وكأن رأسي سينفجر.

ركضت الفتاة إليّ، وضعت يدها على كتفي:

"ماذا بك؟!"

لكنّي لم أسمعها. كلّ ما كنت أسمعه كان داخلي. كنت أعيش داخل إعصار لا يرى أحدٌ غيري رياحه. كنت أغرق في الذكريات، أو ما يشبهها... لا أدري ما كانت.

ثم، فجأة، صرخت الفتاة بأمرٍ حازم:

"أحضِروا المعالج! فورًا!"

—خشخشة خطوات.

دخل رجل، نحيل، طويل، له نظرة صارمة في عينيه العسليتين، يرتدي رداءً رماديًا بسيطًا وتحته درع خفيف. شعره الأسود القصير كان رطبًا كما لو جاء من الخارج للتو.

انحنى بجانبي بسرعة، رفع كفه، وقال بعض الكلمات التي لم أفهمها، ثم مرر يده فوق رأسي، لا يلمسني... لكنني شعرت بشيء، كأنّ الهواء ذاته تحوّل إلى دفءٍ خفيف، يحاول اقتلاع الألم.

مرت ثوانٍ، دقيقة ربما... وبدأت نبضاتي تخفّ، الألم ينسحب، لكنه لم يرحل تمامًا. فقط اختبأ، يراقب، يتربص.

ارتخت أطرافي، وزفرت، كأنني كنت أحبس أنفاسي لقرون.

تنهدت الفتاة، ونظرت إلى المعالج:

"ماذا حل به؟"

بقي المعالج صامتًا، ثم، ببطء، قال:

"لا أعرف... لكن حين تفحّصته، لم أجد... شيئًا."

نظرت إليه بدهشة:

"ماذا تعني؟"

رد بصوت أقرب للهمس:

"كأنّه... فراغ. لا تردد، لا نبض سحري، لا تشويه، لا أثر للطاقة... لا شيء. كأنّه كتلة من الصمت."

حدّقت فيه الفتاة طويلاً، ثم نظرت إليّ، وكأنّها تحاول فهم كيف يمكن لشخص أن يكون لا شيء.

—خطوات.

دخل رجل يرتدي درعًا داكنًا. صوته كان قاسيًا، رسميًا:

"رصدنا وحوشًا من اللامكان من الرتبة 1 و القليل من الرتبة 2 قرب الحدود الشرقية."

نظرت إليه الفتاة بتركيز، وقفت، وعيناها تشعّان بحدّة جديدة، ثم عادت إليّ، وانحنت قليلًا وهمست:

"يبدو أن الوقت لا يسعنا."

صمتت لثوانٍ، ثم تابعت بصوت خافت:

"الآن... ارتح. إن تذكّرت أي شيء، مهما كان صغيرًا... أخبرني عندما أعود."

استدارت. صوت خطواتها كان خفيفًا، لكنه ترك صدى في صدري.

—خشخشة.

—أوامر تُقال من بعيد.

—الأسلحة تُشحذ، الهمسات تنتشر، الظلال تتحرك.

وتركت لوحدي

2025/05/12 · 18 مشاهدة · 1109 كلمة
mhm OT
نادي الروايات - 2026