السكون...

ذلك النوع من السكون الذي لا يشبه هدوء الليل، بل يشبه الصمت الثقيل الذي يعقب العواصف. ليس سكون راحة، بل سكون ترقّب، كأن العالم يحتبس أنفاسه بانتظار شيء مجهول.

كنت مستلقيًا فوق الفراش المصنوع من قماش خشن، يابسٍ كجلدٍ قديم، بينما الهواء البارد يتسلل من بين شقوق الخيمة البالية. لا يزال هناك ألم... خفيف، لكنه مستمر، مثل رمادٍ لم ينطفئ بعد، كأن شيئًا ما يشتعل في داخلي، دون أن يُظهر لهبًا.

عيناي نصف مفتوحتين، تحدقان في السقف المؤقت المصنوع من الجلد المشدود، تتخلله خطوط الزمن والاهتراء. تتردد في ذهني أصداء ما قاله لي ذلك الرجل الغريب... المعالج؟ الساحر؟ ربما الاثنين، وربما لا هذا ولا ذاك.

"فراغ..."

كلمة واحدة.

ثابتة، غريبة، كأنها مفتاح لبابٍ لا أعلم أين يؤدي. هل كان يشير إلى قوة ما؟ أم إلى حالتي؟ أم إلى تلك اللعنة الغامضة التي تسكنني الآن؟

تنفست ببطء، محاولًا أن أرتب أفكاري المشوشة. شيء ما لا يزال عالقًا في ذهني، صورة مشوشة، ذكرى مشتعلة...

تذكّرت...

قبل أن أفقد وعيي، رأيت وهجًا... ثم وهجًا أقوى، ثم شعلة سوداء... ثم القلادة.

يدي ارتفعت ببطء، كأنها تتحرك من تلقاء نفسها، أناملي تتحسس رقبتي بحثًا عنها...

نعم، لا تزال هناك. تلك القلادة الغريبة، السوداء بالكامل، يتوسطها حجر شفاف بلون الرماد، كأن داخله دخان ساكن.

"قد تكون لها علاقة بكل هذا..."

تمتمت بالكلمات وكأنها سرٌ لا يُقال، ثم ضغطت بإصبعي على القلادة.

كما توقعت... ظهرت تلك الشاشة من العدم، بلا صوت، بلا حركة، فقط الحضور المفاجئ لها:

———

[المضيف: أرين فالكار]

السلالة: مجهولة / غير مسجلة

الوضع: مستيقظ – غير مستقر

اللعنة: [لعنة الرماد]

التأثيرات: ألم داخلي – اندماج تدريجي

القوة الرئيسية: اللهب الأسود

مستوى التهام الذات: 5%

———

همهمت:

"مستوى التهام الذات... 5%؟"

هل ارتفع؟ آخر ما أتذكره أني استخدمت تلك القدرة الغريبة. لهب... لا، لم يكن لهبًا عاديًا.

كان ظلًا مشتعلًا.

خرج من يدي، زحف نحو ذلك الوحش، التهمه ببطء، كأن شيئًا من الداخل كان يتغذى عليه.

"لكن كيف يمكنني السيطرة عليها؟ لا يجب أن أسمح لها بالسيطرة علي."

قدرة فتاكة...

لكن بثمن.

ثمن لم أكتشف مداه بعد.

ركّزت مجددًا على النافذة، عيناي معلّقتان بالكلمات:

"اللهب الأسود..."

تمتمت بها، لا أزال أجهل ماهية هذه القدرة. ذكريات اللعبة لا تزال مشوشة، كأنها ضباب فوق مرآة مكسورة. لهب لا يشرق، بل يُظلم.

أغمضت عيني، أحاول سبر أغوار نفسي، أبحث عن تلك الطاقة الغريبة المدفونة في أعماقي.

فجأة، ظهرت دائرة سوداء، عميقة، كأنها ثقب في روحي. مددت يدي نحوها، بلا وعي، حتى شعرت بتدفّق غريب يخرج من راحتي.

"هااا!"

فتحت عيني فجأة، أنفاسي متقطعة، جسدي يتصبب عرقًا رغم برودة الجو.

نظرت إلى يدي...

لا أعلم كيف أصف ما رأيته. كانت يدي مغطاة بما يشبه الظل المتجسد. الغريب أن الضوء داخل الخيمة بدأ يخفت، كأن يدي تبتلع النور.

امتدت النيران السوداء إلى مرفقي، تتوهج ببطء وعمق. لم تكن تحرق، بل... تحتل.

رفعت يدي إلى وجهي، أتحسسه، أردت التأكد إن كانت تلك النار ستؤذيني أنا أيضًا.

"هااا!"

شهقت فجأة، عندما بدأت النار تتجمع في عيني.

العالم من حولي بدأ يتغير.

الألوان تلاشت تدريجيًا. كل شيء صار أسود وأبيض، كأنني أنظر من خلال مرآة رمادية قاتمة.

"أغغغغ!"

نبض في عيني، وحرارة في صدري، كأن شيئًا بداخلي يُشتعل.

"هااا... هاا..."

تنفست بجهد، أزفر الألم ببطء، حتى بدأت الألوان تعود، ويدي استعادت طبيعتها.

لم تمضِ سوى ثوانٍ قليلة، لكنها كانت مؤلمة للغاية.

لكنني أدركت شيئًا واحدًا...

"يجب أن أعتاد على الألم، لأنه أصبح الآن جزءًا مني."

"هووو..."

زفرت نفسًا عميقًا، وأخذت وقتًا لأستجمع قواي.

*

بعد ان بدأ الالم بالزوال، قمت من السرير ببطء، لا أعرف كم من الوقت قضيت فاقدًا للوعي.

خطوت خارج الخيمة، نور الشمس صفع وجهي، فعميت عيناي للحظة.

كانت الخيام موزعة هنا وهناك، بسياج خشبي غير مكتمل يحيط بالمخيم.

فرسان، خيول، أصوات حوافر وخطى، وأحاديث خافتة.

مشيت بخطى غير متزنة، وكأنني لم أعد أملك السيطرة الكاملة على هذا الجسد.

رأيت من بعيد بئرًا حجرية. توجهت نحوها، شربت بنهم، ثم نزعت سترتي السوداء المثقبة، التي لا أعلم متى لبستها.

سكبت الماء على جسدي، وغسلت شعري ووجهي.

"هووو!"

شعرت بانتعاش عارم، كأنني لم أستحم منذ أعوام.

لكن الفضول... لم يمت.

'هل أُجرّب تلك القدرة مجددًا؟'

أغمضت عيني مرة أخرى، أتوغل داخل ذاتي، حتى رأيتها مجددًا... تلك البقعة السوداء، كأنها وعي يحدق بي من الظلام.

مددت يدي، شعرت بها مجددًا، فتحت عيني... نصف يدي كانت سوداء، مشتعلة.

حاولت إطلاقها خارج يدي، لكن لم يحدث شيء.

فجأة خطرت لي فكرة...

ملأت دلوًا بالماء، وسكبته فوق يدي السوداء.

"آه..."

لم يحدث تبخر، لم يظهر بخار... فقط اختفى الماء.

ابتلعته النار.

"أغغغ!"

عاد الألم مجددًا، لكنني قاومته.

"ليس بعد..."

ثم، ببطء، مددت يدي نحو عيني، كما فعلت سابقًا، لتتغير رؤيتي من جديد.

العالم تحول للأبيض والأسود، الزمن بدا أبطأ. نظرت إلى الجنود حولي...

أجزاء من أجسادهم كانت مظلمة، أخرى أكثر وهجًا.

كأنني أرى نقاط الضعف... أو القوة.

"أغغغ..."

مرت عشر ثوانٍ فقط، ثم اجتاحني الألم من جديد.

نبض في عيني، نار في صدري.

"هوووو!"

تنفست بعمق، لتعود الألوان تدريجيًا، وتختفي الطاقة من يدي.

حاولت بدافع الفضول استخدامها مجددًا، لكن لم يحدث شيء.

فجأة، سمعت صوتًا.

رنين!

تبعته اهتزازات خفيفة في الأرض.

هل عادوا؟ بهده السرعة؟

ثم رأيتها من بعيد...

تتقدم، كأنها ضوء في العتمة. مشرقة، كأنها ملاك...

المرأة من السابق.

وكأنها شعرت بنظرتي، فالتفتت إليّ.

نظرتها اخترقتني.

2025/05/13 · 24 مشاهدة · 823 كلمة
mhm OT
نادي الروايات - 2026