المطر يتساقط على أسطح مدينة "لو شان" منذ ثلاثة أيام متتالية. قطرات ثقيلة تنقر على النوافذ الخشبية للبيوت العتيقة كأنها أصابع شبح يطرق أبواب الذاكرة. في الشارع الضيق المرصوف بالحجر الأسود، يمشي لي يوان ببطء، يده اليسرى تمسك مظلة سوداء بالية، ويده اليمنى مدفونة في جيب معطفه الرمادي تعبث بدفتر صغير.
تسعة عشر عاماً من العمر. هذا كل ما يملكه من السنين، لكنها تثقل كتفيه كأنها قرون من الوحدة المتراكمة. عيناه البنيتان تنظر إلى الأمام دون أن تركز على شيء محدد، كأنه يسير في حلم مليء بالضباب الرمادي.
يتوقف أمام محل صغير لبيع الشاي. رائحة الياسمين الممزوجة بالخشب المحروق تتسلل إلى أنفه، تذكره بشيء لا يستطيع تسميته. يدخل، يطلب كوباً من الشاي الأخضر، يجلس في الزاوية البعيدة حيث لا يراه أحد.
صاحب المحل، رجل في الستينات بلحية بيضاء قصيرة، يضع الكوب أمامه ثم ينسى وجوده تماماً. يعود إلى قراءة صحيفته كأن لي يوان لم يدخل أصلاً. هكذا الحال دائماً. يدخل الأماكن، يتفاعل مع الناس، لكن بمجرد أن ينتهي التفاعل المباشر، ينسونه فوراً. كأنه لا يترك أثراً في ذاكرة أحد.
يخرج الدفتر من جيبه. غلاف جلدي بني اللون، متآكل من كثرة الاستعمال. يفتحه على الصفحة الأولى والوحيدة المكتوبة. خط يده المرتجف باللون الأزرق الداكن: "أبحث عن شيء لا أعرف ما هو. شيء يملأ هذا الفراغ الذي يكبر كل يوم في صدري."
يحدق في الجملة طويلاً. كم مرة قرأها؟ مئات المرات، آلاف ربما. لكنها لا تفقد معناها، بل تزداد إلحاحاً مع كل قراءة. الفراغ الذي يتحدث عنه ليس مجرد حزن أو ملل. إنه أشبه بحفرة سوداء في مركز كيانه، تبتلع كل محاولة للشعور بالحياة.
يرشف من الشاي ببطء. السائل دافئ، لكنه لا يشعر بالدفء. طعمه مر قليلاً، لكنه لا يشعر بالمرارة. كأن حواسه محاطة بطبقة رقيقة من اللامبالاة التي تمنعه من الإحساس الكامل بأي شيء.
في الخارج، يمر أطفال عائدون من المدرسة، يضحكون ويجرون تحت المطر. صوت ضحكهم يصل إليه مكتوماً، كأنه يأتي من عالم آخر. يراقبهم من خلال النافذة المبللة، يحاول أن يتذكر آخر مرة ضحك فيها بصدق. لا يستطيع.
يغلق الدفتر، يضعه في جيبه، يترك نقوداً على الطاولة أكثر من المطلوب. يخرج من المحل، وخلف ظهره يسأل صاحب المحل نفسه بتشوش: "هل كان هناك أحد جالس هنا؟"
***
المساء يحل على المدينة ببطء. الضباب يكثف، يحول الشوارع إلى متاهة رمادية. المصابيح القديمة تضيء واحداً تلو الآخر، تخلق دوائر صفراء ضعيفة من النور تتبددها العتمة سريعاً.
لي يوان يتجه نحو الأطراف القديمة من المدينة، حيث تقف البيوت الخشبية التقليدية بأسقفها المنحنية وجدرانها المتشققة. هنا الزمن يتحرك ببطء أكثر، والهواء أثقل بالذكريات المنسية.
يصل إلى حي الخيزران، الحي الذي حصل على اسمه من الأشجار الطويلة التي تصطف على جانبي النهر الصغير الذي يقسمه نصفين. الجسر الخشبي القديم يربط بين الضفتين، أخشابه تئن تحت قدميه وهو يعبر.
في منتصف الجسر، يتوقف. يستند على الحاجز الخشبي، ينظر إلى الماء الداكن يتدفق تحته. انعكاس وجهه يتمايل على السطح، مشوهاً، غير واضح المعالم. يفكر في كم سيكون الأمر سهلاً لو أنه تركنفسه يسقط، يذوب في هذا الماء الأسود، يختفي إلى الأبد.
لكن حتى هذه الفكرة تبدو له مرهقة أكثر من اللازم. حتى الموت يتطلب قراراً، وهو لا يملك الطاقة لاتخاذ أي قرار.
يخرج الدفتر مرة أخرى، يفتحه تحت ضوء المصباح الخافت. نفس الجملة تحدق فيه: "أبحث عن شيء لا أعرف ما هو."
"ماذا لو كان هذا الشيء هو الموت؟" يهمس لنفسه. صوته يختلط مع صوت الماء المتدفق تحت الجسر.
وفجأة، يسمع خطوات.
خطوات ناعمة، متقنة، تقترب من الجانب الآخر من الجسر. لكن الضباب كثيف لدرجة لا يستطيع معها رؤية أي شيء على بعد أكثر من بضعة أمتار.
الخطوات تتوقف.
صمت مطلق. حتى صوت الماء يبدو أنه توقف.
ثم، من قلب الضباب، تظهر شكل امرأة.
تقترب ببطء شديد، كأن كل خطوة محسوبة بدقة. عباءة سوداء طويلة تلتف حول جسدها، لا تكشف منه إلا يديها الشاحبتين. الغريب أن قدميها لا تصدر صوتاً على الأخشاب الصاخبة للجسر.
ي يوان يقف مكانه، لا يتحرك. لا يشعر بالخوف، لا يشعر بالفضول. فقط نوع من الانتباه البارد، كأنه ينتظر شيئاً كان يعرف أنه سيحدث.
تتوقف المرأة على بعد خمسة أمتار منه. الآن يستطيع رؤية وجهها، وما يراه يجعل نبضه يتوقف للحظة.
ليس لها وجه بالمعنى المعتاد. بدلاً من ذلك، تضع قناعاً... لا، ليس قناعاً بالضبط. إنه شيء أشبه بالجليد الشفاف، لكنه مليء بما يبدو وكأنه دموع متجمدة. دموع حقيقية، محبوسة في هذا الشكل الصلب، كل دمعة تحتوي على قصة حزن مختلفة.
عيناها من خلال هذا القناع الغريب تتوهجان بضوء أزرق باهت، ضوء بارد كنور القمر على الثلج.
تقف هناك، صامتة، تراقبه. دقيقة كاملة من الصمت المطبق. لي يوان يشعر كأن هذه النظرة تخترق جلده، تصل إلى عمق روحه، تقرأ كل فكرة مر بها في حياته.
ثم، دون أن تحرك شفتيها، يسمع صوتها في رأسه مباشرة. ليس صوتاً بالمعنى المعتاد، بل شعور، إحساس يتحول إلى كلمات في عقله:
*"لماذا تبحث عما لا تعرفه؟"*
السؤال يصيبه كصاعقة. لا أحد يعرف عن الدفتر، لا أحد يعرف عن بحثه. لكنها تعرف.
"أنت... من أنت؟" يتمكن أخيراً من النطق، صوته أجش من قلة الاستعمال.
*"من أكون ليس مهماً. المهم هو من ستصبح."*
تتقدم خطوة واحدة. الضباب من حولها يكثف أكثر، كأنه ينبع منها.
*"في حياتك هذه، لم تجد ما تبحث عنه. لم تجد المعنى، لم تجد الهدف، لم تجد حتى نفسك. أليس كذلك؟"*
كل كلمة تخترقه كسهم بارد. صحيح، كل كلمة صحيحة.
*"في حياتك القادمة، ستخدم من لا يفهمك. ستعيش لأجل من لا يرى فيك إلا أداة. ستبحث عن نفسك وسط من لا يدركون أنك تملك روحاً."*
"أي حياة قادمة؟ ماذا تقصدين؟" يخطو نحوها خطوة، لكن قدمه تتجمد في مكانها، كأن الهواء نفسه أصبح صلباً.
*"لن تموت، لي يوان. ستتحول. ستكتشف أن البحث عن المعنى لا ينتهي بتغيير الشكل، بل يبدأ من جديد في كل شكل."*
تمد يدها الشاحبة نحوه. أصابعها طويلة، رفيعة، باردة كالجليد.
*"هل أنت مستعد لتتعلم ما معنى أن تخدم؟ أن تكون مفيداً لأول مرة في وجودك؟"*
قبل أن يتمكن من الإجابة، تلمس أصابعها جبينه.
برد قارس ينتشر في جسده كله. لا يستطيع التحرك، لا يستطيع النطق، لا يستطيع حتى التفكير بوضوح. الدنيا من حوله تدور، الضباب يكثف حتى يصبح جداراً أبيض، ثم رمادياً، ثم أسود.
آخر شيء يراه قبل أن يفقد الوعي هو أوراق شجرة الخلود العملاقة التي تقف بجانب الجسر تتساقط كالمطر الذهبي، كل ورقة تحمل وجه إنسان مختلف، وجوه تبكي، تضحك، تصرخ في صمت.
آخر شيء يشعر به هو الجسر الخشبي يتفكك تحت قدميه، يسحبه إلى الماء الأسود، لا، ليس ماءً... إنه شيء أعمق، أسود أكثر، مكان لا نهاية له.
آخر شيء يفكر فيه قبل أن يختفي تماماً: "أخيراً، شيء يحدث.
البرد.
هذا أول شيء يشعر به. برد يخترق جلده، يصل إلى عظامه، لكنه ليس برد الشتاء الذي يعرفه. إنه برد أعمق، برد الولادة من جديد.
يحاول فتح عينيه، لكن الجفون ثقيلة جداً. يحاول تحريك يديه، لكن شيئاً غريباً... لا يجد يديه. بدلاً من ذلك، يشعر بأربعة أطراف، كلها مكسوة بشعر كثيف.
الذعر يبدأ يتسلل إليه ببطء. يحاول النهوض، لكن جسده لا يطيعه. يسقط مرة، مرتين، ثلاث مرات. في كل مرة يحاول الوقوف على قدمين، لكن جسده يرفض.
أخيراً يتمكن من فتح عينيه.
العالم مختلف. الألوان أقل وضوحاً، لكن الروائح... الروائح قوية جداً، تغمره كموجات من المعلومات التي لا يعرف كيف يفسرها. رائحة التراب الرطب، رائحة الأعشاب البرية، رائحة الخشب العتيق، ورائحة أخرى غريبة... رائحة الطاقة.
ينظر إلى نفسه. قوائم صغيرة مكسوة بفراء أسود ناعم. ذيل يتحرك خلفه دون سيطرته. وعندما يحاول أن ينطق، يخرج من فمه صوت عال، نباح صغير.
كلب. لقد أصبح كلباً.
لكن الغريب أنه لا يشعر بالصدمة التي كان يجب أن يشعر بها. بدلاً من ذلك، يشعر بوضوح ذهني غريب، كأن هذا التغيير كشف طبقة من الضباب كانت تغطي عقله.
يرفع رأسه، ينظر حوله. يقف في ساحة صغيرة أمام كوخ خشبي بسيط، محاط بحقول واسعة تمتد حتى الجبال البعيدة. الهواء هنا مختلف، مليء بشيء لا يستطيع تسميته، لكنه يشعر به يتدفق حول جسده ومن خلاله.
الباب الخشبي للكوخ يفتح ببطء، وتصدر منه صرخة بسيطة. يخرج رجل طويل القامة، عريض المنكبين، وجهه مليء بالندوب والخطوط التي تحكي قصصاً طويلة. شعره أسود مخلوط بخصلات فضية، مربوط في ذيل خلف رأسه بطريقة تقليدية.
عينا الرجل بنيتان داكنتان، لكن فيهما عمق غريب، كأنهما بحيرتان هادئتان تخفيان تحتهما أسراراً عميقة. ينظر إلى الجرو الصغير بتعبير لا يكشف عن أي مفاجأة، كأنه كان يتوقع وجوده هنا.
يقترب ببطء، يركع على ركبة واحدة، يمد يده الكبيرة المليئة بالخدوش والندوب. لي يوان، أو من كان لي يوان، يتراجع بضع خطوات، لكن شيئاً في عيني الرجل يجعله يتوقف.
"لا تخف،" صوت الرجل عميق، هادئ، مليء بنوع غريب من الحكمة. "أعرف ما تشعر به. أعرف الحيرة التي تملؤك الآن."
يضع يده برفق على رأس الجرو. ملمس يده دافئ، مريح بطريقة لا يستطيع تفسيرها.
"اسمي تشينغ وانغ. وأنت... سأسميك غو جيان. اسم قديم، يعني 'الصبر في الشدائد'. ستحتاج إلى كثير من الصبر في الأيام القادمة."
غو جيان. الاسم يردد في رأسه، وبطريقة غريبة، يبدو مناسباً أكثر من اسمه القديم.
"تعال،" يقول تشينغ وانغ وهو ينهض. "ستحتاج إلى الطعام والراحة. وغداً، ستبدأ في تعلم حقيقة هذا المكان."
يتبع غو جيان الرجل بخطوات صغيرة غير متقنة، جسده الجديد ما زال غريباً عليه. لكن بينما يدخل الكوخ الخشبي البسيط، يشعر بشيء لم يشعر به م
نذ سنوات: الفضول.
لأول مرة في حياته، أو في حياته الجديدة، يريد أن يعرف ما سيحدث غداً.