الفصل: الاول

ما الذي يجري بالضبط؟

كانت تلك أولى الكلمات التي تدفّقت إلى ذهني وأنا أحدّق في المكان الذي استيقظت فيه، كأنها ارتسمت في داخلي قبل أن أتمكّن من النطق بها أو حتى التفكير العميق في معناها. غير أنني لم أكن متأكداً إن كانت الكلمة التي خطرت بذهني صائبة حقاً؛ إذ إنّني، في قرارة نفسي، كنت واثقاً تمام الثقة أنّني لم أنم في الليلة الماضية، بل ظللت مستيقظاً حتى وقت متأخر.

وفي اللحظة التالية مباشرة، اجتاحتني الذكرى بكل تفاصيلها المرهقة. تذكّرتُ كيف حدث الأمر، وكيف قادني الطريق خطوة خطوة إلى هذه النقطة الغامضة. كنت في مكتبي، غارقاً بين الأوراق والكتب والنسخ المبعثرة، منهمكاً في قراءة المانغا الجديدة. لم يكن ذلك مجرد تسلية عابرة، بل كان جزءاً من عملي، فأنا المحرّر الذي يرافق المؤلفين، أقدّم لهم الأفكار، أوجّه السرد، وأتولّى مسؤولية النشر نيابة عن مجلّة المانغا التي أعمل معها.

في تلك الليلة، كنت أطالع المسوّدة التي عرضها عليّ الكاتب الجديد "سورا"، شاب غريب الأطوار جاء إلينا بقصّة حملت عنواناً مثيراً: "البطل القمامة في عالم الكارثة".

عنوان بدا لي منذ الوهلة الأولى مستفزّاً، فيه نفحة من التحدّي، وفي الوقت ذاته وعدٌ بشيء مختلف.

انطلقت الصفحات لتكشف أمامي حكاية صيّاد لا يملك موهبة، يكاد يكون أضعف من أن يُذكر، لكنه يصادف أن يحصل على نظام يمنحه جوائز بعد إنجازه للمهام التي يضعها له ذلك النظام. فكرة مألوفة، بل مكرّرة، تكاد تكون إحدى الكلاسيكيات التي لا تحتاج إلى كثير وقت لفهمها أو الغوص فيها. ولهذا قرأت الفصول الأولى بسرعة، حتى وصلت منتصف الليل.

حين أنهيت تلك القراءة، أطلقت نفساً طويلاً عميقاً، مزيجاً من التعب والامتعاض. خطر لي أن أتصل بالمؤلّف مباشرة، لكن لا لأخبره بأخبار جيّدة. فقد بدت المانغا جيّدة من الناحية السردية، فيها بناء عالم متماسك إلى حدٍّ ما، غير أنّ البطولـة ذاتها كانت مثقلة بالعيوب. القوة الممنوحة للبطل في الفصول الأولى بدت طاغية، مبالغاً فيها إلى حدّ الإزعاج.

كان الانزعاج يتسرّب إلى أعماقي مثل دخان أسود. كيف يمكن لبطلٍ أن يبدأ من موقع الضعف المطلق، لا يملك موهبة ولا قدرة، ثم يتحوّل فجأة إلى كائن يتفوّق على الجميع؟ كان ضعيفاً، في البداية، لدرجة أنّه لم يتمكّن من مجاراة أيّ من زملائه في أكاديمية تدريب الصيّادين، "أسترا". هناك، كان يخسر أمام الجميع، عاجزاً عن إثبات نفسه. ورغم ذلك، كان يحلم بالفوز، يجهد نفسه في التمارين، يتصبّب عرقه، يسعى وراء تحسين أدائه… لكن في عالمٍ تُعدّ الموهبة فيه قدراً يولد به المرء، لم يكن بوسعه أن يبلغ أكثر من خيبة الأمل.

ووسط تلك الأحداث، برزت شخصية شدّتني بصدق: أوليفر ديفيد.

شاب قدّمته الصفحات العشر الأولى بوصفه الطالب الأفضل في سنته، متميّزاً بشكل لافت، تتوجّه إليه أنظار الجميع، يتوقّعون منه أن ينال قوّة عظيمة في حفل الاستيقاظ المرتقب.

وكان لا بدّ للمانغا أن تفسّر ذلك الطقس الغامض. حفل الاستيقاظ: حيث يتدرّب كل صيّاد ثلاث سنوات داخل أكاديمية "أسترا"، حتى يبلغ أقصى إمكاناته الجسدية والقتالية. بعدها يُسمح له بالاقتراب من إحدى البلّورات السحرية المستخرجة من "الزلزالات"، وهي مناطق خطرة تنبثق فيها وحوش من عوالم أخرى عبر بوابات غامضة. تجلب الأكاديمية تلك البلّورات لتمنح الصيادين فرصة في الاستيقاظ.

تشرح الصفحات أنّ الاستيقاظ يتم حين تبثّ البلّورة طاقتها السحرية في الجسد، فتهزّ أعماقه وتوقظ طاقته الروحية الكامنة. تلك الطاقة هي مزيج فريد بين السحر المنبعث من البلّورة والقوة الجسدية التي يحملها الصياد في داخله، ومن هنا يولد الصياد الجديد بقوّة خارقة.

بالطبع، وكما هو متوقّع، فشل بطل الرواية في الحصول على أيّ قوّة تذكر. أما أوليفر ديفيد، فقد استيقظ بسهولة، بل نال رتبة "A"، وهي رتبة عالية تضعه في موقع مميّز للغاية، وزُوّد بمهارات مدهشة.

لكن ما صعقني، وما جعلني أنفر من العمل، هو أنّ البطل تمكّن، بعد إنجاز مهمّة واحدة فحسب، من هزيمة أوليفر بضربة واحدة، وكأنّ كل ما بُني من سرد وجهد انهار فجأة أمام نزوة كاتب. لم يقتصر الأمر على ذلك، بل حصل البطل على قوّة استثنائية، إذ استيقظ مباشرة برتبة "S"، الأعلى على الإطلاق، ومع موهبة خارقة تدعى "النسخ".

النسخ! قدرة تمكّنه من استنساخ أي قوّة يملكها أي شخص آخر استيقظ، بل وأكثر من ذلك: يستطيع أن يضيف عليها لمساته الخاصة أو أن يدمج عدة قوى ليخلق قدرة أبشع وأعظم. وهكذا صار يتفوّق على الجميع بسهولة، في سلسلة متكرّرة إلى حد الملل: مهمّة، جائزة، قوّة منسوخة، تفوّق جديد.

واصلت القراءة، لكنّ الانزعاج نما داخلي مثل شجرة شوكية. لم يعد بإمكاني تحمّل ذلك النمط المتكرّر. وفي النهاية، التقطت الهاتف واتصلت بالكاتب.

– "أنا آسف، لكنني أعتقد أنّ روايتك ليست جيدة بما فيه الكفاية، خصوصاً أنّ الشخصية الرئيسية غير مناسبة كبطلٍ لعمل شونين جديد."

ساد صمت طويل في الطرف الآخر من الخط، صمت كئيب كأنّه هواء ثقيل بلا حركة. ظننته لم يُعر كلماتي اهتماماً، أو ربما أصيب بصدمة. فحاولت أن ألين نبرتي، أن أشرح له بلطف.

– "انظر، قصتك العالمية رائعة، وأسلوبك في بناء العالم متقن جداً. أنا فقط لديّ انتقاد بشأن البطل. إذا عدّلت هذه النقطة وجعلت الشخصيّة أكثر اتساقاً، سأكون سعيداً بأن أصبح محرّرك."

وفجأة، سمعت صوت أنفاس عميقة في الطرف الآخر. للحظة، خُيّل إليّ أنّه يضحك، لكنني لم أُرد أن أصدق الفكرة. وما إن انغمس ذهني في الاحتمال حتى انفجر الصوت:

– "هاهاهاهاها!"

ضحكة عالية، صاخبة، مجنونة، ملأت أذني وأربكت كياني. تجمّدت في مكاني، لا أدري كيف أواجه ذلك الجنون المفاجئ. تملّكتني الحيرة، وظننت أنّ الكاتب فقد عقله لمجرّد أنّني رفضت العمل معه. لكنني كنت، في النهاية، محرّراً مخضرماً، تعاملت مع مئات المؤلفين من قبل، وكنت مشهوراً بأنني القادر على تحويل أي سلسلة إلى نجاح مضمون.

توقّف الضحك فجأة، ليظهر صوته مجدداً. لكنّه كان هذه المرة صوتاً أجشّ، بارداً، يذكّر بمرض الزكام، ومع ذلك تسرّبت منه نبرة جنون.

– "إذاً… أنت ترى أنّ بطلي سيء، أليس كذلك؟"

كنت بطبيعتي هادئاً، فلم أرتبك كثيراً، وأجبت بصدق:

– "نعم. البطل مبالغ فيه إلى حدٍّ كبير، ولا يليق بقصّة شونين."

كنت أعلم أنّ ما أقوله صحيح، فشخصيات الشونين غالباً تبدأ ضعيفة، لا تملك قدرات تذكر، لكنّها تبني قوتها بالعمل الجاد، بعرق الجبين، وتكبر تدريجياً بمساعدة الأصدقاء والحلفاء. حتى إن حصلوا على بعض القوى غير المنطقية، فإنّها لا تجعلهم في موقع تفوّق مطلق، بل تظل هناك فجوات عليهم تجاوزها بالجهد والمعاناة، على الأقل حتى منتصف القصة. أما هنا، فالبطل صار قوياً بشكل عبثي منذ الفصول الأولى.

سمعته يتمتم بكلمات مبهمة، غريبة، كأنها تعاويذ. لم أفهمها بوضوح، لكن فكرة قاتمة بدأت تتشكّل في داخلي. قبل أن أسترسل في الظنون، عاد صوته يخترق الصمت:

– "حسناً… بما أنك تعتقد أنّني لم أكتب بطلاً جيداً، فلماذا لا تكون أنت البطل؟"

أصابتني صدمة مباغتة، جعلت لساني ينعقد. ماذا كان يقصد؟ هل جنّ حقاً؟ هل فقد صوابه؟

– "أعتقد أنّك تحتاج إلى بعض الراحة… ربما أنت تضغط على نفسك أكثر مما ينبغي يا سيد سورا."

قلت ذلك بصدق، بدافع القلق. فقد بدا لي كاتباً موهوباً، صنع عالماً جيداً، لكنه تعثّر في شخصية واحدة. كان مؤسفاً أن ينهار بهذه الطريقة. غير أنّه لم يبدُ مهتماً بكلامي، ولم يتقبّل النصيحة.

– "أنت مناسب جداً… لتذهب إلى قصتي. بما أنّني كتبتها على عجل، لم أفكّر مليّاً، لكن بما أنّك ترى نفسك تعرف ما يعنيه البطل الحقيقي… فقد قررت أن أجعلك أنت البطل الرئيسي."

ارتسمت على وجهي ابتسامة باهتة، مرّة الطعم. كان من الواضح أنّه يغرق في عالمه الخيالي، يفقد الصلة بالواقع كما يحدث لكثير من المؤلفين حين يذوبون في قصصهم. لم أشأ أن أستفزّه أكثر. فقلت بمسايرة باردة:

– "حقاً؟ تريد أن تجعلني شخصية في قصتك؟ أيّ شخصية أكون إذن؟"

كنت أقولها بلا مبالاة، فقط لأجعله يهدأ، كي لا يرتكب حماقة.

– "لقد فكّرت بشخصية لك… بالمناسبة، أعتقد أنّك ستحبها كثيراً. ألستَ معجباً دائماً بشخصية أوليفر؟ أليس هو الأقرب إلى قلبك؟"

شعرت برعشة تجتاحني من قدمي حتى رأسي. كيف عرف أنّني معجب بأوليفر؟ لم أُخبره بذلك قط. كانت تلك الفكرة وحدها كافية لأن تثير الذهول في داخلي.

ومجدداً، ارتفع صوته ضاحكاً، بنفس النغمة المليئة بالسخرية والمرح الأسود.

– "أعرف ما يدور في ذهنك… تتساءل كيف عرفت، أليس كذلك؟"

كان صوته يخترق أعماقي كأنّه يقرأ أفكاري حقاً. ازداد خفقان قلبي، ارتفع نبضه بشكل غير مبرّر. حاولت أن أتماسك، أن آخذ نفساً عميقاً.

– "اسمع… أظننا انتهينا هنا. آسف، لا أستطيع أن أكون محرّرك. لكن تأكد أنّني معجب بقصتك، بالفعل."

حاولت إنهاء المكالمة، لكن صوته شدّني مجدداً:

– "أوه… هكذا إذن؟ بما أنّك معجب بقصتي… فإنني لا أستطيع التوقّف عن جعلك أكثر إعجاباً."

وما إن أنهى عبارته حتى أحسست برأسي يثقل بشكل مروّع، كأنّ عشرات الأوزان وُضعت فوق جمجمتي. دوّى الألم في داخلي حتى كدت أصرخ:

– "ما الذي يحدث بحق الجحيم؟ أكاد أموت!"

تساقط الهاتف من يدي بينما أمسكت رأسي بكلتا يديّ، محاولاً أن أقاوم الألم العاصف.

– "… أتمنى أن تستمتع، أيها المحرّر المحترم. بالتأكيد ستجعل قصتي أفضل بمساعدتك."

الغريب أنّني، رغم الألم الذي يعصف برأسي، كنت أسمع صوته بوضوح، مع أنّ الهاتف لم يكن على مكبّر الصوت. لم تكن أذناي يوماً بهذه القوّة، ومع ذلك تسلّل صوته إلى أعماقي كأنّه ينبع من داخلي لا من الجهاز.

ثم، غبت عن الوعي.

وفي الثانية التالية، وجدت نفسي هنا، في هذا المكان الغريب. الميدان الذي يحيط بي بدا كميدان تدريب واسع، تحيط به أسوار شاهقة، يقف فيه جمع كبير من الناس مصطفّين بصرامة عسكرية. جميعنا نحدّق في رجل ضخم القامة، يزيد طوله على مترين، ممتلئ العضلات، تعلو وجهه شوارب سوداء حادّة كالسيوف، بدا في أوائل الثلاثينات من عمره.

عرفته على الفور. الصياد ألكسندر بيرس.

الشخصية التي كانت، في فصول المانغا الأولى، المعلّم الذي تولّى تدريب البطل وإرشاده في البداية.

2025/09/26 · 73 مشاهدة · 1472 كلمة
Alistair Stark
نادي الروايات - 2026