بسم الله الرحمن الرحيم
اتمنى يا اصدقاء ان تقوم بالتعليق بالاضافه اخباري اذا كان يجب ان اتابع الترجمه او لا
الفصل: الثالث
لقد انقضت عشرون دقيقة منذ لحظة وصولي إلى هذا المكان الغريب، عشرون دقيقة متثاقلة كأنها شطرٌ من دهرٍ عتيق، تتعثر ثوانيها على أطراف عقارب الزمن في داخلي. كنتُ أعبر ممرات الأكاديمية بخطواتٍ حائرة، تتأرجح بين يقينٍ غائب وترددٍ مقيم، محاولاً أن أجد لنفسي وجهة واضحة أو معنى ملموساً. الهواء الذي يملأ تلك الممرات بدا بارداً، مشوباً برائحة الحديد والعرق، رائحة التمارين المتواصلة التي يتركها المقاتلون خلفهم، ممزوجة برائحة الأرضية الحجرية القديمة التي امتصت على مر السنين صدى الخطوات وصليل السيوف.
لم تكن الكلمات الكبيرة تليق بموقفي ذاك؛ فأنا في لحظة أشبه بالتيه، لا أعرف فيها إلى أيّ درب يجب أن أتجه، ولا أيّ قرار سيكون أكثر حكمةً في هذا الوقت المحدود. فكرتُ أن أعود إلى قاعة التدريب التي غادرتها قبل قليل؛ فهي على الأقل مكانٌ مألوف في هذا الضياع، أهون من أن أبقى متجمداً بلا فعل، أسيراً لثقل الحيرة. كنتُ أواسي نفسي بأن الانشغال بالحركة خيرٌ من السكون، وأن التجربة خيرٌ من الانتظار العقيم.
وبينما أنا غارق في أفكاري، اقترب مني شخص هائل البنية، يكاد طوله يبلغ المترين، حتى إن ظله غطى على بعض الأضواء المنبعثة من النوافذ العالية. كان رجلاً مهيباً، أسود الشعر، تعلو وجهه لحية كثيفة، لكنّها مشذبة بعنايةٍ وأناقة، وكأنها صُنعت خصيصاً لتدل على قوةٍ منضبطة لا على فوضى غاشمة. كان يرتدي سترة سوداء قاتمة تلتصق بجسده الضخم، وتحتها قميص أسود اللون كذلك، أما ساقاه فكانتا مكسوتين بسروال عسكري ثقيل يوحي بالصلابة والانضباط. كانت ملامحه أشبه بجبالٍ صلبة، وصوته حين انبعث منه بدا هادئاً عميقاً، يحمل صدىً يُناسب معلمًا محنكاً أكثر مما يناسب مقاتلاً عادياً.
قال بصوتٍ متزنٍ لكنه حازم:
«أوليفر، جئتُ إلى هنا لأخبرك أن أحد أفراد نقابتي، نقابة المخلب الأحمر، سيأتي قريباً لمناقشتك بشأن انضمامك إلى صفوفهم».
ترددت كلماته في أذني، كأنها نُقشت في الحجر، ووجدتني أحدق فيه بصمتٍ عابرٍ للزمن. كان حديثه يحمل مزيجاً من العناية والجدية، تماماً كما يفعل معلمٌ يولي اهتماماً خاصاً بتلميذ يراه مميزاً. لم أملك ذكريات أوليفر الأصلي، فلا زالت ذاكرتي فارغة من ماضيه، لكنّني في نهاية المطاف داخل صفحات المانجا، وقد وجدت نفسي بين طياتها أُجسّد شخصيته. كنتُ واعياً لهذا التناقض الغريب: أنا ولست أنا، الشخصية الرئيسية التي تُساق بها الأحداث وإن كنتُ أفتقر إلى جذورها.
قررت أن أتصرف مباشرة دون التفاف:
«بالطبع، سأنتظرهم… لكن متى سيأتون بالضبط؟»
لم أكن أعلم من تفاصيل القصة سوى القليل، فما كانت المانجا تعرضه دائماً هو وجهة نظر البطل الرئيسي آرثر دراغونيل. لم تُعرض أبداً لقاءات أوليفر المباشرة مع أعضاء النقابة، بل سُردت كظلال بعيدة في خلفية مشاهد آرثر. كنتُ أعلم أن هناك فراغات واسعة في النص الأصلي، فراغاتٌ لم يملأها المؤلف، وها أنا ذا مضطر أن أملأها بوجودي.
تذكرتُ كلمات البطل آرثر آنذاك حين سمع بخبر احتمالية انضمام أوليفر إلى المخلب الأحمر:
«تُرى، هل سيتمكن من الانضمام إليهم حقاً؟ يا لها من مسافة هائلة تفصل بين قدرات الناس!»
في تلك اللحظة المصيرية من القصة، كان آرثر قد أيقظ النظام وحصل على استيقاظه العظيم، وارتقى فجأة إلى رتبة S. لم يمض وقت طويل بعد ذلك حتى جاء ليقاتل أوليفر. لكن القصة الأصلية لم تكشف تفاصيل ما جرى لأوليڤر فيما بعد، لم توضّح كيف عاش تلك المواجهة، ولا ماذا شعر حين واجه بطلاً تصاعدت قوته بشكل غير طبيعي.
أما الآن، فالمعلم ألكسندر بيرس، الذي حمل هيبة الجبال وهدوء العواصف، أنهى حديثه وغادر ببطء، كأن كل خطوة من خطواته تزن أثقالاً من المعاني. بقيتُ متسمراً في مكاني، أحدق بالجدار البارد أمامي، حتى تسللت إلى مسامعي أصوات اصطدام السيوف، كأنها نداء يدعوني. انجذبتُ إليها بلا وعي، واندفعت نحو قاعة التدريب.
كانت القاعة هي ذاتها التي حدّثني فيها المعلم قبل قليل. رحتُ أتأمل جدرانها العالية، أعمدتها المتينة، وأرضيتها التي تحفرها ندوب آلاف المعارك التدريبية السابقة. كنتُ أبحث قبل قليل عن غرفتي، لكنّني وجدتني أعود إلى هنا. ربما كان القرار الصحيح أن أكرّس وقتي للتدريب، أن أفهم قدرات هذا الجسد الذي أصبحت أقطنه.
فتحت شاشة الحالة أمامي، وإذا بها تُظهر:
(مركز الرياح) – (الحالة: مقفل)
نظرتُ إلى القدرات. كنتُ الآن من رتبة A، أي إنني أمتلك قوة روحية معتبرة، بالإضافة إلى ثلاث مهارات مسجلة: الشعور بالخطر، مركز الرياح، والتبادل.
تأملتُ هذه المهارات بتمعن. لطالما ذكرت المانجا أن المهارات تُصبح امتداداً للجسد، تُفعل تلقائياً متى ما أراد المستخدم، شريطة أن يملك طاقة روحية كافية. غير أن مركز الرياح كان مقفلاً أمامي، لا سبيل لاستخدامه حالياً. كان الوصف يخبرني بأنها مهارة تسمح بالتحكم في الرياح بسهولة، لكن غياب الطريقة الصحيحة لفتحها جعلني أؤجلها. قررت أن أركّز أولاً على المهارات الأخرى التي بوسعي استخدامها.
رفعت بصري وتأملت مهارة التبادل. فكرتها بسيطة، تحمل الاسم نفسه: تبادل المواقع بيني وبين كائن حي أو حتى جماد لا يملك روحاً. غير أن لها سلبيات لم تُكشف كاملة في النص الأصلي. كنتُ أذكر مشهداً حاسماً من القتال بين أوليفر وآرثر، حيث استخدم أوليفر هذه المهارة، لكنّها لم تؤثر. السبب كان واضحاً حين فسره نظام آرثر: لا يتأثر صاحب الطاقة الروحية الأعلى بمهارات من يملك طاقة أدنى.
وبما أن آرثر بعد استيقاظه ارتقى إلى مرتبة أعلى بكثير مني، فقد صار استخدام التبادل ضده بلا فائدة. كانت تلك اللحظة التي سقط فيها أوليفر الأصلي بضربة واحدة فقط. بدا الأمر حينها غبياً، لكنه في السياق كان مفهوماً؛ إذ لم يكن أحد ليتوقع أن يعود آرثر بعد أيام قليلة وقد بلغ من القوة مبلغاً يُحطم التوازن. حتى أنا، القارئ السابق للمانجا، لم أتصور هذه النتيجة، كنتُ أظن أنّ القوة ستتصاعد تدريجياً. لكن المفاجأة أن آرثر قفز قفزات هائلة، يحل الأزمات بسهولة مُفرطة، يرتفع بلا عناء.
تنهدتُ وأنا أفكر: لا فائدة من اجترار الماضي. ينبغي أن أركز على ما بين يدي الآن. وجهتُ بصري نحو صخرة بعيدة، تبعد عشرة أمتار تقريباً. المكان خالٍ، الميدان يحيط بي بصمت، لم يكن هناك من يراقب. تماسكت، ثم تمتمتُ: «التبادل».
وفي اللحظة التالية، تبدلت المواقع. وجدت نفسي حيث كانت الصخرة، بينما حلت الصخرة حيث كنت واقفاً. اهتز جسدي لبرهة، شعرتُ باسترخاء مفاجئ أشبه بالاستنزاف، لكنه كان ضئيلاً. التقطت أنفاسي العميقة، وابتسمت ابتسامة خافتة.
«لقد نجحت… لقد نجحت هذه المهارة! أستطيع الانتقال والتبادل مع الأشياء الأخرى».
كان الاكتشاف مثيراً. التبادل ليس مجرد وسيلة للهروب، بل أداة للهجوم أيضاً. يمكنني بها مباغتة خصومي من زوايا عمياء، أو الإفلات من هجمات قاتلة بلمح البصر. كان في الأمر إمكانات عظيمة لم تُستغل حقاً في القصة الأصلية.
ثم تأملت المهارة الأخرى: الشعور بالخطر. للأسف، لم تكن هذه المهارة سريعة بما يكفي لإنقاذ أوليفر الأصلي من هجوم آرثر الأخير. أدركت السبب؛ فالمهارة لا تمنحك النجاة إلا إذا كنت سريع الغرائز بما يكفي لتستجيب فوراً. لكن أوليفر، كونه الأقوى في الأكاديمية، لم يختبر شعور الخطر من قبل، لذا لم يفهم التلميح الذي تمنحه هذه القدرة. إنها تُرسل إحساساً غامضاً، كلسعة أو وخز في اتجاه الهجوم القادم، لا أكثر.
قلتُ في نفسي:
«إنها مفيدة حقاً… مهارتا التبادل والشعور بالخطر تجعل إصابتي صعبة على أي خصم».
أضفتُ وأنا أستشعر الطموح:
«وإذا تمكنتُ يوماً من تفعيل مركز الرياح، ستكون لدي أخيراً مهارة هجومية حقيقية».
استدعيت شاشة الحالة من جديد:
الاسم: أوليفر
المهنة: صياد
الرتبة: A
لكنني لم أفتحها لرؤية ما هو بديهي، بل بحثت عن شيء آخر. ظهرت أمامي أرقام غريبة:
(عدد المتابعين: 100) – (مستوى الاهتمام: 4%)
ارتفع مستوى الاهتمام قليلاً، لكن عدد المتابعين بقي ثابتاً. لم أكن أعرف أين يتم تسجيل الفصل الأول من القصة. في المانجا الأصلية، كان الفصل الأول يمتد خمسين إلى ستين صفحة، أما هنا فأنا عالق في زمنٍ يبدو بلا قياس.
كنتُ أعلم أن قدوم آرثر سيطول، فهو لا يزال يستكشف قدرات النظام بعد استيقاظه. سيأتي في النهاية لمواجهتي، لكن قبل ذلك ستسبق زيارته مجموعة من المخلب الأحمر. لم أدر متى أو كيف اجتذبتُ اهتمامهم، لكنني أعلم من هم: إحدى النقابات الذهبية، تضم صيادين بارعين من مختلف الأكاديميات. اسمهم وحده مشهور بما يكفي ليثير الحسد. في النص الأصلي، كان آرثر يغلي غيرةً من أوليفر حين سمع باحتمال انضمامه إليهم.
تمتمتُ بيني وبين نفسي:
«إن قدوم البطل الآن أمر مهم للغاية، إن أردتُ أن أكون مقبولاً في نظر الجمهور».
فأهم ما يميز بطل الشونين هو كونه يبدأ ضعيفاً، يتدرج صعوداً بالكدّ والمعاناة. هذا ما يمنحه جاذبية عظيمة. أما آرثر، فقد قفز مباشرة إلى القمة، متجاوزاً مراحل النضال، فبدت قصته غير متوازنة. لكنني اليوم، بصفتي أوليفر، أملك الفرصة لأُجسّد البطل المناسب حقاً.
ارتسمت في ذهني فكرة: أن يكون آرثر الطموح الذي أطمح لبلوغه، بينما أبدأ أنا من موقع أدنى. سيكون مسار الرحلة أكثر إقناعاً للجمهور، أكثر قابلية للتعلق، أكثر إنسانية.
وفجأة، انبثق في عقلي صوت ذلك الكائن الغامض الذي يلاحقني كظلٍ لا يفارقني:
(يا لها من فكرة جميلة تمتلكها… أرغب حقاً برؤيتك وأنت تفعل ذلك)
صرختُ في داخلي:
«تبا لك! لماذا عدتَ مرة أخرى؟ ظننتُ أنني لن أسمع صوتك بعد الآن».
أجابني الصوت بسخرية رقيقة:
(حسنٌ حسن… لكنك تعلم أنني أرغب بمشاهدة بطلي، أليس هذا أمراً مهماً بالنسبة لي كوني الكاتب؟)
ضغطت على أسناني بقوة، أكاد أفتتها غيظاً. لم أشأ أن أصرخ، فالصوت يعرف كيف يستفزني. مع ذلك، أجبتُه بصوتٍ متماسك:
«لماذا جئتَ الآن؟ ألا ترى أنني أتدرب وأفكر في كيفية جعل القصة أفضل؟»
ردّ ببرود:
(صحيح… أراك جيداً. لكن هل تدرك شيئاً مهماً؟ أنت تحاول استخدام بطلي، الذي زعمتَ أنه بطل سيئ، لتُحرك به قصتك!)
تنفستُ ببطء وقررت أن أشرح له ببساطة:
«حالياً، أوليفر يمثل شخصية قوية، لن يختلف كثيراً عن بطلك الأصلي الذي لم يكن مناسباً كبطل شونين».
أجابني:
(صحيح، هذا أراه. لكن لماذا تريد أن تستخدم بطلي أصلاً؟ ألن يجعل ذلك الأمر أسوأ؟)
قلت بثقةٍ هادئة:
«ليس بالضرورة. لو ظل أوليفر هو الأقوى دوماً لكان ذلك صحيحاً. لكن بفضلك أنت، وبسبب ما صنعتَ من قوة مفرطة لآرثر، لم يعد هذا الخوف موجوداً. الآن، أنا لا أستطيع أن أكون الأقوى، وهذا ما يجعلني مناسباً لبداية رحلة بطل شونين مثالي: البطل الضعيف الذي يقوى مع الوقت».
«أما آرثر، فهو الطموح الذي أريد أن أبلغه. إن تمكنتُ من إيصال هذه المشاعر إلى الجمهور، فسأزيد عدد المتابعين ومستوى الاهتمام بهذه القصة».
قهقه الصوت في داخلي بسخرية:
(أها… إذاً أنت تستخدم بطلي مجرد أداة لتحريك الحبكة! كم هو مثير للاهتمام أيها المحرر العبقري!)
(سأنتظر وأرى أين ستقودك هذه الأفكار… أنا حقاً متشوق لأرى كيف سيحطم بطلي وجهك ويمسح بك الأرض، ليبرهن أنك مجرد شخصية سيئة!)
لكن سخريته لم تنل من عزيمتي. تجاهلتُه وعدتُ إلى تدريبي. ركزتُ بصري على الصخرة مرة أخرى، استدعيتُ طاقتي، وحركتُ جسدي كمن يصوغ قدراً جديداً بيديه. لم يعد يهمني صوته المزعج، ولا سخريته القاتمة. كل ما يهم الآن أن أفهم كل ما يخص قدرا
ت أوليفر، أن أكتشف كيف أُعيد صياغة هذا الدور، كيف أُقيم على أنقاض النص الأصلي بطلًا جديداً يليق بالرحلة.