بسم الله الرحمن الرحيم

تعليق واضافه الى المفضله رجاء

الفصل الرابع

عدتُ إلى غرفتي بعد أن ظللتُ طويلًا عند مدخل المساكن، واقفًا هناك كما لو كنت تمثالًا من حجرٍ ينتظر عودة الأرواح إلى أجسادها. كنت أتابع بخطًى صامتة عودة الطلاب واحدًا تلو الآخر، أراقبهم كما يراقب الصياد حركة الطيور في سماءٍ رمادية، علّني أتبين الطريق الذي يقود إلى مساكنهم. كانت الفكرة التي تتردّد في ذهني واضحة: إنني لا أعلم أين تقع تلك المساكن تحديدًا، وإن لم أجد وسيلة للتعرّف على الطريق فسأظل تائهًا في أزقةٍ لا نهاية لها. لم يكن ثمة سبيلٌ أوضح من الانتظار، انتظار خطواتهم لتدلّني كما تدلّ علاماتُ القمر السائرِ في عتمة الليل.

كنتُ أذكر من المانجا ـ تلك التي صارت حياتي الآن امتدادًا لها ـ أن كل طالب يحمل بطاقة تعريفٍ خاصة، تتيح له الدخول إلى مسكنه. لم تكن البطاقة مجرد مفتاحٍ عابر، بل هوية متكاملة، تضمن له المرور الآمن إلى عالمه الصغير المحاط بالأبواب والجدران. غير أنّ مشكلتي لم تكن في امتلاك البطاقة، بل في جهلي بموقع المساكن نفسها، وكأنني أملك مفتاحًا بلا باب. لذلك ظللتُ واقفًا حتى أسدل المساءُ ستائره الثقيلة، تاركًا العائدين يقودونني بخطواتهم الهادئة نحو هدفي المجهول.

قبل عودتي، كنت قد أنهيت تدريبًا قصيرًا، أشبه بمحاولةٍ يائسة لاختبار حدود هذا الجسد الجديد الذي استيقظت فيه. لم يكن تدريبًا منظّمًا ولا متكاملًا، بل ضربات متعثّرة أشبه بمسوداتٍ على هامش ورقة، مسودات تحاول أن تكشف عمّا هو كامن خلف هذا الغلاف البشري الذي لم أعتد عليه بعد. وعندما اكتمل عقرب الساعة على الثامنة، كنت قد وصلت أخيرًا إلى غرفتي.

دفعت الباب ببطء، فأصدر صريرًا خفيفًا امتزج مع أنفاسي، ثم دخلت. كان المشهد أوّل ما يواجه بصري مختلفًا تمامًا عمّا توهّمته. لم يكن هذا العالم غارقًا في الظلام أو محصورًا في بدائيةٍ عمياء، بل كان عالمًا متحضّرًا بحق. الكهرباء تملأ المكان بأنوارها الوادعة، الهواتف مبعثرة على المكاتب، الحواسيب بانتظار أصابعٍ تطرق مفاتيحها، والشاشات المثبتة على الجدران تبثّ سكونًا مهيبًا، وكأنها مرآةٌ معلّقة بين الحاضر والمستقبل.

الغرفة كانت رحبة على نحوٍ يثير الدهشة. مكتب أنيق فوقه حاسوب يلمع في الضوء، شاشة مثبتة على الجدار تنتظر أن تُبثّ عليها الصور والأخبار، سرير فسيح يتسع لشخصين لا لشخصٍ واحد، وخزانة ضخمة تحرس الملابس وكأنها كنوز. تأملت المشهد مليًّا، ثم تمتمت بيني وبين نفسي بصوتٍ خافت يكاد لا يسمعه أحد: «لا شك أنّ هذه الامتيازات تعود لكوني من رتبة A. حتى في المجتمعات التي تزعم المساواة وتخفي الطبقية، تبقى المواهب ذات سلطانٍ عظيم، تمنح أصحابها أرقى المساكن وأفخم الامتيازات».

ومع ذلك، لم يدهشني ما رأيت بقدر ما قد يدهش آخرين. ففي حياتي السابقة كنتُ محررًا في عالم المانجا، محررًا مشهورًا اعتاد حياةً مترفة، حياةً واسعة بالموارد، تعوّد على الراحة الدنيوية كما يتعوّد الطائر على سمائه. ولعلّ من يستمع الآن قد يستغرب، لكن مهنة التحرير ـ لمن يحسنها ويتقن أسرارها ـ تمنح صاحبها قدرةً على العيش الكريم، بل المترف أحيانًا، فهي مهنةٌ تحيا على الخيال لكنها تدرّ ذهبًا لمن يعرف كيف يستثمر الخيال.

توجهت بعدها إلى الحمام. كان رحبًا واسعًا يكفي لثلاثة أشخاص، مُزوّدًا بمرافق الاستحمام الحديثة: مرآة كبيرة مصقولة، مغسلة متينة، ومكان استحمام تتدفق منه المياه وكأنها جدول صغير منساب من قلب جبل. وقفت أمام المرآة، أتأمل ذلك الوجه الجديد الذي صرت أملكه. انعكاسٌ لم أعرفه يومًا: شعر أسود كسواد الحبر حين يجفّ، عينان حمراوان تلمعان وكأنهما جمرةٌ في الظلام، بشرة شاحبة كأنها ورقة باردة خرجت للتو من تحت القمر. جسدي بدا مدرّبًا، مشدودًا، فيه قسوة عضلاتٍ معتادة على الحركة، متناسق الطول والقوة. كنت أقارب المئة والسبعين سنتيمترًا، طولٌ كان في حياتي السابقة أشبه بطول طالبٍ عادي في المرحلة الثانوية، لكنه هنا يعد قامة طبيعية لطالب صياد في عالمٍ يمتحن الأجساد قبل الأرواح.

تذكرت فجأة أن الطلاب في هذا العالم يُسمَّون «طلاب الصيادين». فما إن يبلغ المرء السابعة عشرة، ويخوض حفل الاستيقاظ، حتى يُعامل معاملة الراشدين المؤهلين، يُسمح لهم بالتخرج والانتقال إلى النقابات مباشرةً. استحضرتُ كلمات السيد ألكسندر، معلّمي: إن نقابة «المخلب الأحمر» تسعى لتجنيدي. كانت تلك الكلمات تتردد في أعماقي كجرسٍ بعيد.

اقتربت من المكتب وجلست إلى الحاسوب، أشعلت شاشته بلمسة، وبدأت أكتب العبارة: «نقابة المخلب الأحمر». في لحظةٍ قصيرة انفتحت أمامي صفحات عديدة، معلومات تتدفق كالسيل: «نقابة المخلب الأحمر إحدى النقابات المصنفة ضمن الرتبة الذهبية. لها فروعٌ منتشرة في كل أرجاء قارة نوفا كرون. تحتل النقابة المرتبة الخامسة عشرة على مستوى القارة بين النقابات الذهبية». قرأت هذه الكلمات مرارًا، وابتسمت ابتسامة صغيرة مشوبة بالقلق: «إنها مرتبة عالية، إذ إن النقابات في هذا العالم لا حصر لها».

أسندت ظهري إلى الكرسي الوثير، أخذت نفسًا عميقًا كمن يحاول أن يغرق داخله ليجد المعنى. تمتمت بهدوءٍ أقرب إلى الحلم: «أول ما ينبغي أن أفعله أن أمهّد لطريقي ليكون سلسًا، لكن دون أن يكون مملاً بالنسبة للقراء. إن بدا مسار القصة رتيبًا، سيتراجع الاهتمام، وينهار كل شيء، ويكون ذلك نهايتي الحقيقية».

مددت يدي وفتحت شاشة الحالة. ظهرت أمامي كلوحةٍ سحرية:

(عدد المتابعين: 110) – (مستوى الاهتمام: 5%).

قطّبت حاجبيّ وقلت بيني وبين نفسي: «هذه مشكلة. لا أستطيع رؤية ما يكتبه المؤلف فعليًّا. صحيح أنني أعيش القصة من منظوري الخاص، لكن المؤلف لا يعرض تفاصيل الحياة اليومية في صفحات المانجا كاملة. لابد أن هناك قفزات وفواصل، وحينها يظهر رقم الاهتمام وعدد المتابعين. إنهم انعكاس أولئك القراء الذين وجدوا الملخص مشوّقًا بما يكفي ليستمروا في متابعته».

ابتسمت ساخرًا، ابتسامة تحمل مرارة الحقيقة: «لو أن الناس على الأرض رأوا ما فعلته حتى الآن، لقالوا إن الأمر مملّ للغاية، خصوصًا كبداية مانجا شونين. أما لو كانت القصة تنتمي إلى عالم السنين، لهان الأمر».

---

مع حلول الصباح التالي، استيقظتُ وقد عقدت العزم على زيارة معلمي ألكسندر في غرفة المعلمين. شققت طريقي عبر الممرات التي امتلأت بضجيج الخطوات وهمسات الطلاب. كان الباب أمامي، طرقته ثلاث مراتٍ متتابعة. رفع الرجل رأسه من بين أوراق الملفات، نظر إليّ بعينيه المتعبتين، ورأى شابًا أسود الشعر، أحمر العينين، يرتدي سترة سوداء مطرزة بإشارة على هيئة X، وسروالًا أسود يشده حزام أحمر يحمل العلامة ذاتها.

قلت بأدبٍ خافت: «أرجو المعذرة يا معلم، جئت لأناقشك في أمرٍ مهم».

أشار لي بالدخول، وجلست أمامه، فألقى عليّ السؤال: «وما ذاك الأمر المهم؟».

ترددت لحظةً قصيرة، كان عقلي خلالها أشبه بمسرحٍ تتزاحم فوقه الشخصيات، ثم شرحت له ما يجول في خاطري. كنت قد فكرت طويلًا في أمر لقاء وفد نقابة المخلب الأحمر، وتساءلت مرارًا: هل أخوض التجربة أم أتجنبها؟ في النهاية وجدت أن عليّ أن أخوضها.

كنت أعلم من المانجا أن شخصية آرثر ستظهر في هذا الوقت، حين يأتي مكتشف النقابة ليجري الاختبار، وفي ذلك اليوم يفشل الطالب المتصدر للأكاديمية على يد أضعف طلابها. كانت تلك اللحظة بداية سقوط نجم أوليفر. لكنها بالنسبة إليّ ستكون بداية صعودي.

فبطل الشونين لا يولد قويًا، بل يبدأ ضعيفًا مهانًا، شخصية يجد فيها المراهقون أنفسهم. لا يمكن أن يتقبل جمهور هذا العمر بطلًا ينجح دائمًا، بل يريدون بطلاً يتعثر، يفشل، لكنه ينهض مرةً أخرى. كانت تلك قناعتي، قناعة محررٍ خبر أذواق القراء. ومع ذلك، لم يكن بوسعي أن أبوح بها لمعلمي.

قلت بجديةٍ لم تفارق عيني: «يا معلم، أود أن أسألك: متى ستكون نقابة المخلب الأحمر جاهزة لإجراء اختبارها؟».

رمقني ألكسندر باستغراب. فقد اعتاد أن يراني طالبًا غريب الطبع، منعزلًا عن الآخرين، دائم الانشغال بالتدريب، لا يهتم بالملذات العابرة. كنت الوحيد بين طلاب هذا العام الذي حصل على رتبة A. بعد صمتٍ قصير قال: «سيأتون بعد أسبوع. لقد تحدثت معهم، وهم مستعدون لتجنيدك مباشرة. إنهم معجبون بك كثيرًا، فلا داعي للقلق. يمكنك أن تستريح حتى يحين الموعد».

لكنني لم أكن لأستسلم للراحة. أجبته بإصرار: «إذن، يا معلم، أرغب بالذهاب إلى ساحة التدريب. أشعر بحاجة ماسّة إلى الاستعداد لهذا».

ترك لي ألكسندر المجال لأغادر، دون أن يدرك تمامًا ما دار في ذهني. كنت أعلم أن هذا الجسد يحمل قوةً كافية، لكن مهاراته القتالية لم تزل قاصرة عن الكمال. الذكريات العضلية باقية، لكنها غير كافية. وإن كان لا بد أن أخسر أمام البطل الرئيس، فليكن ذلك في قتالٍ يليق بمانجا الشونين. كان عليّ أن أتدرّب بجدّ، لا على المهارات فقط، بل على التمثيل أيضًا، لأُظهر للقراء مشاعر البطل الذي لا يستسلم، وأرفع بذلك نسب التقييم وعدد المتابعين.

---

بعد أن غادرت، جلس ألكسندر لحظةً صامتًا، ثم أطلق تنهيدة طويلة: «طلبتُ منه أن يستريح قليلًا، فإذا به يهرع إلى التدريب! يا له من طالب غريب». مدّ يده إلى ملفي الشخصي، قلّب أوراقه ببطء:

الاسم: أوليفر ديفيد.

الحالة الاجتماعية: يتيم.

تاريخ الميلاد: 11/5/1540.

حالة الطالب: متخرج.

كان من الطبيعي أن يتخرج الطالب مباشرة إذا بلغ رتبة A، بينما يُجبر من يستيقظ بدرجة B أو أدنى على البقاء عامًا آخر للتدريب. كان يتوقع مني أن أذهب إلى الزنزانات وحدي، وأرفض عروض النقابات، لكنه فوجئ بقراري. ومع ذلك، احترم خياري، وهو يعلم جيدًا ما أنا قادرٌ عليه.

---

في العاشرة صباحًا كانت ساحات التدريب شبه فارغة. الطلاب ما زالوا في الفصول، ولم يتخرج غيري هذا العام. أمسكت السيف بيدي، وبدأت ألوّح به. من رآني في تلك اللحظة لظنني مبتدئًا يجرب أولى حركاته، لا طالبًا في قمة الأكاديمية. لكن بالنسبة إليّ كان ذلك أقصى ما أستطيعه.

ذاكرة الجسد حاولت أن توجه الضربة، أن تعدل مسارها، أن تجعلها أكثر دقة، لكن النتيجة بدت محدودة:

(مستوى إتقان مهارات المبارزة: 20%).

ابتسمتُ ابتسامةً خفيفة، قلت لنفسي: «الهدف واضح. خلال الأسبوع القادم يجب أن أصبح قادرًا على ترك ولو خدشٍ صغير على جسد البطل الرئيس. يكفي أن أفعل ذلك لأثبت أنني بطل شونين بحق».

فالبطل الحقيقي ليس من ينتصر دائمًا، بل من يواصل المحاولة حتى لو كان ضعيفًا، ليمنح الآخرين إلهامًا بالثبات. وكل ما عليّ الآن أن أتابع مسار الكاتب الأصلي: أن أسمح للقراء بمشاهدة العالم من منظوري الخاص، عالمٌ لا نهائي صاغه المؤلف ببراعة، حتى وإن اختار بطلًا لم يكن محبوبًا بما يكفي.

أما أنا، فقد بقي أمامي أن أر

فع مستوى الإتقان، لأكون مستعدًا لتمثيل المشهد المصيري في اللحظة المناسبة.

2025/09/27 · 25 مشاهدة · 1522 كلمة
Alistair Stark
نادي الروايات - 2026