استمتعوا
***
حدّقت راديس في هوبر، الذي كان لا يزال فاقدًا للوعي.
كانت تعلم أنّه تاجرٌ بالأحجار السحرية، لكنّها لم تتخيّل قط أنّ الأمر يبلغ هذا الحد.
بل لم تستطع تصديقه حتى وهي تراه بعينيها.
"لا أصدّق أنّ الوضع بلغ هذه الدرجة... حتى فرقة الإخضاع الإمبراطورية لم تكن لتجمع هذا القدر، ولو قضت عامًا كاملًا في غابة الوحوش."
من غير تفكيرٍ طويل، التقطت راديس حجرًا سحريًا أصفر.
"......!"
مرّةً أخرى.
إنه هذا مره اخرى.
اختفت الطاقة الصفراء التي كانت تتدفّق داخل الحجر السحري، كما لو أنّها شمعةٌ انطفأت.
وكما حدث من قبل، ما إن فقد الحجر السحري نوره حتى تحوّل إلى غبار.
التقطت راديس حجرًا سحريًا آخر، هذه المرّة بيدها اليسرى. وكانت النتيجة نفسها.
راحت تلتقط الأحجار السحرية واحدًا تلو الآخر، وكأنّها مسلوبة الإرادة، وكلّها كانت تتحوّل إلى غبارٍ تباعًا.
وبعد برهة، لم يبقَ منها شيء تقريبًا، وقد تحوّل معظمها إلى غبار،
فوقفت راديس مذهولة.
لم تستطع تصديق ذلك.
"ما الذي يحدث؟"
قبضت راديس على طرف فستانها، ثم التقطت أخيرًا، بحذر،
أكبر حجرٍ سحري أحمر بحجم ظفر الإبهام من مخبأ هوبر السري.
هذه المرّة، لم يختفِ الضوء.
أخذت نفسًا عميقًا مضطربًا وهي تهدّئ قلبها، ثم ركّزت كلّ حواسها في أطراف أصابعها.
بعد ذلك، لمست الحجر السحري ببطءٍ من جديد.
ما إن لامست أطراف أصابعها الحجر، حتى أخذ الضوء المتماوج داخله يكبر شيئًا فشيئًا.
شعرت بطاقةٍ دافئة تتسرّب إلى أصابعها.
وخلف تلك الحرارة، كان إحساسٌ مألوف، بدأ ينتشر في داخلها انطلاقًا من موضع اللمس.
هذه المرّة، شعرت به بوضوح.
كان كأنّ جسدها بأكمله يسخن بعد ركضٍ طويل.
إحساسٌ حيّ بأن عظامها وعضلاتها تستيقظ من سباتٍ عميق.
ونشوةٌ متصاعدة تجعلها تشعر وكأنها تستطيع لمس السماء إن مدّت يدها.
"...المانا."
أووونغ.
المانا التي امتصّتها من الحجر السحري جعلت جسدها كلّه يرنّ برنينٍ غريب.
كان ذلك إحساسًا مألوفًا... وإحساسًا اشتاقت إليه.
"كيف؟"
لم تستطع تصديق الأمر حقًا.
فالمانا المنقّاة لا يمكن الحصول عليها بهذه البساطة من الأحجار السحرية.
بحسب ما تعرفه، لا تُكتسب المانا إلا عبر تدريبٍ طويلٍ للجسد، حتى يتمكّن من إدراكها داخل الهواء المسموم، وذلك من خلال تقبّل الطاقة بإصرارٍ داخل الجسد.
إنها قوّة لا تُنال إلا بعد مسيرةٍ شاقة وطويلة من التدريب،
تجعل أيّ إنسانٍ يرغب في الاستسلام.
وفي هذه الأثناء، كان الحجر السحري الأحمر في يدها وقد انتقلت المانا خاصته كاملةً إليها يتحوّل ببطءٍ إلى اللون الرمادي.
ثم ما لبث أن تفتّت، متحوّلًا إلى غبار.
فركت راديس الغبار بين أصابعها.
كان ناعمًا، كرمادٍ محترق.
لقد تحوّل حقًا إلى غبار.
"هذا مستحيل..."
إنه أمرٌ غير ممكن.
فما تحتويه الأحجار السحرية هو الهواء المسموم قوة الوحوش.
ليس لأنّ الإنسان يمدّ يده إلى البرق سيكتسب قوته.
وكذلك، فإن إشعال النار بحجر الصوان لا يعني امتلاك السيطرة عليها.
لا يمكن للإنسان استخدام الهواء المسموم إن لم تكن موجودة في داخله أصلًا.
فالذي يلمس البرق يُصعق، ومن يلمس النار يُحرق.
وكذلك، فإن ملامسة الهواء المسموم تتحوّل إلى سمٍّ في جسد الإنسان.
ولهذا يخشاها البشر.
وفي حياتها السابقة، ماتت راديس بسبب تسمّمٍ بالهواء المسموم.
شعرت راديس بالمانا التي كانت تسخّن جسدها، وهي تتسرّب ببطءٍ إلى أعماقها.
رفعت يدًا بحذر، ووضعتها على بطنها، في مركز جسدها.
ربما كان في داخلها نواة مانا، لم تكن موجودة أصلًا في جسد راديس ذات الستة عشر عامًا.
كانت نواتها مليئةً بالقوة.
"لا أصدّق..."
لقد نجحت في تكوين نواة مانا في حياتها السابقة، وكان ذلك عندما بلغت الرابعة والعشرين من عمرها.
وحتى ذلك كان أشبه بمعجزة.
هذه المانا هي من النوع الذي لا يستطيع حتى الفرسان، الذين درّبوا أنفسهم طوال حياتهم، تحمّله دون آثارٍ جانبية.
أما راديس، فلم تتعلّم قط كيفية تنقية المانا على نحوٍ صحيح.
كان مجرد صدفةٍ أنها تمكّنت من تكوين نواة مانا.
حين كان جسدها على وشك الانهيار بسبب تسمّم من الهواء المسموم، شعرت بصدىً غريبٍ ينبض داخلها.
كأنّ لها قلبين.
ذلك الصدى أعاد إليها القدرة على الوقوف، في اللحظة التي كانت فيها على حافة الموت.
كان كأنّ في قلبها فرنًا، يحترق وينقّي المياسما، ليخلق قوّةً أخرى تُبقيها حيّة.
وقد شعرت غريزيًا أنّ تلك القوّة هي المانا.
حتى في ذلك الوقت، لم تستطع راديس تصديق الأمر.
فإنشاء نواة مانا إنجازٌ عظيم بحدّ ذاته، والفارس الذي يصبح مستخدمًا للمانا يُعترف بقدراته، ويُعرف منذ ذلك الحين باسم 'فارس ساحر'، لا فارسٍ عادي.
ومع ذلك، لم تُخبر أحدًا بقدرتها على استخدام المانا.
لأنّها، بغريزتها، كانت تعلم أنّها ليست مانا عادية.
لم تستطع تصديق أنّ قدراتها تطوّرت إلى حدّ استخراج المانا من الهواء المسموم.
'لقد كان الأمر غريبًا آنذاك أيضًا... لكن هذا حقًا... حقًا يفوق التصوّر. كيف يمكن امتصاص الهواء المسموم من حجرٍ سحري غير منقّى، وتحويلها إلى مانا نقية؟'
بدأ جسد راديس يرتجف خارج عن سيطرتها.
"هذا غير ممكن. لا يمكن أن يكون."
05. عقدٌ مع الماركيز
في فجرٍ باكرٍ أعقب الحفل، عادت راديس إلى قصر عائلة تيلورد ووجهها شاحبٌ كالرماد.
ومن شدّة ما بدا عليها من وهن، حتى إيرين سألتها.
"انستي... هل أنتِ بخير؟"
لم تُجب راديس، بل ترنّحت داخلةً إلى غرفتها.
وبينما كانت إيرين تحدّق في ظهرها، صاحت في داخلها.
"لا بدّ أنّ شيئًا قد حدث...!"
بحلول ظهر ذلك اليوم، كان الجميع تقريبًا قد علم بأن راديس لم تعد إلى المنزل إلا مع بزوغ الفجر.
ومن بينهم مارغريت.
قفزت من مقعدها دون أن تنتظر لحظة واحدة، وتوجّهت مباشرةً إلى غرفة راديس.
وعندما دفعت الباب بعنفٍ مفتوحًا، انتفضت راديس من نومها، وحدّقت فيها بنظرةٍ حادّة وهي تعتدل جالسة.
"ألا تستطيعين الطرق؟"
اعتادت مارغريت أن ترفع يدها لتصفع راديس، لكنها هذه المرّة تراجعت مترددة.
ذلك لأن راديس كانت قد نهضت من فراشها، وأخذت تحدّق بوضوح في يد مارغريت.
"أتحاولين فعل ذلك مجددًا؟"
نظرة باردة، خالية من أيّ شعور.
أعادت تلك النظرة إلى ذهن مارغريت العاقبة المروّعة لما حدث حين حاولت ضرب راديس في المرة السابقة.
كانت قد سقطت لأنها لم تستطع مجاراة قوّتها، لكنّ الحقيقة أنّها لم تكن مبالغة حين لزمت غرفتها بعد ذلك الحادث.
فلقد التوت بالفعل في ظهرها، ولم تستطع الحركة لأيام.
'حال ظهر السيدة... يكاد يكون كظهر امرأةٍ مسنّة.'
هذا ما قاله الطبيب الذي حضر إلى المنزل وهو يهزّ رأسه.
'يا سيدتي، حتى وإن كنتِ تعيشين في رفاهيه، فلا بدّ من بعض التمرين. ليس لديكِ عضلات، وجسدكِ كلّه رخو. الآن مجرد التواء بسيط، لكن إن تكرّر ذلك، فستعانين لدرجة أنّ أقلّ صدمةٍ في ظهركِ ستمنعكِ من الحركة.'
وقد جُرح كبرياؤها من ذلك الحديث، فرمت فنجان الشاي في وجه الطبيب وطردته خارج منزلها.
تحسّن ظهرها لاحقًا، لكن ما عانته من مشقّة لم يكن مما يُعبَّر عنه بالكلمات.
ولم تكن مارغريت ترغب في تكرار تلك المعاناة.
لذلك، بدلًا من أن تضرب راديس، أشارت بإصبعها إلى وجهها.
"لماذا ترفعين رأسكِ بكل هذا التبجّح؟!"
"وهل اقترفتُ خطأً؟"
"يا إلهي، لقد فقدتِ عقلكِ حقًا. تعودين إلى المنزل عند الفجر، ثم تقولين إنكِ لم تخطئي؟ ما هذا الانحلال!"
أُصيبت راديس بالدهشة.
"انحلال؟ أليست أنتِ من دفعتِ هوبر نحوي؟ من الذي قال لي أن أحسن التصرّف؟"
"نعم، قلتُ لكِ أن تحسني التصرّف، لكن من قال لكِ أن تعودي صباحًا؟!"
تنهدت راديس بعمق.
كانت غارقةً بالفعل في أفكارٍ مربكة، ومع اقتحام مارغريت الغرفة، شعرت وكأن رأسها على وشك الانفجار.
وفوق ذلك، لم تكن في حالةٍ جيّدة.
فمن الطبيعي أن يُرهق جسدٌ لم يعرف قطّ المانا، حين تُغمر فيه فجأة.
هزّت راديس رأسها.
"لم يحدث شيء، فكفّي عن هذا. أنتِ ويوريس غادرتما أولًا، ووجدت نفسي في موقفٍ صعب، فلنقل إنني أصبحت مدينةً لنقابة كراديوم بهذا. لذا الآن..."
"لا تكذبي!"
"......"
"هاه... كيف تستطيعين الكذب بهذا الإتقان دون أن تتوقفي حتى لالتقاط أنفاسكِ؟ مقزّز! دعي هذا جانبًا وتذكّري جيدًا. لا يهمّني أين تذهبين أو ماذا تفعلين، لكن إن عدتِ إلى المنزل وأنتِ تحملين شيئًا في ذلك البطن!"
صرخت مارغريت بأعلى صوتها.
"فسوف تلقين حتفكِ على يدي!"
اتّسعت عينا راديس.
وتلاطمت في صدرها شتّى المشاعر.
لم تستطع أن تفهم لماذا تفكّر مارغريت على هذا النحو،
ولِمَ تتّهمها بـ'الانحلال' وكأنها لم تكن هي نفسها من دفعتها لاصطياد رجلٍ ثري.
كانت تتظاهر بكونها أمًا صارمة، رغم أنها لم تهتمّ بابنتها يومًا،
والآن تتصرّف وكأنها قلقةٌ عليها، فتوبّخها وكأنها تستحقّ ما قد يصيبها.
أدركت راديس أخيرًا.
في حياتها السابقة، لم ترَ في تصرّفات مارغريت التعسفية ظلمًا ولا غرابة.
حتى الأفعال السخيفة كانت تُبرَّر تحت مسمّى 'عاطفة الأم'.
لكن في الحقيقة، لم يكن هناك ذرّة عاطفة واحدة.
كانت مارغريت تثرثر وتتصرف على هواها، بلا أدنى اكتراث.
وكانت راديس دائمًا عالقةً في نزواتها، تُحمّل نفسها اللوم وهي تتجرّع المعاناة.
وحين أدركت ذلك، غمرها شعورٌ بالغثيان من عداء مارغريت.
وبينما تطبق على أسنانها لتقاوم ذلك الشعور، قالت راديس بحزم.
"لن يحدث ذلك."
—يتبع.
(\ (\
(„• ֊ •„) ♡
━O━O━
– تَـرجّمـة٠ شاد.
~~~~~~
End of the chapter