استمتعوا

تظاهرت مارغريت بأنها صدّقت كلام راديس.

"على أيّ حال، لقد تسبّبت نقابة تجّار كراديوم في إلحاق ضررٍ جسيم بعائلتنا. لا بدّ أن نجعلهم يدفعون الثمن!"

"ماذا...؟ ضرر؟"

بُهِتت راديس من هذا الهراء.

"تمهّلي، ماذا تقصدين بالضرر وجعلهم يدفعون؟"

"آه، يا لهذا الإزعاج!"

اندفعت مارغريت خارج غرفة راديس، تصرخ وهي تغادر.

وعلى نحوٍ متناقض، ارتسمت على شفتيها ابتسامة وهي تهرول مبتعدة.

'سأطالب هوبر كراديوم بتعويضٍ ضخم!'

كانت فكرةً مفاجئة، لكنها بدت خطةً محكمة.

فقد بدا صحيحًا أنّ راديس قضت الليلة في النقابة، ولذلك لن يتمكّن هوبر كراديوم من الإفلات هذه المرّة.

حتى الآن، ربما كان الأمر يُعدّ مجرّد نزوة عابرة، لكن مارغريت كانت عازمة على أن تعصر منه أكبر قدرٍ ممكنٍ من المال بحجّة ذلك.

كانت مارغريت بحاجةٍ ماسّة إلى المال.

فالمشكلات التي تسبّبت بها تلك الابنة الكبرى المقيتة عطّلت قبول ديفيد كطالبٍ في أكاديمية المبارزة، وخلّفت فجوةً هائلة في موارد عائلة تيلورد.

ولم يكن من السهل تقدير مقدار الرشاوى التي اضطُرّت لدفعها كي تمنع انتشار خبر القبول المزوّر، أو حقيقة أنّ راديس هي من أدّت الاختبار بدلًا عنه.

وفوق ذلك، كانت بحاجةٍ إلى المال من أجل مستقبل ديفيد.

فبعد أن فشل في الالتحاق بأكاديمية المبارزة الإمبراطورية ذات التكاليف المعقولة، لم يبقَ أمامها سوى تسجيله في أكاديمية أخرى.

غير أنّ دخول الأكاديمية يتطلّب أحد أمرين.

إمّا الموهبة، أو المال.

وكانت مارغريت تؤمن أنّ ديفيد يمكن أن يصبح فارسًا عظيمًا إن أراد ذلك.

لكن أرمانو لم يُحسن رؤية موهبته الحقيقية.

كيف يمكن لجوهرتها، لشمسها المتألقة الوحيدة، أن يكون بلا موهبة؟!

هذا مستحيل.

إنّ ديفيد لم يعزم أمره بعد فحسب.

وذلك أيضًا بسبب راديس.

فكلّما تذكّرت كيف انتزعت تلك الماكرة وقت تدريب أرمانو من ديفيد، كاد صدرها ينفجر من شدّة الغيظ.

ظنّت مارغريت أنّ ديفيد لا يحتاج سوى بيئةٍ مختلفة.

يكفي أن تنفق قليلًا من المال وتُلحقه بالأكاديمية، وحينها سيبدأ حماسه بالاشتعال.

ولو استطاعت أن تحصل على المال من هوبر كراديوم...!

'حقًا، كيف لي أن أكون بهذه العبقرية!'

هلّلت مارغريت في سرّها، واندفعت إلى غرفتها، وشرعت فورًا في كتابة رسالة إلى هوبر كراديوم.

لكن في ذلك المساء، حلّ ضيفٌ غير متوقّع في مقرّ عائلة تيلورد.

***

"الماركيز روسيل؟ لماذا؟"

"ومن أين لي أن أعلم ذلك؟"

كان مضمون الرسالة التي أرسلها الماركيز روسيل بسيطًا.

إذ ذكر أنّ لديه أمرًا يريد مناقشته معهم سرًّا، ولذلك سيقوم بزيارةٍ خفيّة إلى قصر تيلورد.

كانت الرسالة قصيرة، لكن أثرها كان بالغًا.

وفي وقتٍ مبكّر من ذلك المساء، حاول زاد التسلّل خارج القصر، غير أنّ مارغريت ضبطته، وأجبرته على تهذيب لحيته الفوضوية.

كما اضطُرّت الخادمات اللواتي كنّ على وشك إنهاء يوم عملهنّ إلى الإسراع في تنظيف القصر بأكمله مرّةً أخرى.

أخرجت مارغريت أجمل ثيابها وارتدتها، وهدّدت كذلك ديفيد ويوريس، فأجبرتهما على ارتداء أفضل ما لديهما والانتظار في الطابق الأوّل.

بدا زاد وكأن الرعب قد استولى عليه.

"لماذا يأتي الماركيز روسيل إلى هنا؟ ألم تذكر الرسالة شيئًا آخر؟"

"يا إلهي، ما أشدّ إزعاجك! أتظنّ أنّه لو كان مذكورًا في الرسالة لبقيت صامتة هكذا؟"

"إن كان الأمر يتعلّق بقبول ديفيد المزوّر..."

"اصـ، اصمت!"

كادت مارغريت أن تسحق فم زاد.

أسكتته وهي تحدّق فيه بنظرةٍ تكاد تلتهمه.

"لا أظنّ ذلك. لكن إن كان الأمر كذلك، فعليك أن تتذكّر هذا. ألقِ اللوم كلّه على راديس. مفهوم؟"

"......"

ترنّح زاد مبتعدًا، ووجهه شاحبٌ منهك، ثم سحب كرسيًا وسقط عليه.

حدّقت مارغريت من النافذة، مفكّرةً في مدى كرهها لزوجها.

تمتم زاد.

"كيف يمكن أن يكون ذنب تلك الفتاة...؟"

"ماذا قلت الآن؟!"

"......"

تألّقت عينا مارغريت وهي تحدّق في الطريق أمام القصر عبر النافذة نفسها.

"أظنّ أنّ الأمر يتعلّق بيوريس."

"ماذا؟"

"لقد ذهبنا بالأمس إلى حفل عيد ميلاد الأمير الثالث في عقار الماركيز، أليس كذلك؟ وهناك رآها."

"وإن رآها، فماذا في ذلك؟"

"أليست جميلة؟ بعينيها الخضراوين المتلألئتين وشعرها الأشقر الذي يشبه شعري. إنّها فتاةٌ لطيفة، صحيّة، ومحبوبة حقًا."

تمتم زاد بصوتٍ خافت.

"يا لكِ من متحيّزة..."

"إن كان لديك ما تقوله فقلْه! أم تحاول إثارة الشغب؟!"

"...لا شيء. أنتِ على حق."

"على أيّ حال، يبدو أنّ أحدهم رأى يوريس وسأل الماركيز روسيل عنها. وبما أنّه منظّم الحفل، فإن ذلك الشخص طلب منه أن يعرّفه عليها."

كان زاد يستمع إلى مارغريت بلا اكتراث، لكنه رفع رأسه أخيرًا.

"مهلًا، يوريس في الثالثة عشرة فقط!"

"وما المشكلة في ذلك؟"

حدّقت مارغريت فيه بعينين شرستين.

وكانت تلك النظرة مرعبةً إلى حدّ أنّ زاد، الذي كان فارسًا في شبابه، انكمش كأنّه ذيّل ذيله.

"حتى لو كان هناك عرضٌ كهذا... أعني، إنّها صغيرة جدًا."

"ذلك أمرٌ أقرّره أنا. آه، لقد وصل!"

أسرعت مارغريت بخفض الستارة، وعدّلت وقفتها، وأعادت ترتيب ملامحها في هيئةٍ نبيلة.

ثمّ جذبت أذن إحدى الخادمات المارّات، وصاحت فيها.

"أنتِ! اذهبي فورًا إلى يوريس وأخبريها أن تبدو في أبهى صورة. لا تفعل شيئًا على الإطلاق! لا تحكّ رأسها، ولا تعبث بأنفها، ولا حتى تضمّ شفتيها. ولا تعضّ أصابعها!"

أطلق زاد تنهيدةً قصيرة وهو يرى الخادمة الشابّة تفرك أذنها مسرعةً مبتعدة.

***

عندما وصل الماركيز روسيل إلى بوّابات قصر تيلورد، كاد الخدم الذين استقبلوه يشعرون بأنّ أنفاسهم قد انقطعت.

ففي المنطقة الواقعة جنوب نهر الفِضّة، لم يكن ثمّة من يجهل سمعة الماركيز روسيل.

وعلاوةً على ذلك، فإنّ ذلك 'يوفيس روسيل' قد ازداد ذيوعًا حين ورث اللقب. أو لعلّه اشتهر بسوء الصيت أكثر من اشتهاره، إذ لا بدّ أنّ كلّ من في الجنوب قد سمع، ولو مرّةً واحدة، بالشائعات البشعة التي تحيط به.

هل جرّدته الوحوش من روحه؟

أم لعلّها لعنته؟

أم أنّه، في الحقيقة، قد يكون وحشًا هو نفسه؟

ومع ذلك، وبغضّ النظر عن تلك الشائعات المروّعة، فقد كان على خدم القصر، بغريزتهم، أن يُحنوا رؤوسهم حالما يقع نظرهم على يوفيس.

ففي البشر نزعةٌ فطريّة تدفعهم إلى التعرّف على من تفوح منه هيبة السّيادة.

وأولئك الذين انحنوا رؤوسهم تحيّةً، تبادلوا النظرات فيما بينهم.

هكذا كان الرجل، يوفيس روسيل.

فمجرّد مواجهته كان كفيلًا بأن يجعل زاد ومارغريت، شأنهما شأن الخدم، لا يفكّران إلا في الانحناء.

غير أنّهما كانا سيدي هذا القصر، فكان لزامًا عليهما مقاومة هذا الاندفاع.

استقبل زاد ومارغريت الماركيز وهما يشعران وكأنّ أعمارَهما تُقتطع مع كلّ لحظة تمرّ.

"صاحب السعادة الماركيز، يشرفنا لقاؤك."

"قـ، قصرنا متواضع، ولكن... تفضّل بالدخول."

كان ديفيد يرتدي أبهى حلله، وكانت يوريس في أغلى فساتينها، ومع ذلك لم يجرؤ أيٌّ منهما على رفع رأسه، بل اكتفيا بتثبيت أنظارهما على الأرض.

"يا صاحب السعادة، يشرفني لقاؤك! أنا الابن الأكبر لعائلة تيلورد، ديفيد تيلورد!"

"و، وأنا يوريس."

لم يكلّف يوفيس روسيل نفسه حتى عناء الردّ على تحيّتهما، بل اكتفى بإيماءةٍ خفيفة.

ثمّ خلع قفّازيه وسلّمهما إلى أحد الخدم، قبل أن يمضي بخطى هادئة داخل القصر.

وفي ذهول، لم يجد زاد ومارغريت إلا أن يتبعاه من خلفه، كأنّهما خادمان، لا صاحبا المنزل اللذان يُفترض بهما أن يرشدا ضيفهما.

دخل الماركيز روسيل غرفة الاستقبال على هذا النحو، كأنّه قد وطئ هذا القصر عشرات المرّات من قبل، ثم جلس بطبيعةٍ تامّة على أرقى أريكةٍ في الغرفة.

وبعد ذلك، مدّ ساقيه الطويلتين، وألقى نظرةً على زاد ومارغريت، وكأنّه يأمرهما بالجلوس.

جلس سيّد القصر وسيّدته تباعًا على مقعدين صغيرين، من غير أن يشعرَا بغرابة هذا المشهد.

"إنّ سبب قدومي—"

تكلّم المركيز روسيل بنبرةٍ وادعة.

وعند كلماته، حدّق زاد ومارغريت في شفتيه بوضوح، وقد استلبهما الانتباه، خشية أن يفوتهما حرفٌ واحد.

"—هو أنّ ما أحتاج إليه موجودٌ في هذا المكان."

تبادل زاد ومارغريت النظرات.

وكأنّ الجواب مكتوبٌ على وجهيهما.

ما الذي قد يحتاجه الماركيز؟

لم يكن من المعقول أن يكون في قصر تيلورد شيءٌ من هذا القبيل.

لكن بما أنّ المركيز هنا، فلا بدّ أنّ الأمر كذلك.

سارع زاد إلى الكلام.

"إن أخبرتنا بما هو، فـ..."

لكن مارغريت سارعت، بعد فوات الأوان، إلى وخزه بمرفقها في خاصرته.

وبينما كتم زاد أنينه، أضافت على عجل.

"هـ، هل يمكنك إخبارنا بما هو؟ هل هناك شيءٌ يريده الماركيز داخل قصر تيلورد...؟"

فأجاب ببساطة.

"راديس تيلورد."

"......!"

اتّسعت عينا زاد ومارغريت على نحوٍ ملحوظ.

وعلى الرغم من اختلاف ملامحهما، فإنّهما بدَوا متشابهين للحظةٍ واحدة من شدّة الدهشة.

وبدلًا من زاد الذي عجز عن الكلام من شدّة ارتباكه، سألت مارغريت.

"راديس تيلورد... أتعني، ابـ، ابنة العائلة الكبرى؟"

"أهناك اثنتان باسم راديس تيلورد هنا؟"

"لا، لا بالطبع. ولكن... لماذا قد تحتاج إلى تلك الفتاة...؟"

كان الماركيز روسيل ينظر بلامبالاة إلى مكانٍ آخر، ثم التفت إلى مارغريت.

كانت عيناه محجوبتين بخصلات شعره المتموّجة عند الأطراف، غير أنّها، حين التقت بنظراته، لم تشعر إلا ببرودةٍ قاسية.

ومن دون أن تشعر، انحنت مارغريت برأسها.

تأمّلها الماركيز روسيل من علٍ، ثم قال في تلك اللحظة.

"آمل ألّا أُضطرّ إلى تكرار كلامي مرّةً أخرى. أنا أحتاج إلى راديس تيلورد. لذا، أجيبوني فحسب. هل ستسلّمونها لي أم لا؟"

—يتبع.

(\ (\

(„• ֊ •„) ♡

━O━O━

– تَـرجّمـة٠ شاد.

~~~~~~

End of the chapter

2026/04/28 · 2 مشاهدة · 1349 كلمة
شاد
نادي الروايات - 2026