استمتعوا

كان زاد يودّ أن يسأل عمّا يعنيه الماركيز بكلمة 'أحتاج'.

غير أنّه لم يمتلك الشجاعة ليُفصح عمّا في نفسه.

ارتجفت يداه، وجفّ فمه.

وغدا حلقه يابسًا.

لو أنّ في يده كأسًا من البراندي...!

في تلك اللحظة، انتبهت مارغريت فجأة.

"بالطبع!"

تلألأت عيناها بمكرٍ خفيّ.

"لكنّك لا تطلب منّا أن نسلّمها هكذا دون مقابل، أليس كذلك؟"

حدّق زاد في مارغريت بذهول.

غير أنّ مارغريت لم تُعر نظرات زوجها أيّ اهتمام.

ففي تلك اللحظة، كان عقلها يعمل بأقصى سرعته.

والحقيقة أنّها كانت تُفكّر منذ إلغاء قبول ديفيد في الأكاديمية في ما ينبغي فعله بشأن راديس.

فبدلًا من أن تُسهم في نفع الأسرة، لم تكن سوى عبءٍ مُكلِف لا طائل منه. وكان الحلّ هو التخلّص من هذا الحمل الميّت في أقرب وقت.

وإن كان هذا العبء ابنةً، فالأجدر تزويجها وجني الفائدة منها.

غير أنّ راديس لم تكن جميلةً ولطيفةً كيوريس، ولم تكن مطيعة، بل أقرب إلى القسوة والعنف.

وفوق ذلك، كان لا بدّ من دفع مهرٍ عند تزويجها. وحقًّا، لم يكن في الأمر ربحٌ يُرجى، بل خسارة لا طائل منها للأسرة.

كان سيكون أمرًا حسنًا لو عُثر لها على زوجٍ ثريٍّ لطيف، ولكن ماذا لو رفعت يدها عليه كما فعلت مع مارغريت؟

مجرّد التفكير في ذلك كان كفيلًا بأن يُصيبها بالصداع. وكان عليها كذلك أن تُفكّر في مسألة المال.

كان من الجيّد لو أخذها هوبر كراديوم، غير أنّ الأمر إن كان الماركيز روسيل فهو أفضل بكثييير، بل أفضل بما لا يُقاس!

ولمّا لمح الماركيز روسيل الجشع المتلألئ بوضوح في عيني مارغريت، ارتسمت على شفتيه ابتسامةٌ ملتوية.

"من الجيّد أنّكِ بادرتِ بطرح الأمر أولًا. أودّ أن أسمع شروطكِ. وبالطبع، بما يليق بسمعة ماركيزية روسيل."

وعندما سمعت الكلمات التي كانت تنتظرها، كادت مارغريت تعجز عن كبح الرغبة المادّية التي تألّقت في عينيها.

وقفت بنعومةٍ مصطنعة، وأدارت وجهها، متجاهلةً دهشة زوجها.

"لكنّها ليست فتاةً حسنة السلوك. إنّها لا تجلب سوى المتاعب في المنزل، لذا لا أعلم كيف سيكون حالها. وإن تسبّبت في مشاكل، فأرجو أن تعلم أنّنا لن نتحمّل مسؤولية ذلك."

ضحك الماركيز روسيل عند سماع هذا.

"ها أنتِ تتبرّئين منها سلفًا، دون أن تسألي حتى عمّا أحتاجها لأجله."

شعرت مارغريت بشيءٍ من الحرج، فسارعت إلى التبرير.

"ذلـ، ذلك... كيف لي، وأنا امرأة مثلي، أن أتجرّأ على السؤال عن إرادة الماركيز روسيل السخيّة؟"

"يبدو أنّكما لستما فضوليّين، لكن ينبغي لها هي، على الأقل، أن تعلم."

نهض الماركيز روسيل من مجلسه.

"أين هي؟"

***

لاحظت راديس الاضطراب الدائر في القصر.

وعلى خلاف الماضي، حين كانت معزولةً تمامًا في زاويةٍ نائية من القصر، صار هناك بعض الخادمات، بقيادة إيرين، يعتنين بها على نحوٍ لائق.

ومع ذلك، سواء في الماضي أو الحاضر، كان من الواضح أنّ مثل هذا الاضطراب لا علاقة لها به.

فحتى إن وُجد ضيوف، لم تُتح لها قطّ فرصة لقائهم.

لذا تناولت راديس عشاءها وحدها، وتركت الخادمات لشؤونهنّ، ثم أخذت تتجوّل في غرفتها، غارقةً في التفكير.

'لا أعرف الكثير عن المانا. إنّ أساليب تدريب المانا الرسمية لا تُورَّث إلا للموهوبين، حتى بين الفرسان. لكن... هذا غير ممكن. لم أسمع قطّ أنّ أحدًا استطاع تحويل الهواء المسموم في حجرٍ سحري إلى مانا نقية.'

استندت راديس إلى الجدار، عاقدةً ذراعيها.

'في مثل هذه الأوقات، لو كان أرمَانو هنا، لسألته... آه!'

اتّسعت عينا راديس فجأة.

"رسالة!"

قد يكون من الصعب العثور على معلّمها مجدّدًا، لكنّها على الأقل تستطيع أن تكتب إليه رسالة.

في حياتها السابقة، كانت قد كتبت رسالةً تعتذر فيها لأرمَانو عمّا تسبّبت به من فقدانه لوظيفته.

لكنّها لم تُتح لها فرصة قراءة ردّه.

'يجب أن أكتب إليه. قد يكون من الصعب تلقّي ردّ، لكن إن استطعت إيصالها عبر شخصٍ ما...'

وبينما كانت راديس تبحث عن ورقةٍ لتكتب عليها رسالتها، تنهدت فجأة، مستندةً إلى المكتب بيدٍ واحدة.

تذكّرت ما قالته مارغريت قبل قليل.

فمارغريت امرأة قضت حياتها كلّها تبحث عن المال بشتى السبل.

ولذا، كان من الواضح ما ستفعله.

بما أنّ قبول ديفيد في الأكاديمية الإمبراطورية قد فشل، فستحاول استغلال راديس للضغط على هوبر وانتزاع المال منه، لتستخدمه في إلحاق ديفيد بأكاديميةٍ أخرى.

وبالطبع، لن يكون هوبر مستعدًا لتسليم المال بسهولة.

وهذا أمرٌ لم تكن مارغريت تعلمه.

فقد جعلت راديس هوبر يفقد وعيه بضربةٍ على مؤخرة عنقه، ثم سلبته جميع أحجاره السحرية. وبعد مغادرتها تلك الليلة، كان بإمكانهما التظاهر بأنّ شيئًا لم يحدث، لكنّ هوبر لن يقف مكتوف اليدين إن بدأت مارغريت تتحدّث عن التعويض.

"هاه..."

وبينما كانت تتكئ لتتنهد، طُرق الباب.

إذ لم يسبق أن سُمِع طَرقٌ على بابها، نظرت راديس إليه بعينين يكتنفهما التساؤل.

لم يكن كثيرون يقصدون غرفتها. وغالبًا ما كان الزائر إمّا مارغريت أو بعض الخادمات، ومنهنّ إيرين.

ولم يكن أيٌّ منهم يطرق الباب.

فمارغريت كانت ترى غرفة راديس مجرّد خزانة، وحتى الخادمات كنّ كذلك إلى وقتٍ قريب. ولم يمضِ سوى بضعة أيام منذ بدأن يطرقن الباب طرقًا خفيفًا بأطراف أصابعهنّ، كإشارةٍ مهذّبة إلى حضورهنّ.

أمام هذا الحدث غير المألوف، اقتربت راديس من الباب وفتحته بنفسها.

"......!"

دهشت راديس.

كان رجلٌ مكسوٌّ بالسواد يقف عند المدخل الضيّق.

كان أطول منها بنحو الضِّعف، بل إنّ عرض كتفيه كان يقارب ضعف عرض كتفيها.

كلّ ما يكسو هيئته الضخمة كان أسودَ اللون.

عباءةٌ فاخرة تنسدل على كتفيه، وسترةٌ مُحكَمة فخمة، وسروالٌ حريريّ، وحذاء.

لم يَخلُ موضعٌ من جسده من هذا السواد إلا وجهه، غير أنّ نصفه كان محجوبًا بشعره الأسود الطويل.

ولم يكن يُرى أسفل خصلاته المتموّجة إلا أنفٌ مستقيم ذو زوايا حادّة، وفكٌّ منحوت، وشفاهٌ حمراء آسرة.

وحين تحرّكت شفتاه، انساب صوتٌ ناعمٌ منخفض، كجلدٍ فاخرٍ مصقول.

"راديس، أليس كذلك؟"

لم تدم اللحظة سوى طرفة عين، غير أنّ راديس تساءلت فيها إن كان عليها أن تهاجم هذا الرجل.

فهذا الشكل القائم في هذا الممرّ المظلم بدا لها كوحش.

وفجأة أدركت أنّ يدها تمتدّ إلى جانبها الخالي، كما لو كانت توشك أن تستلّ سيفًا لا تملكه أصلًا.

ابتسمت لسخفها، فأرخت يديها إلى جانبيها، وفتحت شفتيها قائلة.

"ومن تكون أنت؟"

"......!"

رأت فكّ الرجل ينتفض قليلًا.

عقد ذراعيه ببطء، ثم أجاب.

"ألا تتحدّثين بلهجةٍ غير لائقة؟"

"إنّما أردّ لك الأسلوب."*

* بالكوري فيه عندهم لهجه رسميه وعاميه الرسميه يستخدمونها الناس لما يتكلمون مع شخص اعلى مكانه منهم سواء رئيسهم بالشغل او موظف اعلى مكانه وكذا و العاميه يستخدمونها للشخص الي اقل منهم او لما يمونون على بعض وكذا

"......!"

ارتسمت على شفتي الرجل ابتسامةٌ مائلة.

مسّد ذقنه، ثم قال كمن يُسلّم بالأمر.

"حسنًا. يبدو أنّ الأمر سيكون كذلك من الآن فصاعدًا، أليس كذلك؟ لا بأس. إذًا دعيني أعرّفك بنفسي أنا يوفيس روسيل، ماركيز روسيل."

وسّعت راديس عينيها وهي تنظر إليه.

'أهذا هو ماركيز روسيل؟'

لم تستطع تصديق ذلك.

فهذا الرجل المتشح بالسواد هو ماركيز روسيل، سيّد أوسع أراضي الجنوب!

'سمعتُ أنّه شاب، لكن... بدلًا من الشَّباب، يبدو أنّ في هيئته مسحةً من عدم النضج...'

لم يكن الأمر أنّها لا ترغب في مخاطبته، بل إنّها لا تريد التكلّف في الأدب. لكنّه ماركيز.

"أنا لا، اسمي راديس... سيدي."

وما إن قالت ذلك، حتى أدركت فجأة أنّ زاد ومارغريت يقفان على بُعدٍ قصير في الممرّ المظلم، يراقبان الموقف.

وكانا يبدوان على نحوٍ غريب في غاية التوتّر.

فأضافت راديس على مضض.

"...راديس تيلورد."

"حسنًا، راديس. هل يمكنني أن أتحدّث إليك قليلًا؟"

"حديث؟"

"لو كانت غرفتك تضمّ صالونًا، لأمكننا التحدّث هناك، لكن لا يبدو أنّ الأمر كذلك."

ألقى ماركيز روسيل نظرةً عابرة على الغرفة الصغيرة، ثم عاد بنظره إلى راديس دون أن يُمعن في التفحّص.

"فلنتمشَّ قليلًا في الحديقة."

لم يبدُ أنّه يدعوها إلى قتال، لذا لم يكن هناك داعٍ لأن تُفكّر طويلًا في قبول دعوته.

أومأت راديس برأسها.

"نعم، يا صاحب السعادة."

خرجت من الغرفة وأغلقت الباب خلفها، وعندها سمعت مارغريت تتمتم من خلفها. "حتى دون أن تغيّر ملابسها!"، غير أنّ راديس لم تُعر ذلك اهتمامًا.

فالثياب التي تملكها كلّها قديمة، ولا تختلف كثيرًا عمّا ترتديه الآن. وذلك 'الفستان' الوردي البشع أشبه بإسفنجةٍ ممجوجة.

مضت راديس في الممرّ بخطى ثابتة، واتّجهت بحكم العادة إلى الحديقة الخلفيّة.

وعلى خلاف الحديقة الأماميّة المزيّنة بشتى الأزهار الزاهية، لم تكن الحديقة الخلفيّة سوى أرضٍ خلاء أقرب منها إلى حديقة.

وعندما وصلا، استندت راديس إلى السياج، وعقدت ذراعيها، ثم رفعت نظرها إلى ماركيز روسيل.

"هل لي أن أعرف عمّا تودّ التحدّث؟"

غير أنّ الماركيز لم يُجب، واكتفى بالنظر إليها وشفتيه مطبقتان بإحكام.

وبعد برهة، عادت راديس إلى الكلام.

"...ما الأمر؟ أكان صاحب السعادة يرغب حقًّا في نزهةٍ فحسب؟"

"ماذا؟"

"فهل تودّ الذهاب إلى الحديقة الأماميّة إذًا؟"

"لا، لا حاجة. أودّ الحديث، وهذا المكان كافٍ. لكن أودّ أن أسألكِ، هل التقينا من قبل؟"

"عفوًا؟"

عبست راديس وهي تحدّق فيه.

ومهما أعادت النظر إليه، كانت هذه المرّة الأولى التي تراه فيها.

وكذلك في حياتها السابقة.

فلو كانت قد التقت بشخصٍ يتمتّع بحضورٍ فريدٍ كهذا، لَما نسيته قطّ.

"لا أظنّ أنّنا التقينا، يا صاحب السعادة."

"نعم... ينبغي أن يكون الأمر كذلك. إنّما قلتِ شيئًا غريبًا. لا، لا بأس."

هزّ ماركيز روسيل رأسه، وكأنّه يطرد هذه الفكرة، ثم قال بنبرةٍ حاسمة.

"لماذا ظننتُ ذلك؟"

"...إنّه أمرٌ سخيف."

"وما هو؟"

"هذه الأسرة. وأنتِ."

عبست راديس قليلًا، وقطّبت حاجبيها وهي تنظر إلى الماركيز.

فلم تستطع أن تُخمّن ما الذي يرمي إليه من كلامه.

—يتبع.

(\ (\

(„• ֊ •„) ♡

━O━O━

– تَـرجّمـة٠ شاد.

~~~~~~

End of the chapter

2026/04/28 · 3 مشاهدة · 1427 كلمة
شاد
نادي الروايات - 2026