استمتعوا
ثم رفع الماركيز روسيل كلتا يديه.
"حسنًا، لندخل في صلب الموضوع أولًا. راديس، تعالي إلى إقطاعية روسيل."
وبعد أن قال ذلك، بدا وكأنه ينتظر ردّة فعل منها.
غير أنّ تعبير راديس ظلّ على حاله خاليًا.
"الإقطاعية؟ ولماذا؟"
"لقد تحرّيت قليلًا عنكِ. معظم الناس لا يعلمون حتى بوجودكِ، فضلًا عن كونكِ فردًا من عائلة تيلورد. وأولئك القلّة الذين يعرفونكِ يقولون إنكِ 'لا تُعاملين كما ينبغي'. بل إن بعضهم يذهب إلى أنكِ لا تبدين ابنةً بيولوجية لهما."
وعندما قال إنها لا تبدو كابنةٍ بيولوجية، تزلزلت نظرة راديس قليلًا.
لكن ملامحها ظلّت جامدة.
"...وماذا في ذلك؟"
"وفوق ذلك، فقد استسلمتِ مؤخرًا لوضعكِ، بل وتولّيتِ أمر قبول الابن الأكبر في الأكاديمية نيابةً عنه. هذا المنزل ليس لكِ إلا سريرًا من الأشواك، ولهذا ينبغي أن تكون هذه فرصةً لكِ."
"لماذا؟"
"ألا ترغبين؟"
"لا تسألني عمّا إذا كنتُ أرغب أم لا قبل أن تخبرني بسبب قولك هذا."
أرخَت راديس ذراعيها، وأسندت ذقنها إلى يدها وهي تواجه الماركيز روسيل.
بدا الأمر وكأنها تتحدث عن شخصٍ آخر.
"بِالنَّظَرِ إلى مدى قلقِ والدايَّ واضطرابهما، فلا بدَّ أنك قد ذكرتَ لهما المال وربما مبلغًا كبيرًا منه. ولكن لِمَ تُحاوِلُ أن تأخذني إلى إقطاعيتك، أيها الماركيز؟"
صُدم يوفيس روسيل.
صُدم كثيرًا.
فالفتيات في مثل سنّها لا يُفترض أن يكنّ هكذا.
لا يخرجن حتى من غرفهن قبل أن يتزيّنّ ويتأنّقن. وحتى داخل بيوتهن، لا يتجرأن على السير أمام الرجال.
ولا واحدة منهن قد تصحب رجلًا إلى الحديقة الخلفية لتتحدث معه.
لكن أكثر ما أدهشه كان موقف راديس.
فهي ابنة أسرةٍ متواضعة بلا لقب، ومع ذلك لم يبدُ عليها أمام الماركيز أيّ رهبة، ماركيز يملك أكثر من نصف أراضي الجنوب في الإمبراطورية.
أدرك أن توقّعاته قد خدعته.
كان يوفيس روسيل يظن أن أخذ راديس سيكون أمرًا يسيرًا.
فبحسب ما توصّل إليه من تحرّيات، كانت فتاة لا تُعامل كما ينبغي داخل أسرتها، لذلك توقّع أنها ستذرف الدموع ما إن تُعرض عليها فرصة كهذه، ثم تومئ بخجل وهي تنظر إليه. أو ربما تتبعه وهي ترتجف خوفًا.
لكن راديس الآن كانت باردةً إلى أقصى حد.
"إذًا، لتوضّح الأمر مجددًا، أنت تمنحني فرصة، يا ماركيز روسيل، وعليّ أن أتطلّع إليها؟"
لكن يوفيس روسيل اكتفى بإصدار همهمة، ونظر إليها من علٍ، محدّقًا في وجهها مباشرة.
"كلما نظرتُ إليكِ أكثر، ازددتُ عدم فهمًا."
كان صوته منخفضًا ناعمًا، وحين أصغت إليه راديس عن قرب، شعرت بطنينٍ في أذنيها.
وكابدت رغبتها في هزّ كتفيها، ثم سألت.
"إذًا، بخصوصي وبخصوص عائلتي؟"
"دعيني أضيف أمرًا آخر. الأمير الثالث قد أُعجب بكِ."
"......؟"
"أتتذكرينه؟ أوليفير أربند."
"أوليفير..."
اتّسعت عينا راديس قليلًا.
تذكّرت الأحرف المنقوشة على المنديل.
O.A.
وحين رأى ردّ فعلها، أومأ الماركيز روسيل وتابع.
"نعم، هو ذاك الذي ساعدكِ عندما تعثّرتِ. وبالطبع، هذا ما يُنتظر من رجلٍ نبيل، لكن هذه الحالة مختلفة."
التوت شفتا يوفيس روسيل قليلًا في ابتسامةٍ ساخرة.
"أتظنين أنكِ أول شابةٍ تتعثّر أمام الأمير الثالث؟ لقد رأيتُ العشرات يفعلن ذلك عمدًا. وبالطبع، كان يعاملهن بلطفٍ كما يفعل أيّ نبيل، لكن الأمر كان مختلفًا معكِ. كيف أقول... يبدو أنه قد أُعجب بكِ."
وعند سماع كلماته، كافحت راديس لضبط ردّة فعلها.
'O.A... إذًا كان أوليفير أربند.'
أوليفير.
اسمٌ يليق به حقًا.
بشعره الفضي وعينيه اللتين تتلألآن كالجمشت تحت ضوء القمر...
وحين لاحظ يوفيس روسيل أن وجنتي راديس احمرّتا قليلًا، ازداد التفاف ابتسامته.
"ألا ترغبين في لقائه مجددًا؟"
لاحظت راديس تلك الابتسامة الخبيثة على شفتيه.
وبالفعل، كان الفارق بين ابتسامته وابتسامة أوليفير كالفرق بين السماء والأرض.
وكان هذا الفارق كافيًا ليعيد راديس إلى رشدها.
"أتنوي أن تسمح لي بلقائه مجددًا؟ ربما... أهذا هو هدفك؟"
"نعم."
"أتطلب مني أن أصدق كل هذا؟ ستنفق مبلغًا طائلًا وتأخذني إلى إقطاعيتك لمجرد ذلك؟"
"ليس... مجرد ذلك!"
وفجأة، ارتفع صوت يوفيس روسيل درجة.
"هل تعلمين أيّ نوعٍ من الأشخاص هو الأمير الثالث؟ هناك شائعات تقول إنه مجرد دمية خزفية متحرّكة، أو قطعة رخامٍ تتنفس بل ربما دمية زجاجية تحتاج إلى مفتاحٍ في ظهرها لتعمل. لا، لا، لحظة، لماذا تومئين برأسك؟ ليس بسبب مظهره، بل لأنه لا يشعر بأيّ عاطفة. والأهم من ذلك، أنه غير مهتم بالنساء! حتى بعد احتفال بلوغه!"
انفرج فم راديس قليلًا.
لم يكن ذلك بسبب دهشتها من الشائعات حول أوليفير، بل لأن حماس الماركيز في هذا الموضوع أدهشتها.
فعلى خلاف انطباعه الأول البارد، بدا الماركيز روسيل شخصًا قد ينفعل إلى حدّ الهستيريا.
وبينما يحيط فمه بيده، همس يوفيس روسيل بصوتٍ خافت جدًا.
"بل هناك شائعات أيضًا أنه يحب الرجال."
وما زال فمها مفتوحًا، رفعت راديس يديها وسدّت أذنيها.
"سأتظاهر أنني لم أسمع ذلك."
"افعلي ما تشائين. على أي حال، كنتُ أنا أيضًا أظن ذلك، وبدأتُ حتى أعيد التفكير قبل أن أفكّ أزرار قميصي أمامه. لكنني رأيت ذلك المشهد معكِ. لقد كنتُ إلى جانب الأمير الثالث منذ زمن، ولم أره يبتسم قط. وكانت ابتسامةً متألقة بحق."
حدّقت راديس في الماركيز روسيل.
"هل... ربما... تحب الرجال؟"
"هذه أول مرة نلتقي فيها اليوم، لكن هل تسمحين لي أن أضربكِ؟"
"لا... ولكن ما علاقة كلّ هذا بابتسامة الأمير الثالث؟ الأمير أوليفير كان فقط... كان لطيفًا فحسب. هذا كلّ ما في الأمر. لا شيء أبعد من ذلك."
أوليفير.
حتى اسمه، الذي بدا عذبًا إلى هذا الحد، كان يصعب على راديس أن تنطقه بصوتٍ مسموع.
اعتدل الماركيز روسيل في وقفته، وعقد ذراعيه على صدره.
"هذا أمر أُقرّره أنا. على أيّ حال، لقد أخبرتكِ بكلّ شيء. إذا كان الأمير الثالث قد أبدى لكِ اهتمامًا ولو مرة واحدة، فسيكون مسرورًا جدًا بلقائكِ مجددًا. كما أن جميع من يقلقون بشأن ميوله سيشعرون بالارتياح. وهذا وحده كافٍ ليكون سببًا لأخذكِ من هذا المكان. بالطبع."
"لا أفهم طريقة تفكير النبلاء."
"لا تحاولي فهمها. فقط اختاري هل ستتبعينني طوعًا، أم تودّين أن أجرّكِ بيدي؟"
"وماذا لو رفضتُ كلا الأمرين؟"
ارتسمت على شفتي الماركيز روسيل ابتسامة شرسة.
"وهل ستترككِ عائلتكِ وشأنكِ؟"
عبست راديس قليلًا عند كلماته.
كان محقًا.
مارغريت لن تفوّت فرصة كهذه.
إذا كان الماركيز روسيل قد عرض بالفعل مالًا مقابل أخذ راديس، فإن مارغريت نفسها سترسلها إليه، حتى لو اضطرت إلى تقييدها.
'كنتُ أرغب في مغادرة هذا المنزل، نعم، لكنني لا أريد أن أُباع لشخصٍ غريب كهذا.'
تنهدت راديس وهي تستند إلى السياج.
"ما هذا..."
تمتم الماركيز روسيل.
"لماذا تتنهدين؟"
وفجأة، أمسك بكتف راديس.
وقد تفاجأت من هذا الاحتكاك غير المتوقع، فرفعت نظرها إليه.
وتكلّم الماركيز بنبرة حادّة.
"لن يفيدكِ البقاء هنا. تخلّي عن أيّ أمل. عليكِ أن تتخلي عنهم قبل أن يتخلّوا هم عنكِ."
"......!"
"اقبضي على الفرصة ما دمتِ قادرة."
"وهل هذه فرصة أصلًا؟ أن أُباع؟"
"وما العيب في أن تُباعي؟ إن كان من الظلم أن يبيعكِ الآخرون، فبيعي نفسكِ أنتِ!"
"......!"
تحدّث الماركيز روسيل بسرعة، بصوتٍ بارد.
"لنوقّع عقدًا. أظن أنكِ تعلمين ما يعنيه العقد. سأدفع لكِ مئة مليون روبن سنويًا. أنتِ في السادسة عشرة الآن... ومدة العقد سنتان. حتى تبلغي الثامنة عشرة وتُقيمِي مراسم بلوغكِ، ستتولى إقطاعية روسيل رعايتكِ."
اتّسعت عينا راديس.
"ماذا قلتَ للتو؟"
"هل ندوّنه كتابةً؟"
"لا، لا! لا تكتبه. لحظة، لكن لماذا؟ لماذا تفعل هذا؟ يمكنك أن تأخذني على أيّ حال دون الحاجة إلى هذا العقد، أليس كذلك؟"
"يمكنني أن آخذكِ قسرًا، لكن هذا ليس ما أريده. أحتاج إلى تعاونكِ الطوعي. وأجل ذلك، فالمال لا يشكّل مشكلة."
وكأنّ ردّة فعل راديس قد أرضته، هدّأ الماركيز روسيل من نفاد صبره، وانتظر إجابتَها بهدوءٍ من جديد.
ارتجفت عينا راديس.
مئة مليون روبن.
وخلال سنتين، سيصبح المجموع مئتي مليون...!
ذلك المبلغ يكفي لشراء مزرعة كرز، بل وأكثر.
كان مبلغًا ضخمًا إلى حدّ أنها لم تعد قادرة حتى على الغضب من كونها تُباع.
'مزرعة كرز!'
ارتجف كتفا راديس قليلًا، قليلًا جدًا، ثم استقامت من جديد.
'بهذا المال... أستطيع إنشاء ما أشاء من مزارع الكرز عند الحدود!'
وفي لحظة، اكتسى مستقبلها الكئيب ببريق أملٍ متوهّج بلون الكرز.
نظرت راديس إلى صاحب العمل لا، إلى الماركيز روسيل وسألته.
"هل أنت... جاد؟"
"بالطبع."
وفجأة، بدا وكأن هالةً متألقة قد ظهرت فوق رأس الماركيز روسيل.
كان لتأثير الكلمات السحرية 'مئة مليون روبن' وقعٌ هائل.
وراديس، التي لم تمسك حتى بقطعة نحاسٍ واحدة طوال حياتيها، كادت تجاهد كي لا تجثو على ركبتيها أمامه.
نظر الماركيز روسيل إلى راديس الصامتة، وقال.
"أنا لا أقدّم عروضًا عبثية. لا تجبريني على تكرار كلامي. أنا بحاجةٍ إليكِ."
رفعت راديس نظرها إلى الرجل المرتدي السواد أمامها، وهي تغوص في حيرةٍ عميقة.
في نهاية الأمر، كانت تُباع بالفعل، لكن الشروط كانت مغريةً إلى حدّ أنه لا يوجد عقدٌ أفضل يمكنها الدخول فيه.
ولكي تغادر بيت تيلورد، وبما أنها قاصر، كان عليها أن تجد لنفسها وصيًّا، ومكانًا تقيم فيه.
ولو تحقّق هذان الشرطان، لكانت مستعدة حتى لتصبح تابعة بل خادمة في حملات الإخضاع.
لكنها لم تصدّق أنها مُنحت شروطًا كهذه.
'هذا جنون حقًا، لكن... أليست هذه فرصةً رائعة بطريقتها الخاصة؟'
وبعد تفكيرٍ عميق وهي تعضّ شفتها السفلى، فتحت راديس فمها أخيرًا.
"حسنًا. لنوقّع... ذلك العقد."
وعندها فقط، ارتسمت على وجه الماركيز روسيل ابتسامة رضا.
—يتبع.
(\ (\
(„• ֊ •„) ♡
━O━O━
– تَـرجّمـة٠ شاد.
~~~~~~
End of the chapter