استمتعوا

"هاه..."

ربّتت راديس على عنق الحصان وهدّأته قبل أن تترجّل عنه.

وبالنظر إلى الساعات الطويلة التي قضتها في الركض، كان الأفق قد اكتسى بالسواد.

وكذلك الأرض.

لم يكن ثمة ضوء في أي موضع من حولها.

كانت وحدها في هذا الحقل الفسيح تحت ضوء القمر.

"......"

وعند أفق الحقل، أبصرت راديس غابةً مظلمةً حالكة السواد.

وبرغم أن ضوء القمر الساطع كان يفيض على العالم من حولها، كانت الغابة غارقةً في ظلامٍ تام، كأنها ابتلعت كل نور.

بعد أن ربطت الحصان إلى شجرة، مضت راديس نحو تلك الغابة.

كانت هذه الغابة غريبة.

لم تسمع حفيف الحشرات في العشب، ولا صياح الطيور في الليل.

ولم يكن العطر الذي يملأ الهواء هو عبق العشب والأشجار النقي، بل نتن التراب المتعفّن ورائحة غامضة تشبه رائحة السمك.

وعندما بلغت حافة الغابة، مدّت راديس يدها ولمست جذع شجرة.

مع أن هذا الموضع ينبغي أن تلامسه أشعة الشمس نهارًا، كانت القشرة مغطاة بطبقة كثيفة من الطحالب.

ثم، وعلى مقربةٍ غير بعيدة، سمعت زمجرةً منخفضة.

تيقّنت راديس.

"غابة الوحوش...!"

كانت تعلم أن ماركيزية روسيل تقع بجوار غابة الوحوش.

لكنها لم تصدّق أنها بهذه القرب!

في حياتها السابقة، تاهت راديس في هذه الغابة الشاسعة حتى بلغ بها الإعياء منتهاه.

ولا تزال تلك الذكرى حيّةً في ذهنها.

مسيرٌ مُرهق لا يبدو له نهاية، ومعارك مع وحوشٍ مروّعة، واقترابٌ من الموت بسبب المياسما.

ومع ذلك، لم تشعر راديس تجاه هذه الغابة بشيءٍ من النفور.

بل إن هذه الغابة، أحيانًا، كانت تبدو لها أشبه بالوطن من قصر تيلورد.

كانت حملات الإخضاع شاقّة بلا ريب، غير أن فيها لحظاتٍ ممتعة كذلك.

'لماذا لا يتكلم نائب القائد؟'

'ألا تعرف نائب القائد جيدًا؟ حين يدخل الغابة يصير صامتًا. إنه مختلف عندما يكون خارجها.'

لم تقل شيئًا قط، خوفًا من أن يكتشفوا أنها امرأة، حتى لرفاقها الذين اتّبعوها دون أدنى شك.

'أنا أثق بك.'

كان روبرت، قائد فرقة الإخضاع، صامتًا مثلها، لكنه كان أحيانًا دافئًا كالشمس.

'دي.'

لكنها، في النهاية، أخفقت في صون ثقته بها.

روبرت...

بدأت راديس تمشي، كأنها ستجده في مكانٍ ما داخل تلك الغابة.

"لقد عدتُ، لكن ماذا ينبغي أن أقول، وماذا أسأل..."

وبينما كانت تسير مطأطئة الرأس، سُمِع حفيف في الظلام، فرفعت رأسها.

ثلاث كُرَيّات خضراء من الضوء كانت تحدّق فيها.

"آه..."

نظرت راديس حولها.

لم يكن واحدًا فقط.

بدأت أضواء خضراء أخرى تظهر واحدًا تلو الآخر في الظلام.

لقد رأت هذه الوحوش كثيرًا من قبل.

"ذئاب ثلاثية الأعين."

وكأنما ردًّا على كلماتها، خرج ذئب ضخم من الظلال وهو يزمجر.

كان ضعف حجم الذئاب العادية، وله عينان خضراوان متلألئتان في موضعهما الطبيعي، وعين ثالثة تعلو رأسه. ومن نظرة واحدة، يتبيّن أنه وحش.

"لم أصدّق أنكم وصلتم حتى حافة الغابة. لا بد أنكم جائعون جدًا."

تلفّتت راديس حولها.

هذه الوحوش لا تكون منفردة قط.

يتراوح عددها من خمسة إلى عشرة، بل حتى عشرين في القطيع الواحد.

وهي مخلوقات شرسة، تفني أي مجموعة أخرى إن صادفتها.

عندئذٍ، مدّت راديس يدها إلى جانبها على نحوٍ غريزي، لكنها لم تقل إلا.

"تبًا."

كانت خالية اليدين.

"حتى لو حاولتُ الفرار... فقد فات الأوان."

ومن بين الأغصان السوداء، كان القمر الساطع يحدّق فيها، بينما نظرت إليه بيأس.

لم تكن تعلم كيف وصلت إلى هنا.

لم ترغب في ذلك لمجرد أنها هي، ولم ترغب في أن تعيش هكذا أيضًا.

يا ليتها استطاعت أن تعيش مثل ديفيد أو يوريس، لا كـراديس.

باسم أداء واجب الابن، كانت تخجل حتى لا تجد إلا الانحناء، وكانت تغبط حياتهما حيث يحظيان بمحبة والديهما واحترامهما.

لكن ماذا عساها تفعل؟

إنها راديس.

وما دام الأمر كذلك، فليس أمامها إلا أن تعيش كـراديس.

غرررر!

اندفع ذئب نحوها.

وكأنه إشارة، امتلأت أرجاؤها بعشرات العيون الخضراء.

وعند هذا المشهد المرعب، أغمضت راديس عينيها.

'إن متُّ هكذا، فلن أضطر إلى المعاناة بعد الآن.'

لكن—

بدأ قلبها الثاني، نواة المانا، ينبض.

وعيناها مغمضتان، مدت يدها فجأة وسحقت شيئًا كان قد انقضّ عليها.

"... كنتُ مستعدةً للموت، لذا لم أظن أنني سأبقى حيّة."

فتحت راديس عينيها من جديد.

ونظرت إلى يدها.

هناك، كان لون النار يتوهّج.

مانا حمراء كالدم كانت تلتف حول يدها.

حين كانت طفلة، كانت هناك أزهار تحبّها، وكانت تحمل اللون ذاته.

لم يكن أيُّ زهرةٍ أخرى تضاهيها جمالًا أو هيبة.

زهرةٌ شامخة لا تتمايل، بل ترتفع عاليًا وتشتعل جمالًا.

وحين تأكدت من المانا الحمراء المتقدة في يدها، ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتي راديس.

"من التالي؟"

اندفعت الذئاب نحوها.

وفي يدها، كان جسد ذئبٍ ميت يتدلّى، وقد سُحِق رأسه.

غير أن انتباه الذئاب قد تحوّل.

فبالنسبة إلى تلك الوحوش الجائعة قليلة الإدراك، صار موت أحد أفرادها طُعمًا، إذ تحوّل إلى كتلة لحمٍ تغريها بالافتراس، فأصبح أشد جذبًا لها من العدو الواقف أمامها.

قفزت راديس إلى وسط القطيع كذلك.

كانت يدها الملتفّة بالمانا أشبه بسلاحٍ غليظٍ ثقيل، أو سيفٍ حاد.

وكأنها وحشٌ جائعٌ مثلهم، أخذت راديس تُسقط الذئاب أرضًا.

سحقت رؤوسها، ولوَت أعناقها، وطعنت صدورها.

وفي الوقت نفسه، كان وجهها ساكنًا.

كأنها لا تفعل سوى تنظيف غرفتها الصغيرة تنفض الغبار عن الأسطح، تكشط شمع الشموع، ترتّب فراشها وتكنس الأرض.

بل إن هذه الحركات المألوفة بدت لها مملّة، فأبادت قطيع الذئاب واحدًا تلو الآخر.

أنين...

وفي طرفة عين، غطّت الجثث أرض الفسحة بأسرها.

أما الباقون الذين نجوا، فقد خانتهم شجاعتهم.

فإمّا مذعورين أو جرحى، فرّوا يعرجون ويئنّون.

توقفت راديس عند هذا الحد، ولم تطاردهم.

فهي لم تأتِ للصيد.

وبين الجثث، انتزعت راديس الحجارة السحرية من العين الثالثة لكل ذئب، حيث كانت تشعر بهواء مسموم كثيف.

ولم تنسَ أن تغطي يديها بأكمامها أثناء ذلك.

كانت معظم الحجارة السحرية التي حصلت عليها من الذئاب ثلاثية الأعين صغيرةً كحبّة قمح.

ولن يكون من السهل بيعها بثمنٍ عالٍ، إذ تُعدّ هذه الذئاب من الوحوش متدنية الرتبة.

ومع ذلك، لم يكن مستغربًا أن تُطرَد من ماركيزية روسيل غدًا، لذا حتى هذا القدر كان شيئًا تقدّره.

"حسنًا إذن، أولًا..."

تنهدت راديس وهي تنظر إلى جسدها المغطّى بدم الذئاب الأسود.

"عليّ أن أغتسل... ثم أعود."

***

وبينما كانت تغسل الدم الأسود في جدول ماء، قررت راديس أن تقابل الماركيز روسيل مع بزوغ الفجر لتحدّثه عمّا لم تستطع قوله بالأمس.

لكنها لم تفعل كما خطّطت.

فقد أُصيبت في ذلك اليوم بنزلة بردٍ شديدة.

وعند الرجوع إلى الأسباب، كان ذلك أمرًا متوقعًا.

لقد أرهقت جسدها بما لم يعتد عليه من المانا، وفي الوقت ذاته استهلكت قدرًا كبيرًا منها، فتعرّقت بشدّة ثم اغتسلت في ماءٍ بارد.

وفوق ذلك، عادت على صهوة جوادها مخترقةً الريح الباردة دون أن تجفف نفسها.

بل كان الأعجب لو لم تُصب بالبرد.

غير أن أمرًا غريبًا وقع بعد ذلك.

حين جاء ألن لزيارتها عند الإفطار، وعلم بإصابتها بالبرد، بدا عليه وكأنه على وشك الانهيار.

"استدعوا الطبيب!"

"أنا بخير. إنها مجرد نزلة برد."

"أحضروه حالًا!"

لم يسبق لراديس أن زارها طبيب إلا نادرًا.

بل كان من المستحيل أن يُستدعى طبيب لأمرٍ تافه كنزلة برد.

وكان الطبيب الذي استدعاه ألن هو طبيب عائلة روسيل الخاص.

وفي خضم الحمى وكل ذلك الاضطراب، غمر راديس شعورٌ بالامتنان لم تدرِ كيف تتعامل معه.

ومع ذلك، لم يغضب الطبيب منها، ولم يسخر من استدعائه لأجل بردٍ فحسب، ولم يُشعرها بثقل تكاليف العلاج.

بل قال بلطف إنه سيفحصها ويصف لها دواءً.

وبعد أن شربت مغلي الأعشاب، أحسّت دفئًا يسري في معدتها وهي تستلقي على الفراش الناعم.

كانت تشعر بشيءٍ من الاضطراب بسبب الحمى، وكان جسدها يؤلمها كأنها ضُربت، ومع ذلك كله... شعرت بقليلٍ من الراحة بل براحةٍ كبيرة.

ففي منزل تيلورد، لم يكن أحد يعتني بها حتى إن مرضت.

كل ما كانت تقوله مارغريت حين تمرض. "استريحي وتعافي فحسب."

وكان على راديس أن تتحمّل كل شيء وحدها، سواءً ألم معدتها بعد طعامٍ فاسد، أو الحمى الشديدة، أو حتى حين انكسر إصبعها أثناء التدريب بسيفٍ خشبي.

'إنها المرة الأولى التي يقلق فيها أحد عليّ.'

وبعد أن تعافت من البرد، قررت راديس أن تشكر ألن.

لكن الأمور الغريبة لم تتوقف.

"سأساعدكِ على تغيير ملابسكِ!"

"هل تودين ماءً بالليمون؟"

"ما رأيكِ بحليبٍ دافئ مع العسل؟"

"سأبدّل المنشفة المبللة على جبينكِ!"

كانت خادمتان تتناوبان على دخول غرفتها في كل مرة.

كانت تنام بفعل الدواء، ثم تفتح عينيها فتجد الخادمتين، ثم تغفو من جديد، وحين تستيقظ ترى خادمتين أخريين.

إنها ماركيزية، ومن الطبيعي أن تعتني الخادمات بالضيوف على هذا النحو، لكن...

عددهن كبير جدًا.

كأن جميع خادمات القصر قد مررن على راديس لزيارتها.

—يتبع.

(\ (\

(„• ֊ •„) ♡

━O━O━

– تَـرجّمـة٠ شاد.

~~~~~~

End of the chapter

2026/04/30 · 3 مشاهدة · 1299 كلمة
شاد
نادي الروايات - 2026