استمتعوا
ثمنُ وجباتها.
كانت راديس، الضيفة المؤقتة في ماركيزية روسيل، لا تملك ما تفعله حتى وهي ستتلقى راتبًا مذهلًا يبلغ مئة مليون روبن سنويًا. ولذلك لم يكن أمامها خيار سوى الشعور بالذنب.
خلعت معطفها ببطء.
وكأنهم كانوا ينتظرون هذه اللحظة، أحاطت يدٌ رقيقة بخصرها.
وتحدثت الخيّاطة.
"إذن، سأقوم بقياس الأنسة."
"تفضلي، افعلي ما تشائين. هاا..."
ومن خلف الحاجز، كانت راديس تسمع يوفيس روسيل يتمتم بانزعاج.
" 'هاا'؟ أنا من يجب أن أتنهد هنا. أنا مشغول إلى هذا الحد، ومع ذلك عليّ أن أحضر فقط لأخبرك أن تأخذي قياسات ملابسك؟"
وبسبب شكواه الحادة، نظرت راديس نحو الحاجز بملامح متعبة.
لقد مرّ وقت منذ لقائهما الأول، حتى إن الانطباع الأول الطاغي والشائعات القاسية حوله قد بدأت تُنسى.
'ماركيز، أنت كثير التذمر...'
بصوت كئيب، أجابت راديس.
"إن كنتَ مشغولًا إلى هذا الحد، فلا تأتِ إلى هنا."
"وإن لم آتِ! ستفرّين! وكلما حاول أحد تثبيتكِ، تختفين!"
"...لأنه لا يوجد ما أفعله."
سواء كان غاضبًا حقًا أم لا، أجاب يوفيس روسيل بنبرة ساخرة.
"لا يوجد ما تفعلينه؟ لا أظن أن أربعًا وعشرين ساعة تكفي للعناية ببشرتك، وترتيب شعرك وأظافرك."
كانت تلك 'المهام' ممتعة في البداية فقط.
لقد خضعت لحمّام عسل ممزوج بالقليل من الملح، واستحمت بحليب الماعز، ووُضعت على شعرها كميات كبيرة من الطين المخلوط بالأعشاب ليُقال إنه يسرّع نموه. وحتى أنهم وضعوا لها أظافرًا اصطناعية.
لكن الأمر كان ممتعًا في البداية فقط.
لم تكن تستطيع غسل وجهها إلا بالحليب، وكانت محبوسة داخل المنزل كي لا يَسمرّ جلدها.
أما شعرها، فكان ينمو كأي شعر آخر بوتيرته الطبيعية، لكنها كانت مضطرة للجلوس والطين على رأسها من أجل 'تسريع النمو'، ولم تكن تحتمل الحكة.
أما الأظافر، فكانت الأسوأ.
كلما وضعت تلك الأظافر الطويلة الاصطناعية، لم تستطع الإمساك بأي شيء سوى الأدوات الرفيعة.
"أكرهها. هل أحتاجها فعلًا؟"
"أوليـ...!"
فجأة، وقد أدرك يوفيس روسيل وجود من حوله، خفّض صوته إلى همس.
"...ألا تريدين مقابلة الأمير أوليفير؟"
عند ذكر اسم أوليفير، هدأت راديس وأخفضت رأسها.
وأخيرًا، بعد أن تغلب على عناد راديس، ربّت يوفيس روسيل على كتفيها بوجهٍ راضٍ.
"حسنًا يا راديس. لدي خطة، فقط ثقي بي واتبعيني. أولًا، سنقوم بقياس فستانك اليوم. حسنًا؟"
"...حسنًا."
في داخلها، لم تستطع راديس إلا أن تقول 'أنا ميتة' بينما استسلمت ليدَي الخيّاطة، وذراعاها ممدودتان على اتساعهما.
"أنستي، لا داعي للقلق!"
جاءت خيّاطة تُدعى سيليا من أشهر متجر خياطة في الجنوب يُدعى 〈سافرون〉، وقد حضرت بنفسها إلى القصر لأخذ المقاسات. شدت شريط القياس بإحكام وقالت.
"سأقيس الأنسة بدقة تامة!"
"لا بأس إن لم يكن دقيقًا تمامًا..."
"لا لا، يجب أن يكون الأساس الأولي لصناعة الفستان، لذا يجب أن تُقاس جسد الأنسة بدقة لفهم نقاط قوتك وضعفك! لن أسمح بأي خطأ، حتى لو كان بعرض شعرة!"
كانت سيليا تُدير شريط القياس كالسوط وتتنقل حول راديس، تقيس عنقها، عرض كتفيها، طول ساعديها، صدرها، خصرها، أردافها، ساقيها وقدميها.
كانت راديس تغيّر وضعيتها كما تطلب سيليا، وفكّرت أنه سيكون أكثر كفاءة لو جعلوها تطفو أو شيئًا من هذا القبيل.
وبعد فترة، انتهت القياسات أخيرًا، وأخرجت سيليا كتالوجًا يحتوي عينات أقمشة.
"هل هناك لون تفضلينه لفستانك؟"
"...طالما ليس ورديًا..."
ثم، من خلف الحاجز وكأنه ينتظر تلك اللحظة بفارغ الصبر، نهض يوفيس روسيل فجأة وصاح.
"فضي، بنفسجي!"
"حاضر يا صاحب السعادة!"
قلبت سيليا صفحات الكتالوج السميكة.
ثم توقفت عند صفحة تظهر فيها عينات من القماش الفضي والبنفسجي.
"بشرة الانسة تميل قليلًا إلى السمرة، لذا أعتقد أنه من الأفضل تجنب درجات الفضي الفاتحة جدًا."
"يعتمد الأمر على اللون."
اقترب الماركيز روسيل ونظر عن كثب إلى الصفحة التي وُضعت عليها العينات.
ثم أخرج قطعة قماش فضية تشبه لون شعر الأمير أوليفير تمامًا، وأخرى بنفسجية تشبه لون عينيه.
وسأل يوفيس روسيل سيليا بنبرة تحدٍّ.
"هل يمكنك تنفيذ هذا؟ لا يهم كم سيكلف."
"بالطبع!"
كانت راديس مذهولة تمامًا من اختيار الألوان.
'أنت الذي لا ترتدي سوى الملابس السوداء...'
ثم اقترب الماركيز منها ووضع عينة القماش على مؤخرة عنقها.
وشعرت بلمسة ظهر يده الرقيقة وهي تلامس شعرها عند رقبتها.
'إنه يَحكّ...'
وغير معتادة على ملامسة الآخرين، انتفضت راديس وارتجفت.
ثبّتت نظرها في نقطة بعيدة وحاولت التفكير في أشياء أخرى.
'عندما أغادر الماركيزية، سأشتري بالتأكيد فرشًا من الصوف وألحفة من الريش. أريد أن آخذ بريندون معي، لكن ربما لا يمكن؟ إنه طاهي الماركيزية، وهو يفتخر بأنه يعمل لدى عائلة روسيل منذ أجيال...! لـ، لكن يمكنني أن آكل قدر ما أستطيع قبل أن أغادر...!'
أخيرًا، تراجع الماركيز روسيل خطوة إلى الوراء.
"يبدو أن هذا سيكون أنسب لكِ مما ظننت. اصنعوا نحو أربعة فساتين من هذا القماش."
"نعم، بالطبع يا صاحب السعادة!"
"التصميم... يجب أن يليق بها."
نظر يوفيس روسيل نحو راديس، ثم أضاف.
"إذا رغبتِ في أي شيء آخر غير ما أمرتُ به، يمكنكِ شراء ما تشائين وبالقدر الذي تريدين."
"أنا بخير—"
"أنـ، أنستي!"
قاطعتها سيليا على عجل، ثم فتحت كتالوجًا لتصاميم الفساتين.
"ألقِي نظرة على التصاميم أولًا وقرري! بالطبع، أحضرتُ أيضًا نماذج فساتين يمكنكِ تجربتها!"
هل أخطأتْ أم أن على شفتي الماركيز روسيل ابتسامة ماكرة وخطرة؟
"بالطبع، فلنعمل بجدّ من أجل ثمن وجباتنا."
وفي النهاية، أُجبرت راديس على قضاء بقية فترة الظهيرة تحدّق في تصاميم الفساتين والأحذية بعيونٍ خاوية كعيون السمك الميت، كما اضطرت إلى تجربة فساتين مختلفة مرات لا تُحصى.
***
"أنني أموت..."
ابتسم آلن ابتسامة هادئة وهو يصب الشاي لراديس التي بالكاد أفلتت من قبضة سيليا.
"هل كان الأمر صعبًا إلى هذا الحد؟ ألم تستمتعي؟"
"الفساتين جميلة، لكن بالنسبة لي... حسنًا."
"حقًا؟ أعتقد أنها ستبدو جميلة عليكِ."
"أبدًا. شعري قصير وبشرتي غير متجانسة اللون."
"بشرتك ليست سيئة. وشعرك سينمو بسرعة."
قال آلن ذلك وهو يبتسم.
"إذا كنتِ متعبة جدًا، هل ترغبين في أخذ استراحة من دراستك اليوم؟"
"لا! أنا بخير!"
كانت قبل لحظات متكئة على الطاولة، ثم قفزت فجأة وعيناها تلمعان.
كانت راديس تحب الدراسة إلى حدٍّ ما.
لكن الدراسة نفسها كانت صعبة في منزل تيلرود.
فرئيس العائلة، المسؤول عن تعليم أطفال تيلرود، كان يسير على قشر البيض دائمًا أمام مارغريت. وكان يخشاها أكثر مما كان أرمانو يخشى سيدة العائلة.
ولكي لا تتعرض للتوبيخ، كانت راديس تضطر إلى الدراسة بلا كتب، وحضور الدروس وكأنها لا تعرف الإجابات.
"هذا يبعث على الارتياح. لقد وجدتُ لكِ كتابًا ممتعًا، وجلبته لأنه سيكون قراءة خفيفة ولطيفة."
جلس آلن وراديس في الدفيئة حيث كان ضوء الشمس الدافئ يتسلل من كل مكان.
وأحضرت بيري، إحدى خادمات القصر، شايًا أسود عطِرًا وبعض قطع الكاسترد الشهية جدًا.
بطبقة خارجية مقرمشة مرشوشة بسكر ناعم، وحشوة كريمية خفيفة بنكهة الفانيليا اللذيذة، أصبح هذا الحلو المفضل لدى راديس الذي اكتشفته حديثًا.
في مكان دافئ، محاط بمنظر جميل، كانت تدرس وهي تستمتع باستراحة شاي مريحة.
تحسّن مزاج راديس سريعًا ونسيت الفساتين تمامًا. بابتسامة واسعة التفتت إلى بيري وقالت.
"بيري، شكرًا لكِ!"
وعند رؤية ابتسامتها، تحولت خدي بيري الممتلئان إلى لون الفراولة.
كانت بيري، ذات الشعر المجعّد طبيعيًا والمربوط على شكل ضفيرتين، هي نفسها الخادمة التي أرشدت راديس إلى غرفة يوفيس في أول يوم لها في هذا القصر.
لكن خادمات الماركيزية كنّ غريبات بعض الشيء.
ومن بينهن، كانت بيري شديدة الخجل.
حتى الآن، كانت تتراجع عدة خطوات بسرعة وكأنها تهرب، بينما تخفي وجهها بصينية.
وبعد أن تجاوزت الباب واختفت عن الأنظار، سُمِع صوت بيري من بعيد وهي تصرخ. "كيااا! ماذا أفعل!"
تنهد آلن وهو يراقب ذلك.
"متى ستكبرون جميعًا...؟"
كان آلن يكتفي بمراقبة تصرفات الخادمات.
لم تكن راديس تفهم لماذا كانت بيري تصرخ دائمًا. "آه! ماذا أفعل!" عندما تكون معها، لكنها كانت تظن أن هذا أمر طبيعي.
في الواقع، بدا أن جميع خادمات القصر لديهن عادة الصراخ أحيانًا. "ماذا أفعل!"، لكن بخلاف ذلك كنّ جميعًا لطيفات وطيبات للغاية.
"حسنًا، هذا هو الكتاب الذي ستقرئينه اليوم."
وضع آلن كتابًا ذا غلاف جميل وملوّن على الطاولة.
"〈 مغامرات الأمير دانتِس 〉! هذا كتاب حكايات خرافية."
"صحيح. هل قرأتهِ من قبل يا آنسة؟"
هزّت راديس رأسها.
كان كتاب 〈 مغامرات الأمير دانتِس 〉 حكاية خرافية عن حياة دانتيس أربند، البطل الحقيقي الذي أسس الإمبراطورية.
وبما أنه كان الإمبراطور الأول، فقد قامت العائلة الإمبراطورية نفسها بإنتاج هذه الحكايات وإرسالها كهدية إلى أبناء النبلاء الأقوياء.
وكانت عائلة تيلرود تمتلك النسخة نفسها، وقد توارثتها عبر الأجيال حتى اهترأت لدرجة أن الغلاف استُبدل عدة مرات.
وكان زاد يسمح فقط للابن الأكبر، ديفيد، بقراءتها.
لكن ديفيد كان يخفيها تحت سريره دون أن يفتحها أصلًا، فاستردها زاد في النهاية.
"يُعتبر هذا الكتاب هدية ترمز إلى ارتباط كل عائلة بالعائلة الإمبراطورية، لكن محتواه ممتع جدًا. كما أن 'سيف النار' يظهر فيه أيضًا."
غمز آلن بعينه.
وفي اللحظة التي ذُكر فيها 'سيف النار'، لمع بصر راديس واتخذت جلستها وضعًا مستقيمًا فجأة.
—يتبع.
(\ (\
(„• ֊ •„) ♡
━O━O━
– تَـرجّمـة٠ شاد.
~~~~~~
End of the chapter