استمتعوا

كريمةٌ غنيّة، وعبقُ الحليب الفاخر اللذيذ.

وقيل إنّ الموز لا ينبت إلا في الجزر البعيدة عبر البحر الواسع، وكان لهذه الفاكهة طعمٌ فريد بحق.

فكيف استطاع أن يكون بهذا المذاق حين امتزج مع طبقةٍ علوية من كريمة الكراميل المطّاطة، ومع بسكويتٍ مقرمش في القاع؟

'لذيذ...!'

لقد أُسرت راديس تمامًا بالمذاق البديع لفطائر البانوفي.

ومع كل لقمةٍ كانت تتناولها، كانت عيناها تضيقان ابتهاجًا، بينما كانت بيري وهي تراقبها تدوس بقدميها بخفةٍ مراتٍ لا تُحصى تحت تنورتها.

'أنستي راديس! أنتِ لطيفة جدًا جدًا جدًا...!'

وبعد أن تناولت بضع لقيمات فقط من فطيرة البانوفي، وضعت راديس شوكتها، إذ رأت أن التهامها بسرعةٍ سيكون إهدارًا، ثم ارتشفت رشفةً من شايها.

ثم قالت بصوتٍ هادئ للغاية.

"هذه الحلوى لذيذة حقًا، بيري. هل يمكنكِ إيصال إطرائي إلى بريندون؟"

"سأفعل ذلك، أنستي راديس!"

وما إن أغلقت الباب خلفها، وقد خفّت خطواتها من شدة الحماسة، حتى أطلقت بيري صرخةً صغيرة.

"ماذا أفعل...؟!"

كانت دار الماركيز في الأصل مكانًا يتمتع فيه الخدم بأفضل ظروف العمل.

فإلى جانب الراتب السخي والمزايا المُرضية، كانت أكبر ميزة هي قلّة الأشخاص الذين يتعيّن خدمتهم.

ففي الدور المعتادة، يكون هناك الماركيز والماركيزة، وأبناء الزوجين وبناتهما، ثم قد توجد محظية للماركيز، وأبناء منها، بل وقد يكون له أبناء آخرون خارج المنزل من نساءٍ أخريات.

ولا شك أنّ الأمر يكون مروّعًا. ففي عائلةٍ كهذه، تندلع الصراعات العنيفة يوميًا، وغالبًا ما يُسحق الخدم تحت وطأتها كما تُسحق الروبيان تحت أقدام الحيتان، فينهارون مرارًا من شدة الإرهاق.

أما على الجانب الآخر، فكان نسب عائلة روسيل بسيطًا.

كان الماركيز روسيل وحده.

وفوق ذلك، كان مشغولًا إلى حدّ أنّ الخدم نادرًا ما يرون وجهه.

لقد كان رئيس عملٍ يمنح راتبًا كريمًا، ومزايا مُرضية، وبيئة عملٍ هادئة خالية من صراعات القصور!

وكان المكان رائعًا بالفعل، لكنه ازداد روعة في نظر بيري منذ أن أصبحت راديس جزءًا من حياتها اليومية.

وهي تعبّر عن فرحتها بقفزاتٍ خفيفة على الدرج، راحت تغنّي بخفّة.

"يا، أنسـ، تي، را، ديس! إنّها، لطيفة، للغاية!"

وحين وصلت إلى المطبخ، أطلت من الباب المفتوح وصاحت.

"سيد بريندون! الأنسة راديس تعشق الفطيرة حقًا!"

وكان بريندون يعجن عجين الخبز، فابتسم ابتسامةً عريضة ونفض الدقيق عن يديه.

"أليس هذا مطمئنًا؟ أظنها تستطيع تناول المزيد، فأعطيها قطعةً أخرى!"

وقد ارتعش أنفه من تطاير الدقيق، فأجاب.

"يا للعجب، بطفلةٍ نحيلة كهذه... لا أستطيع تخيّل ذلك."

قهقهت بيري بخفةٍ هي الأخرى.

عندما قال الماركيز إنه سيحضر أنسة إلى القصر، توتر الجميع.

انطلقت خيالات الخدم بلا قيود، ولم تكن بعيدة عما ظنّته ماريل.

لقد اعتقد الجميع أن ماركيز روسيل قد وقع في حب أنسة ما وأحضرها معه.

بعبارةٍ أخرى، مرشّحة لمنصب الماركيزة!

لكن في الحقيقة، الشخص الذي ظهر كان فتى جميل الملامح يبدو عليه شيءٌ من الكآبة.

وبالطبع، سرعان ما اتضح أن راديس ليست فتى. ومع ذلك، فإن مظهرها الوحيد الحزين كان كافيًا لجذب انتباه الخادمات ذوات القلوب الرقيقة.

فماذا عساهم يظنون حين يرون فتاةً نحيلة قصيرة الشعر، تبدو كصبي، بعينين يملؤهما الحزن؟

'عامِلوا الأنسة راديس بلطفٍ ورفق!'

ذلك الغوريلا، ألن، لم يكن يبدو عادةً مهتمًا بها حين يراهما الآخرون معًا، لكن لم يكن بالإمكان إنكار أنه بدا كجدّةٍ حنونه تنظر إلى حفيدها، خاصةً حين كان يوصي الخدم بها.

ولهذا، كان أهل القصر، بمن فيهم بيري وبريندون، يتسابقون لتقديم المزيد لها، كما لو كانوا يرعون هرّة صغيرة كانت ترتجف تحت المطر.

'يجب أن نعاملها جيدًا للغاية!'

ارتسمت ابتسامة سعيدة على شفتي بيري وهي تضع قطعةً أخرى من فطيرة البانوفي على الصينية.

حتى دون طلب ألن، كانت بيري تحب راديس.

فشعرها الأحمر بدا حلوًا كمربّى الفراولة، وعيناها السوداوان كحجري عقيقٍ لامعين. وكانت هذه السمات نادرة في تلك الأنحاء، مما جعلها تبدو في نظر بيري جميلةً ومبهرة.

'لقد رأيت الكثير من الأشخاص الجميلين والمثيرين للإعجاب أثناء عملي في منزل الماركيز، لكن الأنسة راديس هي الأفضل. ألن تصبح فاتنةً مذهلة في المستقبل؟'

تألقت عينا بيري بحلمٍ جميل.

كانت بيري تعشق الجمال، ولذلك كانت ترغب في حضور مأدبة عيد ميلاد الأمير الثالث التي أُقيمت في الجناح مؤخرًا.

كانت تريد رؤية الأمير أوليفير، الذي يُقال إنه رجلٌ فاتن الجمال، ولو من بعيد.

لكنها خسرت في لعبة حجر ورقة مقص في ذلك اليوم، فبقيت في القصر المركزي وكُلّفت بترتيب الأطباق.

وقد عوّضت راديس ذلك الحرمان الطفيف في قلب بيري.

كانت راديس كزهرةٍ حمراء حين تقف ساكنة، وكالملاك حين تبتسم.

وحين تغرق في التفكير، تبدو كفتى وسيم يحمل همومه الخاصة. بل إنها أحيانًا تخرج في نزهة ليلية وحدها، وتملك سحرًا خطيرًا كجمرٍ متّقد.

حقًا كانت عينا بيري تغمران بالبهجة.

وبحماس، طرقت بيري باب غرفة راديس.

"أنستي راديس، هناك فطيرة أخرى...!"

لكن ما رأته أمام عينيها بعد فتح الباب جعلها لا تملك إلا أن تغطّي شفتيها من شدة الصدمة.

***

"ما هذا؟"

"إنها تذكرة عرضٍ مسرحي."

"عرض مسرحي؟"

"نعم."

وقف يوفيس روسيل، مرتديًا معطفه الأسود الطويل، في مواجهة راديس.

وكان في يد الماركيز ظرفٌ أنيق ذو حواف مذهّبة، وبينما كان يعرضه، ارتسمت على شفتيه ابتسامةٌ مرِحة نادرة.

"هل سبق لكِ أن شاهدتِ عرضًا مسرحيًا؟"

"...لا."

"سمعتُ أن هذا العرض يحظى بشعبية كبيرة هذه الأيام. وقد كان من الصعب للغاية الحصول على تذاكره."

حاولت راديس أن تنظر إلى الظرف بملامح متحفظة، غير أن عينيها لم تستطيعا إخفاء فضولٍ لا يوصف.

تحدث يوفيس روسيل بنبرةٍ مغرية.

"أتودّين الذهاب؟"

وحين بدا كأن بريق النجوم ينطلق من عيني راديس، كادت بيري أن تصرخ. "يا إلهي...!" واضطرت إلى تغطية فمها بكلتا يديها بإحكام حتى لا تطلق صرخة.

"ولكن! هناك شرط."

"شرط؟"

أشار يوفيس روسيل إلى سروال راديس الممزق.

"ليس هكذا! عليكِ أن ترتدي فستانًا لائقًا!"

ابتلعت راديس ريقها.

لم يسبق لها أن خاضت أي شأنٍ يتعلّق بالفنون الثقافية.

عرضٌ مسرحي لشخصٍ مثلها، لم تتح له الفرصة يومًا لاقتناء كتابٍ واحدٍ كانت ترغب في قراءته!

'لا أظنني مضطرة لارتداء تلك الإسفنجة الوردية مجددًا، سيكون مجرد فستان.'

أومأت راديس برأسها.

"فهمت."

ابتسم يوفيس روسيل برضا وهو يعيد التذاكر إلى الجيب الداخلي لمعطفه.

عند ذلك، اضطربت عينا راديس.

"التذكرة...؟"

"ماذا؟ أظننتِ أنكِ ستذهبين وحدكِ؟ سنذهب معًا، بالطبع."

"آه، أهذا كذلك؟"

وقد استبدّ بها الحماس لذكر العرض المسرحي، فلم يبدُ أن لديها أدنى شك.

كانت ابتسامتها كزهرة أقحوانٍ بيضاء تتفتح في حقلٍ أخضر.

'آنسة راديس، ابتسامتكِ! أرجوكِ، ابتسمي لي أنا أيضًا!'

اندفعت بيري إلى الداخل وهي تحمل الصينية.

"آنسة راديس، هذه قطعة فطيرة أخرى."

ابتسمت راديس لبيري ابتسامةً مشرقة.

"شكرًا لكِ، بيري."

كانت ابتسامةً سماوية بحق.

وضعت بيري الفطيرة، ثم ابتسمت وتراجعت خطوة إلى الوراء.

'آه، أشعر وكأن كل شوائب قلبي تُغسل. أنا سعيدة للغاية...'

تراجعت بيري مبتسمة بسعادة، لكن فجأة وقع بصرها على شيطانٍ أسود يحدّق في راديس من علٍ.

أسرعت بيري بفرك عينيها.

'مـ، ماذا؟ شيطان؟'

لكن حين نظرت مجددًا، كان ذلك رئيس عملها، يوفيس روسيل.

وقد رفع ياقة معطفه الأسود، وأمال رأسه قليلًا، بينما ارتفعت زوايا شفتيه بابتسامةٍ ماكرة خفية... حتى بدا يوفيس روسيل حقًا كدوقٍ شيطاني.

***

'عرض مسرحي...!'

شعرت راديس بأن قلبها يخفق كما كان يخفق حين كانت طفلة.

تذكرت القصص القليلة التي كانت تسمعها أحيانًا من شقيقها الأصغر، ديفيد.

كلما خرجت راديس إلى حملات الإبادة بدلًا عن ديفيد، كان عليه أن يختبئ بعيدًا عن الأعين.

غير أنه بدا أن ديفيد كان يتنكر ويخرج على أي حال، لأنه كان يكره البقاء محبوسًا في القصر.

وعلى وجه الخصوص، بدا أنه مولع بالذهاب إلى العروض المسرحية، إذ كان يندمج فيها تمامًا.

في أحد الأيام، سمعت راديس ديفيد يتحدث عن عرضٍ مسرحي على مائدة العشاء.

فأصابها فضولٌ شديد لكلامه، فنظرت إليه خلسة.

'لقد صُدم الجميع وكأن العالم انقلب رأسًا على عقب. ولكن فجأة، عندما التفتت، أصبح الجميع في غاية الحماس. جاءت السيدة لوفينيك مع عشيقها، وقد دهشت إلى حد أنها أغمي عليها. كان الأمر جنونيًا.'

وهنا سألت يوريس.

'عشيق السيدة لوفينيك، تقصد عازف الكمان؟'

'أظن ذلك، نعم.'

وسألت راديس أيضًا.

'كيف نزلت الجنية من السماء؟'

وعندما سألت، لم يفعل ديفيد سوى أن عبس بملامحه كما كان يفعل في صغره تمامًا. كانت نفس النظرة التي كان يتخذها حين يقول. 'سأخبر أمي!'

'إن كنتِ فضولية إلى هذا الحد، فلماذا لا تذهبين لترينه بنفسك؟'

لكن راديس لم تستطع الذهاب لرؤية العرض.

لم يكن لديها المال ولا الوقت لتتجول بترفٍ كما يفعل ديفيد. ولم تكن تملك ثيابًا مناسبة لمثل ذلك المكان.

وفوق ذلك، بعدما تغيّر لون بشرتها حتى بدا مائلًا إلى الأرجواني، ازدادت مارغريت قسوةً عليها، فأصبح خروج راديس من القصر أكثر صعوبة.

لكن الآن، كل ذلك صار من الماضي بل لن يحدث أبدًا مرة أخرى.

'لقد تحررت حقًا... لقد ابتعدت عن عائلة تيلورد.'

—يتبع.

(\ (\

(„• ֊ •„) ♡

━O━O━

– تَـرجّمـة٠ شاد.

~~~~~~

End of the chapter

2026/04/30 · 2 مشاهدة · 1326 كلمة
شاد
نادي الروايات - 2026