استمتعوا
بدا الأمر كما لو أنّ القيود التي وُضعت في كاحليها تُصدر رنينًا خافتًا، لكنها كانت تُنزع عنها شيئًا فشيئًا.
"آنسة راديس، لقد وصل فستانكِ المُفصَّل أيضًا! يمكنكِ ارتداء فستانكِ الجديد إلى العرض المسرحي!"
بدت بيري متحمسة بقدر حماس راديس.
فقد أدخلت صندوقًا يحتوي على الفستان الجديد برفقة إبريل، خادمة الماركيز المسؤولة عن الملابس.
وبينما كانت تُخرج الفستان المصنوع من المخمل الأخضر الداكن والحرير الأخضر، قالت إبريل.
"بما أن أنستي ستشاهد عرضًا مسرحيًا، ألن يكون فستان بتصميم كلاسيكي مناسبًا؟ ما رأيكِ بهذا الفستان الأخضر؟"
في المقابل، اختارت بيري فستان سهرةٍ أنيقًا مصنوعًا من قماشٍ أسود ومُزخرفًا بنقوش الورود.
"آنسة راديس، ما رأيكِ بهذا؟"
تظاهرت راديس بالتفكير، لكنها في النهاية اختارت الفستان الذي أوصت به إبريل.
بدت بيري وكأنها قد اغتمّت قليلًا، لكن ما إن استدارت راديس مرتدية الفستان الأخضر حتى قفزت بيري في مكانها.
"واو، واو، واو! ماذا أفعل...! أنتِ جميلة جدًا، آنسة راديس!"
كانت راديس نفسها مندهشة للغاية أيضًا.
فهذا الفستان كان يفوق بكثير تلك 'الإسفنجة الوردية' التي بيعت بخصم تسعين بالمئة في بوتيك رود.
إذ صُنع من المخمل الأخضر الداكن والحرير الأخضر، وكان فخمًا للغاية، جميلًا، وأكثر راحةً مما توقعت.
"بيري، ابتعدي من الطريق."
وبينما كانت نيكي تحمل أدوات الزينة بكلتا يديها، دفعت بيري جانبًا بمؤخرتها.
ثم مسحت خدّ راديس بظاهر يدها، وقالت بنبرةٍ مفعمة بالمودة.
"آنسة راديس! آه، أنتِ لطيفة جدًا. سأجعلكِ تتألقين تمامًا!"
لم تكن مهارة نيكي في التجميل أقل من مذهلة.
فقد قامت بتشذيب حاجبي راديس بشكلٍ جميل، وجعلت رموشها منحنية بإتقان.
"أنستي جميلة أصلًا، حتى إنه لا شيء لديّ لأفعله!"
كما أمطرتها بعبارات المديح الرقيقة.
وحين ارتدت راديس فستانها الجديد، وتزيّنت، وصفّفت شعرها بعناية مع قبعةٍ أنيقة، دهشت حين رأت نفسها في المرآة.
لقد أظهرت انعكاسها شابةً نبيلةً جميلة، وكأنها اقتُطفت من مشهد وليمةٍ في مكانٍ آخر. لم يكن هذا شيئًا رأته من قبل.
انبَهرت راديس.
"واو...!"
وأطلقت بيري صيحة إعجاب.
"يا إلهي...!"
كما بدت إبريل مسرورة أيضًا.
"آنسة راديس، تبدين رائعة!"
دفعت نيكي بيري مرةً أخرى بمؤخرتها وهي تقول بصوتٍ متحمس.
"أنتِ رقيقة كغزالةٍ صغيرة، آنسة راديس...!"
وقد ضاقت بيري ذرعًا بدفع نيكي لها، فشدّتها وهي تصرخ.
"نيكي، توقفي! أنتِ منحرفة!"
"يا إلهي، أنا أحب النساء الجميلات فقط! ليس طفلةً مثلكِ!"
"ابتعدي، ابتعدي!"
وضعت بيري يدها على خصرها، ثم دفعت نيكي بمؤخرتها، وبدأ الاثنان يتشاجران ويخرجان من الغرفة تدريجيًا.
أما راديس، فكانت تحدّق في المرآة بذهول، غير منتبهة لشجار بيري ونيكي.
'أهذه أنا؟'
كانت الفتاة في المرآة جميلة حقًا.
بل لم تكن جميلة فحسب، بل بدت لطيفةً وثمينة.
كأنها نشأت في كنف أبٍ كريم وأمٍ حنونة، وترعرعت في عائلةٍ وئامها غالب، وإن شابته أحيانًا بعض المشاحنات بين الإخوة... بدت حقًا كأنسة نبيلة.
'أهذه راديس؟'
في كل لحظة من حياتها السابقة التي انقطعت مبكرًا، لم يسبق لراديس أن تأملت نفسها بهذا الشكل.
حين كانت في منزل تيلورد، مرّت ذات مرة أمام مرآة ورأت نفسها.
وعندما واجهت انعكاسها، ورأت تلك النظرة الكئيبة التي لا نهاية لها تحدّق فيها، شعرت بدوارٍ شديد، كأنها تنظر إلى هاويةٍ سحيقة.
وكان الأمر ذاته حين كانت تتنكر بهيئة ديفيد خلال حملات الإبادة في غابة الوحوش.
فما إن تنظر إلى سطح الماء لتغسل وجهها في المياه العكرة، أو ترى انعكاسها على نصل سيفها، حتى ترى وجهًا شاحبًا منهكًا... فيسقط قلبها كأنها تعثرت على درج.
أما راديس في المرآة الآن، فكانت جميلةً إلى حدٍ جعل ذكريات الماضي تبدو وكأنها كذبة.
وراءها، رأت يوفيس روسيل، بملابسه السوداء، يقترب.
كان رداؤه وبدلته سوداوين بالكامل، غير أن ذلك بدا مقبولًا أكثر اليوم، فملابس الرجال الرسمية غالبًا ما تكون سوداء.
وببدلته المفصّلة بعناية على جسده المتين المتناسق، بدا يوفيس روسيل أنيقًا للغاية بل وسيمًا. كما بدا شعره أقل فوضوية.
نظرت راديس إلى يوفيس روسيل عبر المرآة.
وكان هو أيضًا ينظر إليها من خلال انعكاسها.
يا لهما من ثنائي غريب.
مختلفان إلى حدٍّ يوحي وكأن كليهما جاء من طرفٍ معاكس في عالمٍ آخر خلف هذه المرآة.
وبينما كانا ينظران إلى المرآة، وضع يوفيس روسيل عقدًا حول عنق راديس.
كان عقدًا من الجمشت مُرصّعًا بالفضة والألماس.
فوق المخمل الأخضر الداكن، ومع ازدياد عمق لون القماش، تألّق خيط الفضة المرصّع بالألماس كسماء الليل حول صدرها.
وفي المرآة، ظهرت شفتا يوفيس روسيل وقد ارتسمت عليهما ابتسامةٌ لطيفة.
ثم همس في أذن راديس.
"أنتِ جميلة، راديس."
بدت كلماته وكأنها تمسّ وترًا عميقًا في قلبها.
***
ظنّت راديس أنهما سيتوجهان إلى مسرحٍ ما في الجنوب لمشاهدة العرض.
لكن الأمر لم يكن كذلك.
اتجهت عربة الماركيز نحو مرتفعات لارينغز.
حيث تقع 'البوابة'.
"انتظر، هل سنعبر عبر بوابة؟"
"نعم. هل في ذلك مشكلة؟ هل تُصابين بدوارٍ عند الانتقال عبر البوابات؟"
"هذا... لا أدري. لم أعبر واحدة من قبل."
وما إن قالت راديس ذلك، حتى أخرج الماركيز كيسًا ورقيًا من أسفل مقعد عربته ونفخه قليلًا.
ثم ناولها إياه بأدب.
وبينما كانت تقبض على الكيس بإحكام، سألت.
"هل سنستخدم البوابة لمجرد مشاهدة عرضٍ مسرحي؟"
"نعم. ولمَ لا؟"
"رسوم البوابة باهظة جدًا! وليس بإمكان أي شخص استخدامها."
لم يكن في الإمبراطورية سوى عددٍ قليل من البوابات. كانت أثرًا سحريًا قديمًا يُشوّه الفضاء عبر نقوشٍ رونية محفورة في الأرض.
وفوق ذلك، كان الانتقال يتطلب عددًا هائلًا من أحجار السحر.
لكن الماركيز روسيل أجاب.
"بوابة لارينغز تعود لعائلة روسيل."
عجزت راديس عن الكلام، فاكتفت باتباعه.
كانت البوابة مهيبة وغامضة.
سطحها المسطح مصنوع من الرخام الأبيض، وتحيط بها أعمدة كثيرة.
وعلى سطحها والأعمدة، كانت نقوش رونية قديمة تتوهّج بخفوت، مرسومةً في أنماطٍ معقدة.
وفي وسطها، وقف يوفيس وراديس جنبًا إلى جنب.
وقد قام حارس البوابة، بلطف، بربط منديلٍ كبير حول عنق راديس عندما رآها تمسك بالكيس الورقي.
وعندما اكتملت الاستعدادات، وضع الحارس حفنة من أحجار السحر على المذبح.
'آه...!'
في تلك اللحظة، أضاء السطح تحت قدميها بشدة.
'...ساطع!'
وفي اللحظة التالية، كانا يقفان عند بوابة دفيرات، الواقعة في مدينةٍ قريبة من العاصمة في شمال الإمبراطورية.
نظر يوفيس، وقد شحب لون شفتيه قليلًا، إلى راديس وسأل.
"هل أنتِ بخير؟"
نزعت راديس المنديل من حول عنقها ووضعته داخل الكيس الورقي.
"أنا بخير."
"هذا مطمئن. بعض الناس يصابون بدوارٍ شديد عبر البوابات وقد يتقيؤون."
ترددت راديس قليلًا وابتعدت خطوة عن يوفيس، ثم سألت.
"سيدي الماركيز... هل... هل أنت بخير؟"
"أنا معتاد على ذلك لأنني أعبر البوابات كثيرًا. على كل حال، هذا مثير للاهتمام. إنها المرة الأولى لكِ، ومع ذلك أنتِ بخير. يبدو أن معدتكِ من فولاذ."
بالقرب من البوابة، كانت هناك عربة تحمل شعار عائلة الماركيز.
وما إن همّت راديس بالصعود، حتى تعثرت قليلًا وشعرت بشيءٍ من الغثيان.
"تفضّلي."
ابتسم يوفيس روسيل ومدّ يده إليها.
"يبدو أنها ليست فولاذية تمامًا. أمسكي بيدي."
كان الأمر غريبًا للغاية.
ربما بسبب آثار البوابة الجانبية، شعرت راديس وكأنها تحلم.
وبعد اجتياز المرتفعات، اتجهت العربة نحو مركز دفيرات.
كانت دفيرات مدينةً بُنيت حول أقرب بوابة إلى العاصمة، وكانت أبهى مدن الإمبراطورية.
فمعظم أكبر المصارف والعديد من فروع النقابات كانت تقع فيها.
وفوق ذلك، كانت تضم أشهر منطقة تسوّق في الإمبراطورية، المعروفة باسم 'الطريق الذهبي'، إلى جانب الكازينوهات ومرافق الترفيه الأخرى.
وبعبارةٍ أخرى، كانت دفيرات مكانًا يحلم جميع مواطني الإمبراطورية بزيارته ولو مرة واحدة في حياتهم.
ضحك يوفيس روسيل بخفة وهو يراقب راديس، التي كانت منشغلة بتأمل منظر المدينة من نافذة العربة.
"هل تستمتعين؟"
أومأت راديس بحماس وهي تلتفت إليه.
"وكيف لا! الجميع يقول إن زيارة دفيرات حلم العمر!"
"حقًا؟ وهل هو كذلك بالنسبة لكِ أيضًا؟"
نظرت راديس حولها.
كانت فضولية، نعم.
لكنها لم تكن تحلم بذلك تحديدًا.
فهي لم تذهب حتى إلى مسرحٍ في الجنوب من قبل.
كانت شخصًا اعتاد على أكل عصيدة الشوفان كل يوم. وكما أنه لا يمكنه تخيّل أصناف الأطعمة الفاخرة التي قد تُقدّم على مائدة الإمبراطور، كذلك لم يخطر ببالها يومًا أن تتمنى زيارة دفيرات.
لكن، بطبيعة الحال، كان وجودها هنا رائعًا.
"لم أفكر في ذلك من قبل، لكن على أي حال، يعجبني الأمر!"
أومأ يوفيس روسيل.
"إن كنتِ تحبينه إلى هذا الحد، ففي المرة القادمة سنخطط لرحلة أطول ونمكث هنا عدة أيام."
"هاه؟"
"لعائلتي منزل في دفيرات، يمكنكِ المجيء إلى هنا في أي وقت."
نظرت راديس إلى الناس الذين يسيرون على جانبي الشارع العريض الذي تمر فيه العربة.
كانوا جميعًا يرتدون ملابس أنيقة زاهية الألوان، ويبتسمون بسعادة وهم يتأملون واجهات المتاجر.
وكان هناك أطفالٌ بملابس جميلة، يحملون أذرعًا ممتلئة بالهدايا، يقفزون بخفة.
وكان طفلٌ آخر ينفخ الفقاعات، فتطايرت فقاعات كبيرة في أرجاء الشارع.
وبينما كانت تحدّق في تلك الفقاعات المستديرة، استوعبت راديس المشهد البديع المتلألئ أمامها.
كان كل شيء يلمع بجمالٍ يفوق ألوان قوس قزح.
شعرت وكأنها تحلم.
لم تختبر من قبل حلمًا بهذا القدر من السعادة.
—يتبع.
(\ (\
(„• ֊ •„) ♡
━O━O━
– تَـرجّمـة٠ شاد.
~~~~~~
End of the chapter