استمتعوا
توقفت العربة أمام مسرح الوردة الذهبية.
ولكي يواكب اسمه الباذخ، كان المسرح مزيناً من الداخل والخارج على السواء بتموجاتٍ ذهبية براقة.
نزل يوفيس روسيل أولًا من العربة، ثم أمسك بالباب، وابتسم وهو يرفع بصره نحو راديس ناظرًا إليها.
"هل نذهب، انستي؟"
"...انستي؟"
كانت تلك المرة الأولى في حياتها التي يُنادى عليها بهذا اللقب.
ولكن، حين رآها الناس تصعد درج المسرح المفروش بالسجاد الأحمر برفقة الماركيز روسيل مرافقًا لها، فمن ذا الذي لن يناديها بذلك؟
بدا أن تجمعًا اجتماعيًا صغيرًا يُقام في الردهة الجميلة في تلك اللحظة.
فالناس الذين جاؤوا لمشاهدة المسرحية كانوا يتجمعون في الردهة ويتبادلون الأحاديث.
وعندئذٍ، اقترب رجل نبيل ذو شاربٍ أنيقٍ للغاية من يوفيس.
"أوه، من لدينا هنا! أهذا أنت، يا ماركيز روسيل؟"
"لم نلتقِ منذ زمن، يا كونت براونت."
"هاهاها! يبدو أنك قد نضجت كثيرًا. كما أنك تبدو مهيبًا للغاية. زوجتي، تعالي إلى هنا! انظري من هذا!"
اقتربت الكونتيسة براونت وبعض الحاضرين الآخرين في الردهة.
وبدا أن يوفيس يعرفهم جميعًا.
وبعد أن تبادلوا التحيات، كان من الطبيعي أن تستقر جميع الأنظار على راديس.
تحدث يوفيس.
"هذه الآنسة تُدعى راديس تيلرود."
ولأنها لم تعتد أن تكون محط الأنظار، شعرت راديس بأن وجهها يحترق خجلًا على الفور. ومع ذلك، ألقت التحية بأقصى ما تستطيع من تهذيب.
"يا إلهي، إن كنتِ من عائلة تيلرود، أهي تلك العائلة نفسها؟ التي ينحدر منها السير ألكسيس تيلرود أحد مؤسسي البلاد؟"
"نعم، سيدتي."
"يا للعجب، والآن حين أفكر في الأمر، أليس لدى الماركيز أيضًا فيراد روسيل، أحد مؤسسي الإمبراطورية؟ يا إلهي، ما أروع ذلك!"
"إن في اجتماعكما على هذا النحو دلالة عميقة حقًا."
وعند ذلك، تعالت همهمات الحديث من كل صوب.
لم تستطع راديس مجاراتها.
كان الضوء الذهبي ينساب من فوق رأسها، ومن الجدران، ومن الأعمدة التي تحيط بها من كل جانب.
وكان المسرح بحد ذاته مهيبًا، غير أن ابتسامات من حولها كانت أشد إشراقًا.
ضحكاتٌ رقيقة، ونكاتٌ خفيفة عن مناسبة هذا اللقاء، ونخبٌ مفاجئ، وشراب الشمبانيا، ثم مزيدٌ من الضحك.
بدت كأنها تتعرض لهجومٍ من عشر هلوسات دفعةً واحدة.
"...ـديس."
"......"
"راديس!"
أفاقت راديس من شرودها ورفعت رأسها. كانت واقفةً هناك كأنها ثملة، تمسك بكأسين من الشمبانيا في كلتا يديها. لم تستطع رفضهما حين قُدِّما إليها.
وكانت ابتسامة خفيفة ترتسم على شفتي يوفيس روسيل وهو ينظر إليها.
"يا للهول. كان يكفي أن تتظاهري برشفةٍ وتعيديهما. هل شربتِهما حقًا؟"
أخذ يوفيس الكأسين اللذين لا يزال فيهما بعض الشمبانيا من يدي راديس، ثم سلّمهما إلى أحد الخدم.
ثم وضع ظهر يده برفقٍ على خدّ راديس.
"وجهكِ محمرٌّ جدًا، يا راديس."
كادت راديس، بدافعٍ غريزي، أن تكسر معصمه، لكنها لم تفعل. إما لأنها كانت مضطربة للغاية، أو لأنها كانت شبه ثملة من الشمبانيا.
ولحسن الحظ أنها لم تفعل.
فلم تكن تدري ما الذي كان سيحدث لو كسرت معصمه وسط تلك الردهة المكتظة.
"...إنه لأنني أحمرّ بسهولة."
"انتظري لحظة."
جلب لها يوفيس بعض الماء المثلج.
أجلسها ثم جلس أمامها، يبتسم وهو يراقبها حتى أفرغت الكأس.
أما من شاهدوا ذلك المشهد، فقد اتسعت أعينهم دهشةً.
"يبدو أن علاقتهما ليست عادية؟"
"أخيرًا صار للماركيز روسيل حبيبة؟"
"لم يكن يومًا موضع فضيحة، رغم كثرة الشائعات حوله. ومع ذلك، فهذا يبعث على الارتياح نوعًا ما."
وبينما كانت راديس ترتشف قليلًا من الماء المثلج، أحضر لها أحد موظفي المسرح كتيّبًا.
كان عنوان المسرحية. 〈السيدة أنجيلا ورجلان〉.
وقد أثار ذلك فضول راديس، ففتحت الكتيّب.
كانت المسرحية مقتبسة من الجزء الرومانسي لرواية بعنوان 〈السيدة أنجيلا〉.
التفتت راديس إلى يوفيس.
"هل قرأت الرواية؟"
"أي رواية؟"
" 'السيدة أنجيلا'."
هزّ يوفيس روسيل رأسه بلا مبالاة.
"لا."
"هذه المسرحية مقتبسة منها."
قالت راديس وملامحها توحي بشيءٍ من القلق.
"هذا... لم أقرأ الرواية من قبل، فهل سأفهم القصة عند مشاهدة المسرحية؟"
رفع يوفيس كتفيه.
"لا يهم. الرواية رواية، وهذه مسرحية، أليس كذلك؟ أليستا شيئين منفصلين؟"
"ماذا؟ إنهما مختلفتان! آه، لو أخبرتني مسبقًا لما قرأت الكتاب! لقد عبرنا بوابةً فقط لنشاهد مسرحية، ومع ذلك... عليّ على الأقل أن أقرأ الكتيّب كاملًا."
فردت الكتيّب، ثم نظرت إلى الماركيز روسيل.
"ألا ينبغي لك أن تقرأه أيضًا، يا ماركيز؟"
"إذن اقرئيه لي."
"......"
وقبل أن تبدأ بالقراءة بصوتٍ مسموع، رمقته راديس بنظرةٍ حادة.
"في قرية دولريت، كانت تعيش فتاة تُدعى أنجيلا، وكانت تملك قوةً غامضةً على النار. وكان جميع القرويين يخشونها ويظنون أنها ساحرة."
وعندما قرأت كلمة 'النار'، ارتجفت راديس.
لكنها مجرد حبكة رواية.
فواصلت القراءة.
"لقد سمع الأمير الوسيم كريستيان، والفارس القوي فيرنو، والحكيم العاقل لومينوس جميعهم الشائعات عن أنجيلا، فجاؤوا لرؤيتها. وكان لقاؤهم تمهيدًا للمغامرة العظيمة التي تنتظرهم."
وبينما كانت راديس تقرأ ملخص الرواية في الكتيّب، كان يوفيس منشغلًا بتفحّص الردهة من حوله، كأنه لا يُصغي إليها.
"وخلال مغامرتهم الغامرة بالأسرار، تنشأ مشاعر متبادلة بين أنجيلا والأمير كريستيان. وفي الأثناء، يُخفي فيرنو مشاعره تجاهها، ويكتفي بالمراقبة من بعيد. ترى، إلى أين ستقودهم رحلتهم؟"
كان هذا هو كامل الملخص الوارد في الكتيّب.
سألت راديس.
"إذًا، هل سيصبحان حبيبين؟"
وعند سؤالها، نظر يوفيس إلى راديس.
"ماذا؟ من تقصدين؟"
"أنجيلا وكريستيان؟"
"ومن هذان؟"
رفعت راديس الكتيّب في وجهه.
ضيّق يوفيس عينيه.
"ما هذا، أكنتِ تتحدثين عن المسرحية؟"
"بالطبع عن المسرحية. أنت من طلب مني أن أقرأ هذا بصوتٍ عالٍ."
"هناك أمر يزعجني..."
كانت راديس قد قرأت كل شيء بصوتٍ مسموع. وكادت أن تنقر لسانها ضيقًا، لأنه لم يُصغِ إلى شيء مما قالت.
لكنها تماسكت.
فيوفيس رئيس عملها، فضلًا عن كونه منقذها الذي أتاح لها مشاهدة المسرحية اليوم.
ولمّا رأت بعض الناس يتجهون إلى الداخل، قالت.
"ألا ينبغي لنا أن نذهب؟ الجميع يدخلون."
وقفت، وتقدّمت تمسك بالكتيّبين بعناية.
تبعها يوفيس روسيل على مضض.
كان داخل المسرح فخمًا واسعًا.
الستائر الحمراء التي تغطي الخشبة كانت مطرّزة بنقوش ورودٍ ذهبية، وكانت مقاعد الطابق الأول قد امتلأت بالفعل.
وعلى الجدران المحيطة، امتدت مقصورات على شكل حدوة حصان. وكانت تلك الشرفات مخصصة للنبلاء رفيعي المقام.
قادها أحد المرشدين إلى إحدى تلك المقصورات.
وقفت راديس خلف درابزين الشرفة، وألقت نظرة على المسرح. كان يعجّ بالناس الذين يضجون بالحماس والترقب للمسرحية.
وبدا أن مقاعد الطابق الأول مخصصة في الغالب لأقارب الممثلين وأصدقائهم. وإلى جانبهم، كان هناك عدد ملحوظ من مجموعات النساء في الجمهور.
كنّ يتبادلن الأحاديث بحماس عن أحداث الرواية.
وأثناء تأملها للحاضرين المتحمسين، خطر لراديس خاطر.
'لقد شعرت بهذا منذ وصولنا إلى دفيرات... هذه المدينة أشبه بمدينةٍ من حلم. الجميع يبدون سعداء للغاية.'
وفجأة، صاح أحدهم.
"آه، يبدو أن المسرحية على وشك أن تبدأ!"
انفرجت الستائر الحمراء من المنتصف، وبدأت ترتفع كاشفةً عن الخشبة.
***
وقبيل بدء العرض—
استقبل مسرح الوردة الذهبية ضيفًا رفيع المقام لم يكن في الحسبان.
إنها أدريان أربند، إمبراطورة البلاد.
وفي اللحظة التي وصلت فيها العربة الإمبراطورية، اندفع مدير المسرح هابطًا الدرج، كأنه على وشك أن يتدحرج منه في أية لحظة، ولم يتمكن حتى من تثبيت قبعته على رأسه، إذ كان عليه أن يستقبل الإمبراطورة على الفور.
"جلالتكِ! يا له من شرف عظيم أن تتفضلي بالحضور!"
نظرت أدريان أربند إلى المسرح بعينين مائلتين قليلًا، مبتسمةً ابتسامة رصينة.
"إن المسرح جميل حقًا."
قالت ذلك بينما كان المدير يقبّل ظاهر يدها.
"لقد سمعت أن المسرحية هنا ممتعة للغاية، فجئت خصيصًا لمشاهدتها. جئت متخفيةً، إذ إنني هنا لمجرد الاستمتاع. أليس من حقي أن أنعم بأيامٍ مريحة كهذه أحيانًا؟"
"بلى، جلالتكِ، صدقتِ كل الصدق. إن مسرح الوردة الذهبية وُجد ليمنح ضيوفنا الكرام أحلامًا جميلة!"
"أوه هو هو! أحلام جميلة؟ ما أرقّ هذا التعبير. ألا توافقني الرأي، ايها الأمير أوليفير؟"
وقف خلفها أوليفير، الأمير الثالث للبلاد، فأومأ برأسه.
وفي ذلك اليوم، بدا كأنه تمثال مصنوع من البلور.
كان يرتدي بدلة زرقاء داكنة مطرزة بنقوش طاووسٍ أزرق، وهو شعار العائلة الإمبراطورية أربند، وقد انسجمت انسجامًا بديعًا مع شعره الفضي.
وبفضل الألوان الزاهية لملابسه وتسريحته المتقنة، ازدادت ملامحه المثالية، التي تشبه المنحوتات، بروزًا ووضوحًا.
"أوافقكِ الرأي، جلالتكِ."
غير أن نبرته، وهو يقول ذلك، بدت وكأنها بعيدة كل البعد عن تلك الأحلام الرقيقة.
كان أشبه بدمية خزفية باردة، تتحرك فكّاها حركة آلية.
وعند رؤيته، ارتسمت على شفتي أدريان ابتسامة رضا.
"حسنًا إذن، أيمكنني أن أطلب من دميتي اللطيفة أن ترافقني؟"
وكأنهما لوحة فنية، رافق أوليفير الإمبراطورة بأدبٍ جم.
ولم يكن وصفه بـ'الدمية' يبدو مزاحًا عابرًا.
وضعت الإمبراطورة يدها على ذراعه، وصعدا معًا درج المسرح. وكان حقًا يبدو كدمية ميكانيكية.
ومع كل حركةٍ من مفاصله، خُيّل للناظر أن شظايا من الجليد تتساقط. حتى إن مدير المسرح اضطر إلى فرك عينيه مرارًا.
وهو يراقب ابتعاد الإمبراطورة والأمير الثالث، تمتم مدير المسرح لنفسه.
"يُشاع أن الأمير الثالث أشبه بدمية من جليد ويبدو أن تلك الشائعات صحيحة."
—يتبع.
(\ (\
(„• ֊ •„) ♡
━O━O━
– تَـرجّمـة٠ شاد.
~~~~~~
End of the chapter