استمتعوا
جلست الإمبراطورة أدريان في مقعد العائلة الإمبراطورية، متكئةً براحة على الكرسي ذي المسند العالي، ثم فتحت شفتيها لتتحدث.
"يا لها من مسرحية مبتذلة، وفوق ذلك مبنية على رواية رومانسية أو ما شابه. ستلقى رواجًا لوهلة ثم تتلاشى. ألا توافقني الرأي، يا أوليفير؟"
أومأ أوليفير برأسه، وكان جالسًا بأناقة على مقعدٍ صغير، وقد عقد ساقيه.
"جلالتكِ على حق."
وعند إجابته، ابتسمت الإمبراطورة ابتسامة خفيفة.
'يا له من كائن لطيف.'
بحسب ما تعلم، كانت هذه هي المرة الثانية التي يشاهد فيها أوليفير مسرحية.
وفوق ذلك، كانت تعلم أنه يقرأ الرواية الرومانسية الأصلية كثيرًا.
وكانت تلك هوايةً لطيفة للغاية لرجلٍ بلغ سن الرشد.
'لا بد أنه يفعل ذلك كي لا ينال سخطي. ما أظرف هذه الدمية. حقًا.'
كانت الشائعات تعجّ بشأن ابن الإمبراطورة السابقة زيرتين، الأمير الثالث أوليفير، والإمبراطورة الحالية أدريان.
لكن أدريان لم تكن تكترث بمثل تلك الأقاويل.
فبالنسبة لها، لم يكن يهم سوى الحقيقة.
والحقيقة كانت أن أوليفير يتبعها ككلبٍ وفيّ.
'طفلٌ بائس.'
لقد فقد أوليفير أمه لحظة ولادته.
ولذا، فقد كان أوليفير البائس مكروهًا بشدة من قِبل والده الإمبراطور.
'لا أصدق أنك بلا أمٍ ولا أب. إنها حياة لا أود حتى تخيّلها.'
وفي تلك الحياة التي لا تُتصوَّر، جُرح أوليفير جراحًا عميقة، وتحطّم تمامًا.
وقبل أن تواجهه للمرة الأولى، ظنّت أدريان أن أوليفير قد يصبح خصمًا سياسيًا لابنها، تشارلز، ولي عهد هذه الإمبراطورية.
لكن الأمر لم يكن كذلك.
فقد نشأ بلا أمٍ ولا أب، بلا أدنى مودة من خدم القصر الإمبراطوري البارد، حتى غدا مجرد قشرةٍ فارغة بلا مشاعر.
وكان من اليسير جدًا أن تمنحه بعض فتات العاطفة، فتجعله ملكًا لها.
"ولكن بما أننا جئنا إلى هنا، فلنستمتع بالأمر. لا بد أن هناك سببًا يجعل جميع السيدات يقلن إنه ممتع للغاية."
وعند سماع كلماتها، أدار أوليفير رأسه ونظر إلى المسرح.
ابتسمت أدريان وهي تراقبه.
كان أوليفير وفيًا لتشارلز كما هو وفيّ لها.
ولو أن ابن الإمبراطورة السابقة، أوليفير، ظل يدعم تشارلز كما يفعل الآن، فإن مكانة تشارلز ستزداد رسوخًا.
'لدينا 'ذلك' أيضًا، ويكفينا، ولكن... كلما كثرت الأوراق، كان أفضل.'
انفتحت ستائر المسرح، وسرعان ما ظهر الممثلون.
نظرت أدريان إلى الخشبة، وعلى شفتيها ابتسامة إمبراطورية وادعة ومشرقة.
غير أن تلك الابتسامة لم تدم طويلًا.
***
بعينين خاليتين من المشاعر، كان أوليفير يراقب أدريان.
لم تكن أدريان حمقاء.
فبحلول منتصف العرض، لم تعد قادرة على الحفاظ على تلك الابتسامة.
لا بد أنها أدركت مغزى هذه المسرحية.
وكان ذلك جزءًا من خطته.
'هذه مجرد البداية.'
لن يلحظ أحد شيئًا.
فكل شيء كان يتحرك تحت سطحٍ يبدو هادئًا.
وكان قناعه، الذي يقف خلف حركة كل تلك الخيوط، كاملًا لا عيب فيه تمامًا كخطته المحكمة.
كان ينظر إلى المسرح بلا اكتراث، لكن بصره توقّف فجأة عند موضعٍ بعينه.
ذلك الشعر الأحمر المتوهّج كاللهب شدّ انتباهه على الفور.
"......!"
إنها هي.
كانت ملابسها مختلفة تمامًا، لكنه تعرّف إليها من نظرةٍ واحدة.
المرأة التي التقاها في مأدبة عيد ميلاده التاسع عشر في قصر الماركيز روسيل.
كانت جالسة، متكئة على درابزين المقصورة، في شرفةٍ تقع أسفل مقاعد العائلة الإمبراطورية بشكلٍ مائل.
'كيف؟'
لكن سرعان ما جاءه الجواب.
ذلك الرجل خلفها، وقد عقد ساقيه، غارقًا في مقعده دون أدنى محاولة لإخفاء ملله لم يكن سوى الماركيز روسيل.
'أهذا إذن ذوق سموّك؟'
تردّد في أذني أوليفير صوت يوفيس روسيل، العذب على نحوٍ غريب.
'هل كشفني ذلك الرجل؟ لا بد أنني كنت مهملًا أكثر مما ينبغي لأنني كنت خارج العاصمة.'
وقد استاء أوليفير من انكشاف أمره أمام الماركيز روسيل، فأدار نظره عنه.
ثم تجمّد.
لم يكن أمامه خيارٌ سوى ذلك.
لأنها... تبتسم.
في اللحظة التي رأى فيها ابتسامتها، شعر بشيءٍ أشبه بنسيمٍ أو موجةٍ اجتاحت كل ما في داخله.
اختفت أصوات الممثلين، والجمهور الذي يملأ المسرح، وحتى الإمبراطورة خلفه.
تلاشى الجميع.
ولم يبقَ سوى هي.
بشعرٍ أحمر قانٍ، كأن من يلمسه يكتسب لونه، وبشرةٍ شاحبة تنافس ضوء القمر، وخدّين يوردهما الخجل كأنهما وردتان.
وبابتسامةٍ مشرقة لا تعرف التردد.
'كيف...'
وبتعبيرٍ متجمّد لم يكن بحاجةٍ إلى اصطناعه، حدّق أوليفير فيها بإمعان.
'أيمكنكِ أن تبتسمي هكذا أيضًا؟'
في ليلة المأدبة، كان لقاؤهما ثمرة سلسلةٍ من المصادفات المتداخلة.
حين أعلن مرافق الماركيز روسيل وصول عائلة تيلرود، التفت لا إراديًا نحو المدخل.
كان ذلك بدافع اهتمامه الشخصي بأسلاف عائلة تيلرود فحسب.
في العادة، كان سيصرف نظره بعد نظرةٍ عابرة، غير أن الهيئة الغريبة لعائلة تيلرود استرعت انتباهه.
فقد كانت السيدة تيلرود وابنتها الصغرى ترتديان ما يليق بالمناسبة، أما الابنة الكبرى فلم تكن كذلك.
وفوق ذلك، ما إن دخلت قاعة المأدبة حتى غدت كأنها جدارٌ صامت.
وفي خضم سيلٍ من الحضور المتلألئين بالألوان، بدت كزهرةٍ ذابلةٍ بائسة، جرفها التيار وابتلعها.
ربما لهذا السبب.
حين اتجهت نحو الحديقة، رآها تسقط. حاولت أن تنهض بمفردها دون عونٍ من أحد، وعندها لم يستطع أوليفير أن يتجاهل الأمر.
من دون حاجةٍ إلى تفسير، كانت عيناها وحدهما ما جذبه إليها.
كانت تتألم.
بل بدا كأنها توشك على البكاء.
لقد كان يعرف ذلك التعبير جيدًا.
كانت الوحوش تحيط به، أنيابها موجّهة إلى عنقه. وفي اللحظة التي يُظهر فيها ضعفه، كانت لُحمة حلقه الرخوة ستُمزّق، ويتفجّر الدم من شرايينه. لذا كان يعرف ذلك الوجه، ويعلم استحالة أن ترتخي الشفاه المطبقة.
في تلك اللحظة، كانت كمرآةٍ أمامه.
ولوهلةٍ قصيرة، سمحت له بأن يخلع قناع التظاهر.
والآن، ومع اقتراب كل شيءٍ من البدء، ظهرت أمامه مجددًا... مبتسمةً بتلك الإشراقة.
لعل مشهدًا طريفًا كان يُعرض.
فضحكت بصوتٍ عالٍ.
وحين ضحكت بتلك الصدق، انكمشت عيناها، وبسطت يديها لتغطي بهما وجهها.
وكان يرى إبهامها يضغط على خدها وهي تواصل الضحك.
ثم بدا أن تطورًا جديدًا قد طرأ سريعًا. فتنهدت بخفة.
وربما بدت حتى غاضبة.
في تلك اللحظة، وهو يراقبها، كان يرى كل شيءٍ عنها.
كانت مفعمة بالحياة، كزهرةٍ حمراء تتفتح تحت شمس منتصف الصيف.
عيناها، ابتسامتها، حركاتها.
كل ذلك كان نابضًا بالحياة إلى حدٍ اضطرّه إلى إغماض عينيه.
وعندما فتح أوليفير عينيه مجددًا، رأى يوفيس روسيل، الذي يشبه الغراب، إلى جانبها.
همست له بشيء، فأومأ لها ببرود.
وعندما رأى أوليفير ذلك، اجتاحه شعورٌ رهيب بالعجز من حيث لا يدري.
لم يكن يعلم السبب حقًا.
عادت فاتكأت على الدرابزين، وركّزت على المسرحية، وفي تلك اللحظة رفع الماركيز روسيل بصره.
وفي الفراغ بينهما، التقت نظرات أوليفير ويوفيس.
ابتسم يوفيس روسيل ابتسامةً ماكرة.
ابتسم كأنه رأى كل شيء، وقرأ ما في ذهنه كله.
أجابه أوليفير بنظرةٍ جامدة.
ومع ذلك، كان عليه أن يعترف.
إذ إن يوفيس روسيل، وقد أدرك مشاعره قبل أن يدركها هو نفسه، باغته، وحطّم الجدران الفولاذية التي شيّدها حول ذاته.
رفع أوليفير سبابته بهدوء، ووضعها على شفتيه.
فأومأ يوفيس روسيل عند رؤيته ذلك.
ومن دون أن تُنطق كلمة بينهما، تمّت صفقة.
***
"كانت مبتذلة كما توقعت. لا تستحق المشاهدة أكثر من ذلك على الإطلاق."
ومع دخول المسرحية نصفها الثاني، نهضت الإمبراطورة أدريان من مقعدها.
ورغم قولها إنها لا تستحق المشاهدة، إلا أن عينيها المحمرّتين دلّتا على أنها بذلت جهدًا كبيرًا في متابعتها بانتباه.
وقف أوليفير بدوره، متبعًا الإمبراطورة.
كانت الإمبراطورة قد أدركت بالفعل المعنى الكامن خلف المسرحية.
وقد تحقق هدف أوليفير.
بل وكانت النتائج مُرضية.
'وأيضًا...'
وبينما دخلت الإمبراطورة إلى الصالة للحظات، كتب أوليفير مذكرة وسلّمها إلى مساعده، جويل.
"سلّم هذا إلى الماركيز روسيل."
غادر جويل فورًا.
وبعد ذلك مباشرة، عادت الإمبراطورة. بدت هادئة إلى حدٍ ما.
غير أن قناعها لم يكن متماسكًا تمامًا.
وأثناء مرافقة أوليفير لها، كان ذهن الإمبراطورة مثقلًا بأفكارٍ معقدة، وهي تنظر حولها، تعضّ شفتيها بإصرار.
"جلالتكِ."
وعند ندائه، اتسعت عينا أدريان وهي تلتفت نحوه.
"هل تشعرين بعدم الارتياح؟"
تجعد جبين أدريان قليلًا.
غير أن عينيها الزرقاوين لم تريا فيه شيئًا يختلف عن هيئته المعتادة.
"...آه، إنما هو الإرهاق فحسب."
أجبرت أدريان نفسها على الابتسام.
أومأ أوليفير برأسه.
"إذًا، لنعد إلى القصر الإمبراطوري."
"حسنًا، لنفعل."
غرقت أدريان مجددًا في أفكارها.
ألقى أوليفير نظرة خلف صف المرافقين ليتأكد من وجود جويل. وحين رآه، أمره بالاستعداد للعودة إلى القصر.
—يتبع.
(\ (\
(„• ֊ •„) ♡
━O━O━
– تَـرجّمـة٠ شاد.
~~~~~~
End of the chapter