استمتعوا
المسرحية، المُقتبسة من فصلٍ من الرواية الأصلية 〈السيدة أنجيلا〉، حملت عنوان 〈السيدة أنجيلا ورجلان〉، وقد قُدِّمت على هيئة مهزلة.
في مستهل العرض، كان الحب بين السيدة أنجيلا والأمير كريستيان هو المحور الرئيسي.
أما راديس، التي لم تكن تعرف محتوى العمل الأصلي، فقد سحرتها العذوبة في أداء الممثلين الرئيسيين، ووقعت في حب تمثيلهما.
غير أنه، مع ظهور شخصيةٍ جديدة تُدعى لاميا، طرأ تحولٌ في نبرة المسرحية.
فلاميا، التي تعشق كريستيان، أخذت تُضايق أنجيلا مرارًا، وتُعطّل مغامرات المجموعة.
واصلت راديس المشاهدة.
وبصراحة، كانت منزعجة من لاميا، غير أن مثل هذه العقبات غالبًا ما توجد في كل قصة.
غير أن الحقيقة القاسية، التي لم تكن أنجيلا ولا راديس تعلمانها، سرعان ما كُشفت.
وهي أن كريستيان ولاميا كانا مخطوبين.
"ماذااا؟!"
غضبت راديس حقًا، غضبًا صادقًا لا ريب فيه.
وأطلقت زفرةً طويلة مبالغًا فيها، محاولةً تهدئة الغليان في صدرها.
"ما الأمر؟"
أما يوفيس، فقد كان بالكاد يكبح ملله خلفها، فسألها عمّا بها.
لم تعد راديس تحتمل، فجذبت يوفيس المترنّح إلى الأمام.
"كريستيان، ذلك الوغد الحقير! إن كان لديه خطيبة منذ البداية، فلماذا كان يلاحق أنجيلا بتلك الحماسة؟"
"الأبطال في الأصل شهوانيون كهذا..."
"البطلة هي أنجيلا، لا كريستيان."
"ومع ذلك، فهي مرتبطة بفيرنو. من حزنه في أغنيته لأجلها، أظن أن فيرنو صادقٌ في حبها."
"صحيح. فيرنو أفضل بكثييير من كريستيان. وبشأن لاميا، كنت أتساءل ما مشكلتها مع أنجيلا حين كانت تزعجها، لكن يبدو أنها تستحق ذلك. لقد رأت خطيبها يتودد لغيرها إذا بلغ الأمر هذا الحد، فهي كانت لطيفة أكثر مما ينبغي."
"لطيفة؟ ألم تري كم أزعجتهما؟"
تظاهرت راديس بتحطيم شيءٍ بكلتا يديها.
فاكتفى يوفيس بهز رأسه.
"لا أعلم من قد يرغب في امرأةٍ مثلك."
"لا حاجة لك بالقلق بشأن ذلك، أيها الماركيز."
ثم عادت راديس تركّز على المسرحية.
خلفها، التقى يوفيس بنظرات أوليفير بلهفة، لكن راديس لم تلاحظ ذلك.
إذ كانت المسرحية قد بلغت ذروتها.
فأنجيلا، بعدما أدركت خيانة كريستيان، سقطت في يأسٍ عميق.
كان حبها نقيًا بلا حدود، ولذلك كان اليأس الناتج أعمق وأشد ظلمة.
وكانت ذروة العرض حين تحوّلت نيران أنجيلا الحمراء إلى السواد.
أما سيفها الأحمر، الذي طالما شقّت به أعداءها بلا تردد، فقد اسودّ بالكامل.
تجمّدت أنجيلا في مكانها، كأنها صارت حجرًا.
وخرجت الجنيات السوداء، يرقصن حولها في دوائر، حتى انهارت أخيرًا.
تعالت صرخات الحزن من أرجاء الجمهور.
وفي تلك اللحظة—
"أنجيلا!"
ظهر فيرنو. رفع أنجيلا وضمّها إلى صدره.
بدت أنجيلا بين ذراعيه كأنها قد فارقت الحياة، فأخذ ينشد أغنيةً حزينة، مرثيةً مفعمة بالحب.
"هيييك...!"
ومع أغنية فيرنو، انفجرت راديس بالبكاء.
نفخت أنفها في منديل، وانهمرت دموعها بغزارة.
لقد أعاد حب فيرنو الصادق لأنجيلا فتح عينيها من جديد.
وانحسرت الظلمة، وقفزت الجنيات الحمراء إلى الخشبة، يرقصن بحماسة.
"أوه!"
ارتعبت راديس.
فالحكيم لومينوس كان يهبط من السماء!
أو بالأحرى، كان معلقًا بحبلٍ من السقف وينزل ببطء، ولكن—
"آه، إن الحب النقي قد أنقذ هذا العالم!"
ومع هبوط الحكيم لومينوس من السماء، أطلق جمهور الطابق الأرضي صيحات الدهشة.
"وكما أنه قضاء، فهو قدر!"
أعلن لومينوس ذلك بصوتٍ عميقٍ جهوري، وهو يلوّح بأكمامه البيضاء الطويلة بقوة لعلّ ذلك بسبب صعوبة الحفاظ على توازنه في الهواء.
ثم صعد جميع الممثلين إلى الخشبة، ورقصوا رقصةً جميلة، وهكذا انتهت المسرحية.
صفّقت راديس مع الآخرين.
حتى شعرت بالخدر في راحتيها.
"راديس."
وحين أمسك يوفيس كتفها، ارتدّ قليلًا.
كانت راديس تبكي بشدة، وأنفها يسيل.
"أيها الماركيز!"
قالت، والدموع تنهمر على خديها.
"شكرًا جزيلًا لأنك أحضرتني إلى هنا...! لن أنسى لطفك ما حييت!"
كانت تلك أول مرة في حياة راديس تتأثر إلى حد البكاء.
وكما هو حال الماركيز، كانت المسرحية مهيبة.
ارتبك يوفيس.
"لماذا تبكين؟ هل كانت حزينة إلى هذا الحد؟"
"لست أبكي حزنًا، بل تأثرًا!"
"يا إلهي، تفضّلي..."
ابتسم يوفيس وهو يُخرج منديلًا.
ثم أمسك بذقن راديس، ومسح عينيها وأنفها برفقٍ بذلك المنديل الناعم.
"أكان ممتعًا إلى هذا الحد؟"
وما تزال ذقنها بين يده، أومأت راديس مرارًا.
شعرت كأنها قد انزلقت إلى حلمٍ رائع.
لم تتح لها فرصة الشعور بهذا من قبل.
وأدركت أن هذا ربما هو السبب الذي يجعل حتى ديفيد الكسول يأتي إلى المسرح متنكرًا.
ابتسم يوفيس وتركها.
ثم وضع ظرفًا في يدها.
سألته راديس وهي تشهق.
"ما هذا؟"
"افتحيه، يا عتبتي المدهشه."
أخرجت راديس ورقةً من داخل الظرف.
كان محتواها قصيرًا.
[ في المرة القادمة التي نلتقي فيها، هل يمكنكِ أن تبتسمي لي أيضًا؟ —O.A. ]
رفعت راديس عينيها المتورمتين نحو يوفيس، الذي كان يبتسم ابتسامة عريضة وهو يرفع إبهامه.
"ما... هذا؟"
"أحسنتِ صُنعًا، راديس!"
"بِمَ...؟ صاحبُ السمو... هنا؟"
"كان هنا، لكنه غادر بالفعل."
وأشار يوفيس إلى الأعلى.
على بُعد أمتارٍ قليلة، استطاعت راديس أن ترى شرفةً متألقة، مزخرفة على نحوٍ استثنائي.
وكانت الستائر قد أُسدلت الآن، كأنما لا ينبغي لأحدٍ أن يعرف ما بداخلها.
وفي تلك اللحظة، تغيّر تعبير راديس.
دهشة. صدمة. غضب.
والآن، قبضت راديس على إبهام يوفيس روسيل المرفوع، وضغطت عليه بقوة.
"كنتُ أشعر أن في الأمر شيئًا غريبًا. هل جئتَ بي إلى هنا من أجل هذا فحسب؟"
المسرحية، وقلادة الجمشت، وهذا المقعد في الشرفة!
"آخ!"
كل هذا كان من تدبير يوفيس روسيل، الذي يرتدي السواد ظاهرًا، ويضمر الشرّ باطنًا.
وهي تهز إبهامه بلا رحمة، صاحت راديس.
"حسنًا، أنا أعلم ذلك أصلًا. كنتُ أعلم منذ البداية أنك تستعملني فحسب. لكن ألم يكن بوسعك أن تُنبهني مسبقًا على الأقل؟!"
"ر، راديس، يؤلمني!"
ومع ارتفاع الضوضاء في الشرفة، ألقى أحد المرشدين نظرةً إلى الداخل.
لكن، بعدما استوعب الموقف، انسحب مبتسمًا في رضا.
إذ بدا، ظاهريًا، أن الماركيز روسيل الطويل وراديس اللطيفة قريبان جدًا من بعضهما، وكأنهما يتشاجران وهما ممسكان بأيدي بعضهما.
غير أن يوفيس روسيل كان يتألم حقًا، ألمًا صادقًا لا ريب فيه.
"آه... آه، يؤلم، يؤلم! ر، راديس؟ إنّه... يؤلم حقًا! ألا يمكنكِ أن تتركيه؟"
وبعينين ضيقتين، نظرت راديس إلى الإبهام المتورم.
'هذا... هل أكسره؟'
وحين رأى تعبيرها يتبدل فجأةً إلى شيءٍ غريب، تراجع يوفيس روسيل.
"أنـ، أنا آسف! لقد تماديت، أليس كذلك؟ فـ، فقط... أرجوكِ، اتركيه أولًا، ثم لنتحدث...!"
حدّقت راديس فيه بنظرةٍ مرعبة.
لكنها سرعان ما أطلقت يده مع زفرة.
فهو رئيس عملها، وفوق ذلك ماركيز، وقد اصطحبها حتى لمشاهدة مسرحية اليوم.
"إصبعي...!"
هتف يوفيس روسيل وهو ينظر إلى إبهامه المحمر.
"راديس... أنتِ، لماذا أنتِ قوية إلى هذا الحد؟"
وهي تزفر هواءً حارًا من أنفها، غادرت الشرفة بخطواتٍ غاضبة، ممسكةً برسالة الأمير أوليفير وكتيّب المسرحية.
'لو كنتُ جادة، لما كنتَ واقفًا هناك الآن، أيها الماركيز!'
راقب يوفيس ظهر راديس وهي تبتعد.
"يا للعجب، كيف يمكن لامرأة أن تكون هكذا؟ مع مرور الوقت، أعجز حقًا عن فهم ذوق ذلك الأمير."
كان الألم في إبهامه يكاد يقتله، ومع ذلك كان في مزاجٍ حسن.
رفع إبهامه المؤلم، وابتسم ابتسامة عريضة.
"ههه... ههههه، هاهاهاها!"
خلال السنوات القليلة الماضية، كم من الجهد بذله للاقتراب من الأمير أوليفير!
وبحسب تقدير يوفيس روسيل، فإن الشخص الذي سيعتلي العرش خلفًا للإمبراطور الحالي كلود أربند لن يكون سوى الأمير الثالث أوليفير.
ولا ريب أن الإمبراطور الحالي لم يكن حاكمًا كفؤًا.
وكان من الواضح أنه إن تولّى الأمير الأول تشارلز الحكم، فإن الإمبراطورية بأسرها ستقع في يد الإمبراطورة أدريان ووالدها دوق ليبيلوا، إلى جانب فصيل إيزياد الذي يتمحور نفوذه حول الدوق.
وكان الإمبراطور يعلم هذه الحقيقة أيضًا، ولذلك لم يُعيّن الأمير الأول تشارلز وليًا للعهد حتى الآن.
أما الأمير الثاني غابريل، فكان محبوبًا بين عامة الشعب. غير أن كون والدته البيولوجية ميرينا من عامة الناس كان عائقًا أمام اعتلائه العرش.
ثم يأتي الأمير الثالث، أوليفير أربند.
وبالمقارنة مع تشارلز، الذي يثير المتاعب دائمًا، وغابريل، الذي يحظى بشعبية بين الناس، فإن الأمير الثالث أوليفير لم يحظَ باهتمام يُذكر.
غير أن قدراته كانت تفوق الجميع. وإلى جانب ذلك، فإن والدته، الإمبراطورة السابقة زيرتين، تنحدر من أسرة بيليتير، إحدى أكثر العائلات ثراءً في الإمبراطورية.
وفوق ذلك، كان أوليفير الأكثر شعبية بين النبلاء، بفضل مظهره الجميل الشبيه بالدمى، وسلوكه الذي يبدو غريب الأطوار.
وكان من المعروف أيضًا أن أدريان نفسها، التي أطاحت بزيرتين وأصبحت الإمبراطورة الحالية، كانت تُفضّله.
'ولعل ذلك لأن الأمير الثالث لم يكشف عن طبيعته الحقيقية بعد.'
كان يوفيس على يقين بأن لأوليفير وجهًا آخر.
فلماذا، إذًا، يحتاج إلى ارتداء ذلك القناع الجليدي الصلب؟
إن الأقنعة تُرتدى لإخفاء الوجوه.
وبالطبع، لم يكن بوسع يوفيس أن يدعم أوليفير علنًا في الوقت الراهن.
غير أنه إن استطاع أن يجد سبيلًا للتقرّب منه مسبقًا، فحين يأتي الوقت الذي يحتاج فيه أوليفير إلى القوة، فلا بد أنه سيسعى إلى الماركيز روسيل.
وعندئذٍ، سيغدو هو الشخص الذي يحتاجه الأمير. ولن يبقى الماركيز روسيل مجرد ماركيز.
'ستتحول ماركيزية روسيل إلى دوقية روسيل...!'
وتحت خصلات شعره الداكنة التي تُظلّل وجهه، اشتعلت عينا يوفيس روسيل بطموحٍ متّقد.
—يتبع.
(\ (\
(„• ֊ •„) ♡
━O━O━
– تَـرجّمـة٠ شاد.
~~~~~~
End of the chapter