استمتعوا

"بواهاهاها، أيتها الشقيّة التعيسة! لقد أصبحتِ الآن طعامًا للوحوش!"

لكن لوك ارتعب وصاح معترضًا.

"غـ، غوروز...! ومأ دلك، فهي فداه...!"

(غـ، غوروز...! ومع ذلك، فهي فتاة...!)

"أتظن أن ذلك يهمني؟! لا يُفتح الباب إلا من هذه الجهة. كههههه!"

مدّت راديس يدها بسرعة، غير أن الباب الحجري كان قد أُغلق بإحكام.

"ها...؟"

إذ شعرت بوخزٍ عند مؤخرة رأسها، تراجعت خطوة ونظرت إلى الأعلى نحو الباب المُحكم الإغلاق.

بدا الباب الحجري المغلق كجدارٍ هائل.

كانت تغطيه طبقة من طحالب لزجة سامة مائلة إلى البني الرمادي، وتدلّت عليه كذلك كُرومٌ ملتفّة.

ولمن لا يعلم بوجود بابٍ في هذا الموضع، بدا وكأنه جدارٌ صخري فحسب.

"هؤلاء الأوغاد، حقًّا؟"

وقد صرّت على أسنانها، فسحبت راديس السيف الصدئ من خصرها وأمسكته بإحكام.

حاولت أن تُدخل نصل السيف في شقوق الباب الحجري، لكن ذلك كان مستحيلًا.

كان الباب محكم الإغلاق بإتقان، وقد انطبقت فجواته كأنها صَدَفة.

وفي المقابل، كان سيفها الحديدي مغطّى أيضًا بطبقة كثيفة من الصدأ الأسود.

حاولت مرارًا، غير أن راديس اضطرت في النهاية إلى العدول عن فتح الباب.

فضربت الجدار الحجري بسيفها.

لكنّه لم يتحرّك قيد أنملة.

"ها!"

لمست راديس الموضع الذي تقشّرت منه الطحالب بفعل ضربات السيف الحديدي.

ثم حاولت دفع الباب الحجري بطاقة المانا التي غلّفت أطراف أصابعها، لكنه لم يتحرّك كما أرادت.

كان الأمر أشبه بمحاولة دفع الأرض نفسها.

"هذا ليس إي حجر عادي، أليس كذلك؟"

ومع أنها لم تعرف هويته الدقيقة، فإن الباب الحجري كان بدوره أثرًا من آثار الأطلال السحرية القديمة هنا.

ولعلّ هذا هو السبب في عجزها عن تحطيمه كما تفعل مع الحجارة العادية.

وبينما كانت تحدّق في الجدار بملامح مترددة، لمحَت راديس شيئًا فجأة.

"ما هذا؟"

رأت أخدودًا عميقًا حيث تقشّرت الطحالب.

تأمّلته بوجهٍ متجهّم، وحاولت فحصه، لكنها فزعت من زئيرٍ بعيد.

"آه، حقًّا..."

مزّقت قطعةً من قميصها وغطّت بها أنفها وفمها.

ثم أمسكت السيف الصدئ بإحكام، مستعدةً لمواجهة أيّ شيء قد يظهر فجأة.

'يا له من مكانٍ فظيع.'

تنهدت راديس في سرّها.

كانت معظم مناطق غابة الوحوش أماكن سيئة، لكن بما أن الوحوش كائنات حيّة في الأصل، ظلت الغابة صالحةً للعيش إلى حدٍّ ما.

غير أن ذلك لا يشمل المنطقة المحظورة.

وأثناء سيرها وسط الضباب، راحت عينا راديس تمسحان محيطها بلا انقطاع، ومن خلال البياض الكثيف لمحَت ظِلًّا.

توقفت راديس ونظرت إليه.

'شجرة العالم السفلي!'

إنها الشجرة التي تتوسط جميع الوحوش، وجذر أصلها كلّه.

كانت الشجرة، ببياضها الناصع، تبدو شاذةً إلى حدٍّ يجذب انتباه كل من يراها.

وكان جذعها الضخم شيئًا لا يستطيع حتى عشرة بالغين أن يطوّقوه بأذرعهم، مهما بسطوها.

غير أنه، عند التدقيق، كانت جذور رفيعة كثيرة تمتد من أسفل الجذع وتطفو في الهواء لتدعمه.

ومن سمات شجرة العالم السفلي أن جذورها تعوم في الهواء، كما تنمو أشجار المانغروف في الوحل.

'هاه، إنها قوية.'

أخذت عيناها تحترقان من شدّة الهواء المسموم المنبعث من الشجرة.

فعقدت راديس حاجبيها، ووضعت الصندوق على الأرض.

عادةً ما تضع الوحوش بيوضها قرب جذور شجرة العالم السفلي.

وقد يبدو ذلك كأنه تخلٍّ عن البيوض، غير أن بيض الوحوش يزداد قوةً حين يمتص الطاقة من جذور الشجرة بدلًا من دفء أمّه.

ولم تكن تلك صفةً بغيضة.

"ها..."

تحت القماش الذي يغطي شفتيها، أطلقت راديس زفرة.

لم تأتِ إلى هنا بدافعٍ من حسن نيةٍ تجاه الوحوش.

كما قالت، لقد جاءت لتجعل غورز يُقوِّم سلوكه المنحرف.

لكن بدلًا من أن يندم على أفعاله، مضى غورز وفعل النقيض تمامًا.

'وغدٌ حقير.'

لا تزال مؤخرة رأسها تؤلمها.

لكن الغريب أنها، بدل أن تغضب من غورز، شعرت بالشفقة على نفسها لأنها لم تتوقع هذا.

'ما زلتُ مقيّدة بالماضي.'

كان هذا الإدراك كرشقة ماءٍ بارد.

"هذه إشارة إلى أن عليّ الكفّ عن التفكير في الماضي. فلنعتبر أنني طُعِنتُ في الظهر فحسب..."

حثّت راديس نفسها.

قررت أن تترك البيوض على عجل قرب شجرة العالم السفلي، ثم تعود إلى الباب الحجري لتبحث عن وسيلة لفتحه.

'ولكن ماذا لو لم يُفتح الباب أبدًا؟'

قد يُفتح إن أصرّت على تحطيمه، لكن إن انكسر، فقد تتمكن الوحوش من الخروج عبر الممر.

'حينها... سأبحث عن طريقٍ للخروج من هذا المكان بنفسي. لكن كم سيستغرق ذلك من أيام؟'

تنهدت راديس بعمق، ودحرجت بيوض الوحوش التي بحجم القبضة نحو جذور الشجرة على نحوٍ خشن.

وبينما كانت على وشك التقاط البيضة اللامعة،

"......!"

مدّت راديس يدها بسرعة إلى مؤخرة رأسها.

***

"أيُّها النائب!"

صرخ لازلو، وقد تشرّبت كتفاه بالدماء.

"هذا غريب، أين فريق التفتيش؟"

أجابه ثيري، وقد لُفَّ رأسه بضماد، بحدة.

"ألم تدرك بعد؟"

"ماذا؟"

"لقد خُدعنا. هذا... هذا فخ!"

أدار ثيري رأسه نحو تيز.

"تيز، من أين حصلت على الرسالة آنذاك؟"

تمتم تيز بوجه شاحب.

"أعطاني إيّاها تابعٌ من فريق التفتيش. قال إن الفريق قد توجّه بالفعل إلى المنطقة المحرّمة..."

"تابع؟ أيُّ واحد؟"

"اسمه كان... فريد، على ما أظن؟ لا أذكر اسمه جيدًا، لكنه عرّف نفسه على أنه تابعٌ لفريق التفتيش. مهلاً، أتراني أحمق؟ ما إن استلمت الرسالة حتى ذهبت بطبيعة الحال لأتفقّد المساكن المؤقتة التي كان الفريق يقيم فيها، فوجدتها خالية بالفعل!"

ظلّ صامتًا حتى الآن، ثم سأل ميريك.

"ألَعله ألفريد؟ ذلك الفتى الذي قال إنه من منزل رودريك؟"

"......!"

"......"

ما إن ذُكر منزل رودريك، حتى شدّت راديس أسنانها بقوة، فصدر من أضراسها صوت احتكاك خشن.

لم يكن أحدٌ من هؤلاء الرجال يعلم كم تعمّد منزل رودريك التدخّل في كل ما كان يفعله روبرت.

لكن، هل يعقل أنهم بلغوا هذا الحد لمجرد أن روبرت ابنُ محظية؟

إنهم يتصرفون وكأن القوانين لا تنطبق عليهم.

'لا، لا ينبغي أن أقفز إلى الاستنتاجات. عليّ أن أقيّم الوضع كما هو.'

نظرت راديس حولها.

لقد قادت فرقة الإخضاع نحو المنطقة المحرّمة للبحث عن أي أثر لفريق التفتيش الإمبراطوري.

وها هم الآن على مقربة من شجرة العالم السفلي، التي قيل إنها وجهة فريق التفتيش، لكن لم يكن هناك أي أثر لهم.

وقد أُصيب أكثر من نصف أفراد الفرقة بجروح متفاوتة، بين خطيرة وخفيفة، خلال هذه الرحلة.

وفوق ذلك، فإن المنطقة التالية كانت بالفعل قلب المنطقة المحرّمة، حيث تقبع شجرة العالم السفلي.

اتخذت راديس قرارها.

"نُلغي المطاردة. سننسحب!"

ولكن في تلك اللحظة.

فجأة، اندفع جسد لازلو في الهواء.

"آآآخ!"

***

كانت أغصان لا تُحصى تمتد من جذع شجرة العالم السفلي، وتُلقي بظلالٍ كشبكةٍ متشابكة عبر الضباب.

ولذا، لم يكن بالإمكان التحقّق.

كان من المستحيل معرفة ما إذا كانت هناك شبكة عنكبوت حقيقية كامنة داخل تلك الظلال.

'إنه الأمر ذاته كما في ذلك اليوم!'

أمسكت راديس بالخيط العالق خلف عنقها.

اشتعل لهيبٌ ساطع في يدها.

تركّز نظرها أولًا على يدها، ثم رفعت بصرها إلى الأعلى.

فوق رأسها، كان خيطٌ بسماكة إصبع إنسان يهبط من الضباب الأبيض والظلال الشبكية.

بل كان يحترق بسرعة من الموضع الذي أمسكت به.

وبصوت طقطقة، سقط الخيط المقطوع.

وبعينين باردتين، تفحّصت راديس الخيط الذي كان يحترق سريعًا.

لقد أدركت الآن. إنه الخيط ذاته الذي اختطف لازلو.

"أنا حقًا سيّئة الحظ، أليس كذلك؟"

كانت تعني ذلك حقًا.

كيف لها أن تكون بهذا السوء من الحظ؟

كان هناك العديد من الوحوش التي تحرس شجرة العالم السفلي.

جانٌ يستخدمون قوة الأرواح. وقناطير* تطلق السهام بقوة هائلة. وحتى غولم خالد.

*القنطور شكله من فوق انسان ومن تحت جسمه جسم حصان

لكن، أخطرها على الإطلاق كان هذه الأراكني.*

*شكلها من فوق امراه ومن تحت جسمها جسم عنكبوت

رفعت راديس بصرها إلى الأعلى.

وفي ذلك الضباب الخانق، كان هناك ظلٌّ أسود.

"أنت، أنت هي من قـ...!"

ومضت في ذهنها وجوه رفاقها المحتضرين.

في تلك اللحظة، اجتاح راديس غضبٌ لا يمكن كبحه.

لقد ماتت مرةً من قبل، وهذه حياتها الثانية، ومع ذلك كان أمرًا لا يمكنها نسيانه.

كم من الوقت أمضته وهي تعيد في ذهنها أحداث ذلك اليوم، تلوم نفسها بكل ما فيها.

حين لم تلاحظ الفخ، حين ارتجفت من عجزها، حين شاهدت رفاقها يموتون. لقد حمّلت نفسها كل شيء.

بعد أن بدأت حياتها الثانية، كانت تُهوِّن على نفسها بإقناعها أنها الآن راديس ذات الستة عشر عامًا. كانت تردّد لنفسها كما لو كان تعويذة أن ذلك لم يحدث بل لن يحدث أبدًا في المستقبل.

وقد تعمّدت ألا تفكّر فيه مطلقًا.

حتى وصلت إلى هنا، إلى المنطقة المحرّمة.

حتى واجهت الأراكني.

اشتدّت قبضتها على السيف الذي كان مغطّى بالكامل بالصدأ.

لا.

بل أصبح الآن مغطّى بالمانا.

ارتجف السيف المشبع بالمانا خفيفًا في قبضتها.

هوا-راك!

شقّ صوتٌ حادّ الضباب الراكد.

كانت شبكة الأراكني.

بسرعة سهم، وصلابة فولاذ، ومرونة سوط.

وفوق ذلك، كانت لزجة إلى حدّ يستحيل معه نزعها إذا ما التصقت بك.

كم من الناس فقدوا بسبب هذه الشبكة في الماضي...!

'لكن الأمر مختلف الآن!'

وبينما فكّرت بذلك، ضمّت راديس المانا إلى سيفها الصدئ.

وعلى سطح السيف المكسوّ بتكتلات الصدأ، أمكن رؤية شراراتٍ تتناثر بالعين المجردة.

كانت تبثّ المانا فيه بطريقة خشنة، لكن لم يكن هناك خيار آخر.

لقد تعلّمت ذلك من خلال الصراعات التي خاضتها في حياتها السابقة.

النار كانت السلاح الأمثل ضد خيوط العنكبوت.

—يتبع.

(\ (\

(„• ֊ •„) ♡

━O━O━

– تَـرجّمـة٠ شاد.

~~~~~~

End of the chapter

2026/05/07 · 29 مشاهدة · 1377 كلمة
شاد
نادي الروايات - 2026