استمتعوا
بالعوده إلى قصر ماركيز روسيل—
"أين اختفت بحق الجحيم...!"
في غرفة نوم الماركيز.
"راديييييس..."
بعد أن خرج لتوّه من الحمّام، جلس يوفيس روسيل على سريره، لا يستر خصره سوى منشفة.
"هاه... إوزّتي...! أتركتِ الأرض وارتفعتِ إلى السماء أم سافرتِ فوقها؟"
مرّت ثلاثة أيام منذ اختفاء راديس.
كان يعلم أنها كثيرًا ما تخرج ليلًا إلى مكانٍ ما، لكنه لم يأخذ الأمر على محمل الجد، إذ كانت تعود دائمًا قبل بزوغ الفجر.
وعلى الرغم من أن راديس كانت أصغر منه سنًّا، فقد كانت على مشارف البلوغ، ذات هيئة ناضجة ومهارة ظاهرة، ولهذا لم يقلق عليها كثيرًا.
لقد أراد فحسب أن يترك لها فسحةً من الحرية التي نالتها أخيرًا. كان يدرك كم عانت طوال تلك المدة.
لكن المشكلة تكمن هنا. لقد وثق بها، فتركها تمضي بعيدًا أكثر مما ينبغي.
أمر بتفتيش المنطقة المجاورة على الفور. وأرسل رجاله إلى لارينغز. بل حتى جعل من يتحقق إن كانت قد عادت إلى عائلة تيلرود.
لكن لم يظهر لراديس أي أثر.
"رادييس..."
وقد اعتصره الألم وضاق صدره، مرّر يوفيس روسيل يده في خصلات شعره التي كانت تغطي وجهه.
وفي تلك اللحظة.
لمع شيء ببريقٍ ساطع فوق فخذه.
***
"......!"
صُعقت راديس صعقًا بالغًا.
غمرها نورٌ متلألئ، وفي اللحظة التالية وجدت نفسها بين ذراعي رجلٍ وسيمٍ عارٍ.
"آآه!"
كانت راديس مذهولة بما فيه الكفاية، لكن الرجل نفسه بدا وكأنه على وشك الإغماء.
ومع ذلك، فالحقيقة أن هذا الرجل كان بالغ الوسامة.
إن كان وصف 'الوسيم برقة' يليق بأوليفير الرقيق، فإن 'الوسيم بخشونة' هو ما يليق بهذا الرجل.
تحت حاجبيه الداكنين، كانت عينان ذهبيتان حادتان تتلألآن كالجواهر.
"أنتِ...!"
بدأ وجه الرجل يحمرّ.
عندها فقط أدركت راديس أنها تجلس... على فخذ رجلٍ لا يكسوه سوى منشفة.
"أسـ، آسفة!"
حاولت راديس النهوض مسرعة، لكنها تجمّدت حين أدركت بصدمة أن يدها تلامس صدر الرجل العاري الصلب.
ولم تدرِ أين تضع يديها، فلامست صدره العريض أولًا، ثم كتفيه القويين، ثم ساعديه الغليظين، ثم بطنه المشدود، ثم سرّته الدقيقة.
"ر، رادييييس...!"
"......!"
"أين كنتِ؟!"
نادى الرجل الوسيم اسمها بنبرةٍ يائسة، بصوتٍ مطابق لصوت يوفيس روسيل... وامتلأت عيناه الذهبيتان الجميلتان بالدموع... ثم شدّها إليه في عناقٍ محكم.
تحمّلت راديس... وتحمّلت مرّةً أخرى.
تحمّلت حين ظهرت أراكني فوق رأسها، وتحمّلت حين سمعت صوت ذلك الوحش، وتحمّلت حين تحرّك السيف المسكون فجأة من تلقاء نفسه، وقذف بالنار وأثار جلبةً مطالبًا إياها أن تمنحه اسمًا.
لكن، ما إن عانقها هذا الرجل الوسيم شبه العاري، الذي يفوح منه عبيرٌ لطيف، واحتكّ صدره العاري بوجنتها وعنقها...
حتى أُغمي على راديس، لأول مرة في حياتيها كلتيهما.
·
·
·
12. التعافي
"...ما الذي حدث بحق..."
"ظهرت فجأة أمام سعادة اللورد؟"
"ذلك الدم الأسود لا بد أنه دم وحش..."
حين فتحت راديس عينيها، أخذت تتلفّت حولها بحذر.
كانت مغطاة ببطانية سوداء.
كانت الأصوات تأتي من الجانب الآخر من الغرفة. ثم سُمِع صوت إغلاق بابٍ بهدوء، فانقطعت الأصوات عن السمع.
"هاه..."
تحرّكت راديس قليلًا وتفحّصت حالها.
يبدو أن ملابسها قد استُبدلت، وكان ذراعها ملفوفًا بالضمادات. كما كانت رائحة الدواء قوية من حولها.
"أواااه..."
تلوّت تحت الغطاء.
'لم أكن أريد أن يُقبَض عليّ.'
مع أن راديس كانت ماهرة في استخدام السيف، بل وأدّت أداءً مميزًا في حملات الإخضاع، إلا أنها لم تتباهَ بذلك أمام أحد.
لقد تعلّمت هذا الدرس منذ صغرها. فتميّزها في شيءٍ ما لم يكن يجلب لها إلا الأذى.
إمّا أن تغضب مارغريت، أو يقلق المعلّم. وحتى أرمانو كان يميل إلى إخفاء مهاراتها.
وقد جعل تراكم مثل هذه التجارب منها تخشى أن يلتفت إليها الآخرون.
وكان الحال كذلك حتى عندما كانت تتقمص دور ديفيد في فرقة الإخضاع.
كانت تنسب الفضل دائمًا للآخرين، لأنها تعلم يقينًا أن بروزها أكثر من اللازم لن يجلب لها سوى المتاعب.
ومع ذلك، فقد كانت تفضّل هذا.
ولهذا، حتى حين كانت تتدحرج على الأرض وتموت في النهاية بسبب تسمم الهواء المسموم، كانت تضع عائلتها قبل نفسها.
وبينما كانت تضحي بكل شيء من أجل عائلتها، لم يكن يشغلها سوى خوفها من أن تصبح عبئًا عليهم.
أما الآن، وقد نالت حياةً ثانية، فقد أقسمت راديس ألا ترتكب مثل تلك الحماقات مجددًا.
ومع ذلك، كانت هناك أمورٌ متجذّرة في أعماقها، كالأشواك التي يستحيل اقتلاعها.
لهذا السبب أصبح الأمر هكذا الآن. كانت تخشى أن تنكشف.
'كيف يُفترض بي أن أشرح؟'
أطلقت راديس تنهيدة ثقيلة، ثم أزاحت البطانية وأخذت تتلفّت حولها.
كانت الستائر سوداء. والجدران مغطاة بورق حائط مزخرف بالذهب، لكنه كان أسود أيضًا.
ومن الواضح أن هذه كانت غرفة يوفيس.
وعلى طاولة جانبية مصنوعة من خشبٍ أسود، حدّقت في وردة سوداء داخل مزهرية من المينا السوداء، ثم تمتمت.
"يوفيس... ذلك الرجل، إذن ليس ثيابه وحدها سوداء."
ثم فُتح باب الغرفة ودخل يوفيس روسيل.
ما إن رآها مستيقظة حتى اقترب منها ببطء، وجلس على كرسي بجانب السرير.
كانت غُرّة يوفيس قد عادت لتغطي وجهه، وكان يرتدي الآن رداءً مخمليًا أسود أيضًا.
هذا المظهر المألوف جعل راديس تشعر بشيء من الطمأنينة.
لو رأت وجه يوفيس أو جسده العاري مرة أخرى وهي في هذا الاضطراب...
"راديس."
"مـ، ماذا؟"
"وجهكِ شديد الاحمرار؟ حسنًا، لا عجب. فقد أُصبتِ إصابةً بالغة."
"لا، أعني هذا..."
"لا بد أنكِ متعبة، إن كان من الصعب عليكِ الإجابة الآن، فلا بأس أن تقولي لاحقًا."
حدّق فيها يوفيس لحظة، ثم سأل.
"ماذا حدث؟"
"......"
"كنتُ قلقًا، كما تعلمين."
لم يكن في صوته أدنى أثرٍ للّوم.
'آه...'
شعرت راديس بغرابة.
قبل لحظات كانت تتخيل أنها تغوص مباشرة في بركة ماء، لا تدري أهي حارقة أم متجمدة. كانت متوترة للغاية، لكنها الآن لم تشعر إلا بدفءٍ هادئ.
'ماركيز، يبدو أنك كنتَ... قلقًا عليّ حقًا.'
كان الأمر كذلك من قبل أيضًا.
حتى حين ظهرت راديس فجأة في غرفته، لم يبدو على يوفيس الصدمة أو الشك... بل احتضنها بإحكام، مغطاةً بدم الوحوش دون اكتراث.
وبشكلٍ غريب، ضاق صدرها وكأنها ستبكي، لكنها ظلت تحدّق بصمت في الضمادة على يدها اليمنى.
وعندما رآها يوفيس هكذا، ابتسم فحسب.
"كنت أعلم، ليس الوقت مناسبًا بعد. لا بأس. يمكنكِ أن تخبريني لاحقًا."
لكن راديس أمسكت بطرف ردائه.
"...لا، ماركيز. سأخبرك الآن."
لو لم تكن تشعر هكذا في هذه اللحظة، لما استطاعت أن تقول شيئًا.
وبالطبع، لم يكن بإمكانها أن تخبره بكل شيء.
لكنها حاولت ترتيب كلماتها في ذهنها، ثم قالت.
"في المزاد... سمعتُ بعض الناس يتحدثون عن بيض الوحوش. اقتربتُ منهم بدافع الفضول. واكتشفت أنهم يفعلون شيئًا سيئًا."
وأثناء حديثها، نظرت مباشرة إلى عيني يوفيس.
لكن بسبب غُرّته، كان من الصعب تمييز رد فعله.
"ذهبتُ معهم وأعدتُ بيض الوحوش إلى مكانه الصحيح."
حدّق فيها يوفيس قليلًا، ثم قال.
"بيض الوحوش قرب المنطقة المحرّمة، أليس كذلك؟ لكن الاقتراب من تلك المنطقة وحده يحتاج إلى فرقة فرسان كاملة."
عند دقته في الاستنتاج، ارتبكت راديس.
"كان... هناك ممر. يقود مباشرة إلى المنطقة المحرّمة."
"آه."
أومأ يوفيس بخفة.
"إذًا مع وجود ممر مباشر إلى المنطقة المحرّمة، لو حالفك الحظ لما اصطدمتِ بالوحوش. وبهذا كنتِ ستدخلين وتضعين البيض ثم تعودين. لكنكِ اصطدمتِ بالوحوش، أليس كذلك؟"
"......"
لأنه رأى بنفسه أنها كانت مغطاة بدمٍ أسود، لم تستطع أن تختلق عذرًا آخر.
فأومأت راديس بيأس.
"هل قاتلتِ الوحوش؟"
"......"
"كيف؟"
فتحت راديس شفتيها بصعوبة، ولم تخرج الكلمات إلا بالكاد—بالكاد جدًا.
"أنا... أنا أعرف استخدام السيف."
بدا الأمر وكأنها ارتكبت خطأً ما.
اعترفت بذلك بصوتٍ خافت جدًا، وخفضت رأسها كطفلة ارتكبت ذنبًا.
"آسفة لأنني لم أخبرك مسبقًا. لم أقصد إخفائه..."
ثم شعرت بيدٍ كبيرة تمسح على رأسها.
"لا بأس."
كانت يد يوفيس دافئة. وصوته كان أدفأ.
"لا داعي للاعتذار عن ذلك. لستِ مضطرة لإخبار الآخرين بكل شيء عن نفسك دائمًا، أليس كذلك؟"
"......"
"لماذا أنتِ عابسة هكذا الآن؟ كل شيء بخير. لقد عدتِ."
رفعت راديس رأسها ببطء.
كان يوفيس يبتسم براحةٍ وارتياح.
"بصراحة، كنتُ قلقًا جدًا، وغاضبًا أيضًا. لكن الآن لا بأس. لأنكِ عدتِ."
"......"
حدّقت راديس فيه، وعيناها ترفّان ببللٍ خفيف.
'لماذا...؟ لماذا تقول ذلك؟'
ابتسم يوفيس وربت على كتفها، الذي لم يكن يؤلمها.
"قلتِ إنكِ تعرفين استخدام السيف، لذا أريد أن أراه منكِ لاحقًا بعد أن تتحسني تمامًا. حسنًا؟"
—يتبع.
(\ (\
(„• ֊ •„) ♡
━O━O━
– تَـرجّمـة٠ شاد.
~~~~~~
End of the chapter