استمتعوا
حتّى وسطَ الفوضى، كان تعبيرُ راديس هادئًا.
لكنّ ذلك لا يعني أنّ هذا الهدوء كان جزءًا منها دائمًا.
لم تكن تلك هي راديس التي اعتادت أن تُخفض رأسها، بملامح شاردةٍ وقلقة.
في هذه اللحظة، كانت راديس تنظر إلى كلاين وذقنُها مرفوع، وعيناها ثابتتان لا تتزعزعان.
فتحت راديس شفتيها مرّةً أخرى.
"أنا لستُ ديفيد تيلرود. اسمي راديس."
ظلّ كلاين يحمل على وجهه تعبير الذهول، غير قادرٍ على استيعاب ما يجري.
"انسة راديس، ماذا تفعلين؟ إنّ قبول ديفيد في الأكاديميّة الإمبراطوريّة شرفٌ عظيم ينبغي أن تحتفل به عائلته أيضًا. لكنّكِ... لقد مزّقتِ شهادة القبول...!"
"السيّد كلاين. لا، السيّد كلاين روكتون."
حاول كلاين أن يواصل توبيخها، لكنّ راديس قاطعته.
"أنا أتذكّرك. لقد أرشدتني بلطفٍ إلى موقع الاختبار حين كنت أبحث عن ساحة الاختبار العملي. بل وربّتَّ على كتفي بعد الامتحان."
"......"
"ليس الآن فقط. ولم يكن ديفيد آنذاك أيضًا. بل كنتُ أنا."
دوّى صوتٌ عالٍ!
التفتت الأنظار نحو الدرج.
كان صوت الباب يُغلق خلف يوريس.
لكنّها لم تكن وحدها هناك.
بل كان ديفيد معها أيضًا.
رفع ديفيد، الذي لم يدرك الموقف بعد، صوته بمرحٍ وذراعاه ممدودتان.
"نعم، إنّه أنا! ابن عائلة تيلرود العزيز، ديفيد تيلرود!"
تجاهل يد يوريس رغم أنّه كان من المفترض أن يرافقها، ثمّ نزل الدرج متّجهًا مباشرةً إلى موظّف القبول.
"هل أنت موظّف القبول؟ تشرفتُ بلقائك! أين شهادتي؟ لماذا تقف هناك ساكنًا؟"
وحين اقترب، رأى راديس فعقد حاجبيه.
"ماذا—لماذا أنتِ هنا؟ ولماذا ترتدين درعي؟ أتثيرين ضجّة؟!"
هزّت راديس رأسها.
"لا. سأعود إلى غرفتي."
"حسنٌ، هذا جيّد! لأنّ اليوم هو يومي!"
وهو يدندن بخفّة، نظر ديفيد إلى كلاين.
"إذًا، أين شهادة قبولي؟"
وعلى اليد الممدودة لديفيد، وضعت راديس قطع الورق الممزّقة.
دوّى صوتٌ آخر!
لكنّه هذه المرّة لم يكن من يوريس.
بل كان صوت الباب يُصفَق خلف مارغريت وهي تغادر.
***
"ها ها ها."
كما لو أنّها تنهيدة، ضحكت راديس بفتورٍ ويأس.
"مادا... إذًا كان الأمر بهذه السهولة؟"
كانت تستعيد ما حدث للتوّ في هذا الحلم الذي تراه قبل موتها.
وقد أعاد إليها ذكريات حياتها كلّها.
فأغمضت عينيها.
كان الأمر سهلًا.
كان بسيطًا.
كلّ ما كان عليها فعله هو ألّا تُطبق شفتيها وتُغمض عينيها.
"لا يمكنني تحمل الموت الآن."
تمدّدت راديس على سريرها، ذراعاها مبسوطتان، تنظر إلى سماء المساء من خلال النافذة الصغيرة. وكان وجهها هادئًا.
لم تشعر يومًا بمثل هذا الارتياح.
لكنّه كان أمرًا غريبًا...
فالحلم لم ينتهِ بعد.
"العا@ـرة... المجنونة!"
اندفعت مارغريت إلى الداخل، وقد احمرّ وجهها بالكامل، تركل الباب بعنف.
حدّقت بها راديس، وهي تراها تثور بجبينٍ متجهّم.
'رغم أنّ حياتي تمرّ أمام عينيّ، لا أريد أن أرى هذا مجدّدًا.'
"لقد فقدتِ عقلك! لا يمكن لأحدٍ أن يفعل هذا إلّا إن كان مجنونًا! كيف تجرؤين على فعل ذلك بأخيكِ؟!"
صرخت مارغريت بأعلى صوتها.
"كيف تفسدين كلّ طريقٍ يسلكه أخيكِ؟ هل ما زلتِ تجرؤين على تسمية نفسكِ أختًا كبرى لديفيد؟! هل تدركين ما الذي فعلتِه؟!! لقد أُلغي القبول! وفوق ذلك، وُصِمت عائلتنا بأنّها غشّت في الاختبار! كلّ ذلك بسببكِ أنتِ!!!"
ابتسمت راديس ابتسامةً مريرة.
"ولِمَ يكون بسببي أنا؟"
"مـ... ماذا؟"
"أنتِ مَن طلبتِ منّي أن أفعل ذلك أن أتقدّم للاختبار بدلًا من ديفيد. هل كنتِ تدركين ما الذي تطلبينه؟ لقد أردتِ إدخال طفلٍ غير مؤهّل إلى الأكاديميّة."
نهضت راديس من مكانها.
كانت عيناها باردتين إلى حدّ أنّ مارغريت تراجعت.
قالت راديس بصوتٍ صارم.
وبعينين يغشاهما الجشع، حدّقت مارغريت في راديس وفمها مفتوح.
لكنّ راديس لم تتراجع أمام تلك النظرة.
كانت تأمل أن تصل مشاعرها إلى مارغريت، لو أنّها استطاعت أن ترى ما وراء عينيها.
أرادت من مارغريت أن تتقبّل وتفهم ما قالته للتوّ. حتّى لو كان هذا مجرّد حلم. حتّى لو كان هذا مجرّد شريط حياتها يمرّ أمام عينيها. كانت تأمل أن تدرك ذلك.
ثمّ، أخيرًا، تكلّمت مارغريت.
"أنتِ... تستحقّين... الموت...!!"
وبينما صرخت مارغريت، رفعت يدها.
كان بإمكان راديس أن تتفاداها، لكنّها لم تفعل عن قصد.
'إنّه مجرّد حلمٍ على أيّ حال.'
صفعة! صفعة—!
صرخت مارغريت مرّةً أخرى.
"لقد أفسدتِ كلّ شيء! والآن انظري في عيني أمّكِ وأدركي ما الذي اقترفتِه من خطأ!"
اتّسعت عينا راديس.
إنّه حلم... لكن لماذا يؤلم؟
مرّ تعنيف مارغريت اللفظي من أذنٍ إلى أخرى، إذ كانت راديس متجمّدةً من شدّة الدهشة.
"ما هذا، ها؟ ها؟ أهو الطمع؟ لن تعودي إلى صوابكِ إلا إذا مُزّق فمكِ، أليس كذلك؟! مقصّ! أحضروا لي مقصًّا! سأمزّق فمكِ!"
لمست راديس خدّها المتورّم.
إنّه يؤلم.
إنّه يؤلم حقًّا، حقًّا.
وبدا أنّ الألم صفّى ذهنها.
"...جرّبي."
"ماذا؟"
"إن كنتِ ستُمزّقينني، فحاولي."
اتّسع فم مارغريت.
'لكن أليس هذا مجرّد حلمٍ حقًّا؟'
كان كلّ شيءٍ واضحًا على نحوٍ مفرط، بحيث لا يمكن اعتباره مجرّد حلم.
"حقًا؟ ألا ترغبين في العيش بعد الآن؟! إذًا تفضّلي، افعليها وموتي اليوم!"
حتّى قلبها كان يؤلمها.
لكن راديس لم تعد تنوي أن تدع نفسها تتمزّق وتتحطّم إلى أشلاء.
أمسكت بيد مارغريت التي كانت على وشك أن تمسك بشعرها.
اتّسعت عينا مارغريت.
كانت راديس في السادسة عشرة من عمرها حين دخل ديفيد الأكاديميّة.
ورغم أنّها كانت نحيلةً إلى حدٍّ مُفرِط بسبب سوء التغذية، فإنّ جسدها كان مُدرَّبًا بإتقان.
ولم تكن مارغريت، بوصفها سيّدةً نبيلة، لتُقارَن بها.
بدأ وجه مارغريت يشحب تدريجيًّا وهي تحاول سحب يدها.
"أنـ، أنتِ..."
وفي النهاية، لم تتمكّن من الإمساك بشعر راديس.
نظرت راديس إلى وجه أمّها.
"كما أمرتِني، ذهبتُ إلى الأكاديميّة الإمبراطوريّة وحصلتُ على شهادة القبول. بمفردي!"
"أنتِ، هذا!"
"هل تعلمين ما معنى ذلك؟ أحقًّا تظنّين أنّني سمحتُ لكِ بضربي لأنّني لا أُحسن التفكير أو لأنّه لا قوّة لديّ؟"
"اتركيني! قلتُ اتركيني!!"
"لقد تحمّلتُ كلّ ذلك لأنّكِ أمّي. كلّ شيء... حتّى النهاية!"
"هـ، هذا...!"
صرّت مارغريت على أسنانها، وحاولت أن تُحرّر معصمها.
لكنّها لم تستطع تحريك عضلةٍ واحدة.
وفي النهاية، صرخت مارغريت.
"كيف تجرؤين على فعل هذا بأمّكِ!"
أفلتت راديس يدها.
فتراجعت مارغريت، التي كانت قد استخدمت كلّ قوّتها لسحب معصمها، وتعثّرت إلى الخلف.
"آآآه!"
ثمّ، بعد صرختها، خيّم صمتٌ ثقيل.
جلست مارغريت على الأرض، ونظرت إلى راديس.
لم تكن راديس تختلف عن أيّ فارسٍ آخر.
كان شعرها لا يزال فوضويًّا من القصّة التي قصّتها قبل دخولها الامتحان، وبشرتها متضرّرة وجافّة.
لكن شيئًا واحدًا فقط قد تغيّر.
نظرة عينيها.
لم تعد تلك العينان اللتان كانتا تنظران إلى مارغريت دائمًا برجاء، لأيّ شيءٍ كان.
تمامًا كسماء الليل، كانت عيناها السوداوان خاليتين من أيّ شعور.
وتحدّثت راديس بالمثل، بصوتٍ منخفضٍ خالٍ من العاطفة.
"لم أعد أحتمل."
تغيّر وجه مارغريت، واحمرّ.
وفي النهاية، انفجرت بالبكاء.
دخلت الخادمات، وقد سمعن بكاء مارغريت، في حالةٍ من الذهول.
كانت مارغريت هي مَن سقطت بنفسها، ومع ذلك كانت تلهث وتبكي كما لو أنّها تعرّضت للاعتداء. وفي النهاية، اضطُرّت الخادمات إلى استدعاء مزيدٍ من الخدم لحملها بعيدًا.
تنهدت راديس بعمقٍ عند رؤية ذلك.
لو كان هذا حقًّا حلمًا، لكانت تأمل أن ينتهي عند هذا الحدّ.
لكن بعد يوم... يومين...
استمرّ الحلم.
وفي اليوم الثالث، اضطُرّت راديس إلى تقبّل هذا بوصفه واقعها الجديد.
***
كان خدّ راديس الأيمن لا يزال متورّمًا، وأمامها ألقت الخادمة وعاءَ حساءٍ بإهمال.
نظرت راديس إلى الحساء الرماديّ المائيّ، حيث كانت بعض قطع قشور الخضار تطفو هنا وهناك.
كان الطعام الذي يُقدَّم لها سيّئًا من قبل، لكنّه الآن أصبح أسوأ.
وكأنّه مكافأة من مارغريت.
'لم يعد يبدو كطعامٍ أصلًا.'
حدّقت راديس في الخادمة التي أحضرت الحساء.
"بالهناء."
إيرين. لقد مرّ وقتٌ طويل منذ أن رأتْها راديس.
كانت الخادمة المفضّلة لدى مارغريت، وهي التي ساهمت في تحويل طفولة راديس إلى جحيمٍ حيّ.
'إن كنتِ قد أرسلتِ إيرين، فأنتِ عازمةٌ حقًّا على تعذيبي.'
كانت نوايا مارغريت واضحةً إلى حدٍّ جعل راديس لا تملك سوى أن تتنهّد.
—يتبع.
(\ (\
(„• ֊ •„) ♡
━O━O━
– تَـرجّمـة٠ شاد.
~~~~~~
End of the chapter