استمتعوا
كان على خدِّ إيرين الأيمن انتفاخٌ أحمر بحجم إبهامها، وكان ذلك السبب الوحيد الذي جعل مارغريت تُفضّلها.
لقد أحبّت مارغريت أن تبرز أكثر بفضل الخادمة القبيحة التي تُبقيها إلى جانبها.
ومن دون أن تدرك نوايا مارغريت الحقيقيّة، كانت إيرين تؤدّي مهامّها كرئيسة للخدم بإخلاصٍ وحماسة.
وكانت تستمتع، على وجه الخصوص، بالتنمّر على راديس.
'راديس، أتعلمين؟ السيّدة تُحبّني أكثر منكِ.'
كانت تلك الكلمات تمزّق قلب راديس الصغيرة.
وكانت إيرين تُضايق الطفلة كما لو أنّها أختٌ كبرى لئيمة.
كانت تفعل ما تشاء، ولا تُقدّم الطعام في وقته، وتتنمّر على راديس بأساليب دنيئة. بل وصلت إلى حدّ سكب الماء على سريرها، ثمّ نشر شائعاتٍ بأنّ راديس قد بلّلت فراشها أثناء نومها.
ولم ينتهِ تنمّر إيرين إلا عندما أُرسلت راديس إلى حملات إخضاع الوحوش.
'أوّل ما طلبته بعد ذهابي إلى الإخضاع كان طرد إيرين.'
وقد طردت مارغريت إيرين على الفور وكأنّها لم تكن هي من شجّعها أصلًا على مضايقة راديس.
وبعد فترةٍ وجيزة، عُثر على إيرين ميتةً في مستنقعٍ قرب الإقطاعيّة.
وقال الناس إنّها، بعد طردها من القصر، لعلّها ألقت بنفسها في المستنقع لأنّه لم يكن لديها مكانٌ تذهب إليه.
غير أنّ راديس أدركت لاحقًا أنّ إيرين كانت تعرف أسرارًا مميتة عن عائلة تيلرود.
وهي الحقيقة أنّ ديفيد الذي كان الجميع يظنّه من يخرج في حملات إخضاع الوحوش لم يكن في الواقع سوى راديس.
ولحماية ابنها، لم تتردّد مارغريت في إزهاق روح إنسانٍ آخر.
'وهكذا أيضًا متُّ أنا.'
خيّم ظلٌّ على عيني راديس.
وبينما لم تكن إيرين تعلم ما الذي تفكّر فيه، نقرت بوقاحةٍ على الوعاء بملعقة.
"أنتِ محظوظةٌ جدًّا. لقد جعلتِ السيّدة تبكي، ومع ذلك لا تزالين تتلقين الطعام."
ومع كلّ كلمةٍ تنطق بها إيرين، كانت عينا راديس تزدادان برودة.
'كلتانا، أنا وإيرين... ما زلنا على قيد الحياة. عليّ أن أتقبّل ذلك الآن.'
لم يكن هذا الوضع مجرّد حلمٍ أو وهمٍ يراه المرء قبل موته بل كان حقيقة.
حدّقت راديس في إيرين بنظرةٍ جليديّة، ثمّ تكلّمت.
"وماذا عن والدي؟"
"السيّد؟"
أجابت إيرين بنبرةٍ ساخرة.
"بفضلكِ، لم يعد يستطيع التقاط أنفاسه وهو يواجه اتّهامات التلاعب في القبول! يا له من أمرٍ رائع، أليس كذلك؟ يا لكِ من ابنةٍ صالحة!"
تنهدت راديس بضيق.
في حياتها السابقة، كانت راديس تكتفي بتحمّل مضايقات إيرين بصمت.
كانت خائفةً إلى حدّ أنّ أيّ خطوةٍ خاطئة قد تقضي على فرصتها في أن تنال حبّ مارغريت إلى الأبد.
لكن الآن، لم تعد مضطرّةً لتحمّل إيرين على الإطلاق.
رفعت راديس وعاء الحساء، ثمّ قلبته.
فوق رأس إيرين.
لم تستطع إيرين تصديق السائل الساخن الذي أخذ ينساب فوقها.
"آه! آآه!"
"لقد كنتُ هادئةً أكثر من اللازم، أليس كذلك؟"
نقرت راديس بالوعاء على رأس إيرين، ونظرت في عينيها.
"لكنّني قرّرتُ ألّا أبقى ساكنةً بعد الآن. إذًا، ماذا سيحدث لكِ الآن بعد أن أصبح والديّ في هذه الورطة؟"
كانت راديس تقرأ العاصفة العاطفيّة التي مرّت في عيني إيرين.
اختفى ذهولها واستياؤها سريعًا.
ارتجفت عينا الخادمة، وكأنّها تستحضر كلّ ما فعلته في الماضي. ثمّ خفضت نظرها في اللحظة التي انهارت فيها إرادتها.
كادت راديس تنفجر ضاحكة.
إذًا، كانت من هذا النوع من الأشخاص.
تركت راديس الوعاء فوق رأس إيرين، وربّتت عليه كما لو أنّه قبّعةٌ لطيفة.
"إن كنتِ فضوليّةً بشأن ما سيحدث، فاستمرّي في التصرّف بهذه الجرأة. لكن إن أردتِ البقاء رئيسةً للخدم، فالأجدر بكِ أن تُحسني اختيار كلماتكِ. و..."
التقطت راديس الملعقة ونقرت بها على حافّة الوعاء.
"أحضري لي شيئًا يمكن أن يُسمّى طعامًا."
غادرت إيرين الغرفة وعيناها متّسعتان، والوعاء لا يزال فوق رأسها.
وبعد حينٍ من الزمن، عادت مرّةً أخرى، ثمّ أسرعت بالفرار فور أن وضعت صينيّةً عليها حساءُ فِطرٍ يتصاعد منه البخار، وخبزٌ طريّ.
مزّقت راديس الخبز بأطراف أصابعها.
'حقًّا.'
غمست قطعة الخبز في الحساء ذي اللون اللؤلؤيّ.
'إنّ هذا حقًّا'
وعندما وضعت الخبز في فمها، استطاعت أن تتذوّق الحساء وتشعر بملمس الخبز الطريّ.
'الواقع.'
ماتت راديس في السادسة والعشرين من عمرها بسبب الهواء المسموم.
ثمّ عادت عشرة أعوامٍ إلى الماضي.
لم يكن الأمر مجرّد استعراضٍ لحياتها أمام عينيها لحظة الموت بل لقد عادت فعلًا لتعيش حياةً ثانية في سنّ السادسة عشرة.
'حياة ثانية؟'
انفجرت ضحكةٌ من شفتيها.
كانت حياة راديس تيلرود بائسة.
كانت أشبه بالجحيم.
ولن تكون فرصة ثانية في هذه الحياة مختلفة.
مهما عادت مرّاتٍ عديدة، فستظلّ الابنة الكبرى لمارغريت وزاد، راديس تيلرود.
هزّت رأسها.
'لن أعيش هكذا مرّةً أخرى.'
لم تعد ترغب في عيش حياةٍ تُضحّي فيها بنفسها عبثًا من أجل دعم والديها وإخوتها الصغار.
وبينما كانت تبتلع ببطءٍ قطع الخبز المغموسة في حساء الفِطر، استرجعت راديس حياتها السابقة.
حتّى بعد دخول ديفيد إلى الأكاديميّة، لم تتغيّر حياتها كثيرًا.
بمفردها، واصلت التدرّب على تقنيّات المبارزة التي تعلّمتها من معلّمها في تلك الأرض الخالية. وكانت تقضي بقيّة وقتها حبيسة غرفتها كما لو أنّها ناسكة.
وذلك إلى أن تخرّج ديفيد من الأكاديميّة.
لاحقًا، كانت راديس تنطلق في حملات إخضاع الوحوش بدلًا من ديفيد، ليُعيَّن هو فارسًا رسميًّا.
كان عليها أن تتحمّل ستّ سنواتٍ كاملة، حتّى بلغت تلك النهاية البائسة.
أنّت راديس دون وعي، حين مرّت ذكرى موتها أمام عينيها.
'لماذا؟ لماذا عدت؟ هل للانتقام؟'
ارتسمت على شفتي راديس ابتسامةٌ جافّة.
لم تكن تريد الانتقام.
قبل بضعة أيّام، حين أمسكت بمعصم مارغريت، أدركت راديس شيئًا.
'لماذا لم أكن... لماذا لم أكن غاضبةً من مضايقة أمّي لي بهذا الشكل؟ لماذا لم يُزعجني أن أضطرّ لصيد الوحوش بدلًا من ديفيد؟ ألم أُصب بالمرض بسبب الهواء المسموم الذي تسلّل إلى جسدي؟ ومع ذلك، لم يحاولوا حتّى أن يؤمّنوا لي علاجًا لائقًا؟'
وضعت راديس وعاء الحساء جانبًا، ونظرت إلى سماء الليل.
'أشدّ ما أحزنني... أنني لم أُحَبّ.'
كانت تريد أن تُحَب.
ولذلك أقنعت نفسها بأنّها لا تعاني من مرضها، رغم ما كانت تتعرّض له من إساءةٍ مستمرّة.
قاتلت تلك المخلوقات المخيفة، وتحمّلت تسمّم الهواء المسموم.
لأنّها كانت تحبّ رؤية عائلتها سعيدة.
ولأنّها كانت تظنّ أنّها ستُحَب أخيرًا.
"هاها..."
ضحكت راديس بمرارةٍ وعجز.
لم تكن تعلم لماذا، لكن بدا لها وكأنّها وُلدت بلا غاية.
فبوجود ديفيد ويوريس، لم يبقَ لها مكان.
استلقت راديس بضعفٍ على حافّة سريرها، وتمتمت.
"لنستسلم فحسب."
لقد بذلت في حياتها السابقة كلّ جهدها لتنال الحبّ.
ولم تُدرك الحقيقة إلا عند موتها المأساويّ.
بالنسبة لوالديها، ولإخوتها الصغار لم تكن تعني شيئًا.
"يجب أن أرحل من هنا."
كان عليها أن تخرج من قبضة عائلة تيلرود.
لكن كيف؟
وإلى أين ستذهب؟
وبأيّ مال؟
نهضت راديس، وأخذت تمشي ذهابًا وإيابًا قرب النافذة.
كان العالم الذي تعرفه ضيّقًا.
لم تعرف سوى إقليم ويلينغهام، وإقطاعيّة عائلة تيلرود الصغيرة، وغابة الوحوش.
'غابة الوحوش...'
حين فكّرت في تلك الغابة، شعرت بحنينٍ غريب، كما لو أنّها تتذكّر موطنها.
كان الأمر عجيبًا.
كانت تلك الغابة مكانًا خطيرًا يعجّ بالوحوش.
لكنّه كان المكان الوحيد الذي استطاعت فيه أن تكون حرّة في حياتها السابقة.
"كانت هناك قرى حدوديّة قريبة."
لم يكن يُعدّ مكانًا آمنًا بسبب وعورة التضاريس وظهور الوحوش الجائعة باستمرار.
ومع ذلك، كان هناك أناسٌ يعيشون في مثل تلك الأماكن.
"إذا تذكّرت، فقد سمعت أنّ هناك قريةً حدوديّة واحدةً جنت ثروةً من مزارع الكرز..."
في أحد فصول الصيف، لم تُثمر أشجار الكرز بسبب مرضٍ انتشر في الأراضي الخصبة.
لكنّها سمعت شائعاتٍ بأنّ مزارع سكّان الحدود، الذين كانوا معزولين، لم تتضرّر. ولأنّهم كانوا الوحيدين القادرين على توريد الكرز، ارتفعت الأسعار بشكلٍ هائل.
تلألأت عينا راديس.
'ماذا لو استثمرت في ذلك...؟'
لكنّ أملها لم يدم طويلًا.
لم تكن تملك ما يكفي من المال لشراء سلّةٍ من الكرز، فضلًا عن الاستثمار في مزرعةٍ كاملة.
ولم تكن المشكلة المال وحده.
كانت في السادسة عشرة من عمرها فحسب.
ولم يكن يُسمح لها حتّى بالخروج بمفردها.
"هاا..."
وقد فقدت شهيّتها، فدفعت وعاء الحساء بعيدًا.
'لماذا حدث هذا أصلًا؟ لا أصدّق أنّ عليّ أن أعيش هذه الحياة مرّتين.'
—يتبع.
(\ (\
(„• ֊ •„) ♡
━O━O━
– تَـرجّمـة٠ شاد.
~~~~~~
End of the chapter