استمتعوا

3. مأدبةٌ مُروِّعة

"لابدّ أنّ تلك الشقيّة قد فقدت صوابها."

تمتمت مارغريت، وقد وضعت كيسًا من الثلج على رأسها.

هااام.

وبينما كانت تُقلّب صفحات كتالوج الفساتين، تثاءبت يوريس بلا اكتراث. فقد كانت مارغريت تردّد الكلمات نفسها أكثر من عشر مرّاتٍ اليوم.

إنّ مسألة مستقبل أخيها وشرف العائلة لم تكن سوى أمرٍ مملّ بالنسبة ليوريس، التي لم تتجاوز الثالثة عشرة من عمرها.

وبدلًا من ذلك، كان من الأفضل لها أن تكتفي بالنظر إلى كتالوجات الفساتين المكدّسة في غرفة أمّها.

فستانٌ أبيض كالثلج من الموسلين، أشرطةٌ ملوّنة، أصفرُ زاهٍ، ورديٌّ باهت، أزرقٌ أنيق، فساتين سهرةٍ جميلة تناسبها...

وأخيرًا، حسمت يوريس أمرها.

"يوريس تُحبّ الأصفر!"

غير أنّ مارغريت استمرّت في تجاهلها، فلم تسمع تذمّر المراهقة وهي ترفع الكتالوج أمام وجهها مباشرةً.

"أمّي! أُحبّ هذا الفستان الأصفر!"

حينها فقط انتبهت مارغريت إلى ابنتها.

"ماذا؟"

تحدّثت يوريس بوضوح.

"أمّي، لقد وعدتِني!"

"عمّ تتحدّثين؟"

شعرت يوريس بأنّ معدتها تهوي.

داسَت بقدمها على الأرض وهزّت الكتالوج بعنف.

"أمّيييي! أنتِ قاسية جدًّا! هل نسيتِ بالفعل؟ مأدبة عيد ميلاد الأمير الثالث! أمّي، لقد قلتِ بالتأكيد إنّكِ ستشترين لي فستانًا جديدًا للمأدبة!!"

تلوّح الكتالوج الملوّن بعنف أمام عيني مارغريت، بينما يخترق صوت تذمّر يوريس أذنيها.

وكانت مارغريت تشعر بغضبها يتصاعد بوضوح.

فانفجرت وصرخت في وجه يوريس على الفور.

"هل ستموتين من البرد إن لم تحصلي على ملابس جديدة؟!"

عند ذلك، اتّسعت عينا يوريس الخضراوان دهشةً.

"إذًا لن تشترِي لي فستانًا جديدًا...؟"

هذا غير معقول.

لم يكن بوسعها أن ترتدي ملابس قديمة في مأدبة عيد ميلاد الأمير الثالث للإمبراطوريّة، أوليفير.

فلو فعلت، لسخرت منها تلك البغيضة روزالي.

كان لا بدّ ليوريس أن تحصل على ذلك الفستان الجديد بأيّ طريقة.

"أووووواااااه!"

راحت تبكي وتبكي أيّامًا متواصلة. بل وأعلنت إضرابًا عن الطعام!

"آه، اصمتي!"

غطّت مارغريت أذنيها.

لكنّ يديها لم تكونا كافيتين لحجب صرخات الطفلة الحادّة.

شعرت مارغريت وكأنّها على وشك الجنون.

'كلّ هذا بسبب راديس!'

فقط انظر كم تعاني بسبب تهمة القبول غير القانوني!

حاولت مارغريت وزاد التستّر على الحادثة بوصفها مزحةً عمليّة قامت بها أختٌ غيورة تجاه أخيها الأصغر.

غير أنّه، بعيدًا عن الشائعات، كان هناك أمرٌ واحد لم يتمكّنا من إصلاحه.

كلاين روكتون، مسؤول القبول.

لو كان كلاين روكتون أقلّ تصلّبًا، لتمّ تسوية الأمر بسهولة.

لكنّ لا تملّق مارغريت ولا تودّد زايد أثّرا فيه.

عاد كلاين إلى الأكاديميّة فورًا، وطلب على الفور من اللجنة الأكاديميّة إعادة الاختبار لديفيد. وقد وافقت اللجنة، بعدما رأت وجاهة حججه، على إجراء إعادة الاختبار.

وكانت المشكلة أنّ ديفيد، إن خضع لذلك الاختبار، فسيُفضَح أمره على الفور.

وفي نهاية المطاف، أرسل زاد رسالةً يُعلن فيها إلغاء قبول ابنه في الأكاديميّة حفاظًا على شرفه.

وكان من حسن الحظّ أنّ الأمور لم تتفاقم أكثر من ذلك، لكن خلال هذه العمليّة، كم من التوسّلات اضطرّوا لتقديمها، وكم من الفوضى كان عليهم تنظيفها...!

" عا@ـرة!"

أطلقت مارغريت شتيمتها على نحوٍ لا إراديّ، ثمّ شهقت وغطّت شفتيها.

'كيف استطاعت تلك الراديس الضعيفة أن تجعل سيّدةً أنيقةً مثلي تتفوّه بمثل هذا الكلام...!'

ولم تكن وحدها من صُدمت من حدّة كلماتها.

"أمـ، أمـ، أمّي...!"

كانت تتظاهر بالبكاء طوال هذا الوقت، لكن عيني يوريس امتلأتا بدموعٍ حقيقيّة، كاللآلئ.

وما إن رأت مارغريت تلك الدموع في عيني ابنتها الخضراوين، حتّى استعادت وعيها، إذ لم تُرِد أن تُحزن ابنتها العزيزة.

"آه، يوريس! لا، لا. لم أقل ذلك لكِ!"

"أووووااااه!!"

"كلّ هذا بسبب راديس، تلك الوغدة الشرّيرة. يا إلهي، صغيرتي، لا تبكي! حسنًا، حسنًا، سأشتري لكِ ذلك الفستان!"

"هيك... هيك..."

"أيّ واحدٍ تُحبّين؟ الأخضر؟"

"هيك... أووااه، الأصـ، الأصفر...!"

وبينما كانت تبكي، أشارت يوريس إلى الفستان الذي تريده.

"حسنًا، حسنًا! إنّه فستانٌ جميل وغالٍ أيضًا. توقّفي عن البكاء الآن. رأسي يكاد ينشطر إلى نصفين!"

وبمجرّد أن حصلت على ما أرادت، هدأت دموع يوريس سريعًا.

تنهدت مارغريت وهي تنظر إلى السعر المكتوب أسفل تصميم الفستان الأصفر.

ثمّ لفت انتباهها شيءٌ مثير للاهتمام.

***

في حياتها السابقة، كان جسد راديس قد تُرِكَ في حالةٍ مروّعة.

كان الهواء المسموم الذي تسلّل إلى جسدها سُمًّا بالغ الفتك بالبشر.

وكان من يُصاب بها ينبغي له أن ينال قسطًا كافيًا من الراحة، منتظرًا زوالها من تلقاء نفسها. وإن لم يكن ذلك ممكنًا، فكان عليه أن يقصد معبدًا ويدفع مبلغًا باهظًا ليخضع لطقس تطهيرٍ على يد كاهن.

أمّا راديس آنذاك، فلم يكن أمامها سوى أن تتحمّل كلّ ذلك بمفردها.

وبشرتها، التي تعرّضت طويلًا لدماء الوحوش، أصبحت أرجوانيّةً داكنة، بل إنّ بعض أجزاء جسدها كانت قد بدأت تتعفّن بالفعل.

ولم يكن الأمر مقتصرًا على بشرتها فحسب.

لقد تغلغلَ الهواء المسموم عميقًا في كلّ جزءٍ من جسدها.

تدهورت قوّة بصرها تدريجيًّا، ووهَن جسدها.

وفي تلك الظروف القاسية، تجاوزت حدود الجسد والعقل البشريّين التي ظنّت أنّها لا تقوى على احتمالها.

واكتشفت كيف تُحوِّل الهواء المسموم إلى مانا.

وبذلك، لم تمت، بل ازدادت قوّة.

لكنّ ذلك لم يكن سوى حلٍّ مؤقّت.

وكان له آثارٌ جانبيّة.

فعلى الرغم من أنّها اكتسبت قوّةً من الهواء المسموم، فقد اضطُرّت إلى العيش مع ألمٍ مُعذِّب في جسدٍ مسمومٍ بها بالكامل.

غدا بصرها ضبابيًّا، وحتى عند أدنى لمسةٍ لجلدها، كان الألم كأنّ عظامها تُسحَق.

وفي بعض الأحيان، كانت بلّوراتٌ سوداء تختلط بالدم الذي تسعله. وفي كلّ مرّةٍ يحدث فيها ذلك، كانت تظنّ أنّ نهايتها قد اقتربت.

ولذلك، حين عادت الآن إلى جسدها ذي الستة عشر عامًا، شعرت راديس براحةٍ عظمى لأوّل مرّة منذ زمنٍ طويل.

"لا أُصدّق أنّ الشعور بالصّحّة جميلٌ إلى هذا الحدّ."

كان باب غرفتها مُغلقًا من الخارج، فتسلّلت إلى السطح عبر نافذتها.

لم تواجه أيّ صعوبة في الحركة.

كانت هذه الأطراف الرشيقة والجسد الخفيف غريبين عليها، لكنّ الإحساس بهما كان رائعًا.

ومن دون أن يؤلمها جسدها، أخذت تتدرّب على المبارزة، حتى من غير سيفٍ في يدها.

كانت قدماها العاريتان تشعران بحرارة القرميد الذي لفحته الشمس على السطح.

كان السطح مائلًا، لكنّه بالنسبة لها بدا كأرضٍ مستوية.

فهي التي كانت يومًا تجوب بخفّة غابة الوحوش القاسية.

وعلى السطح المنحدر، مضت حافية القدمين واليدين.

كان أساسها هو مبادئ المبارزة الإمبراطوريّة التي علّمها إيّاها أرمانو.

ومن دون سيف، اتّخذت هيئة وقفة الفارس.

وبالطبع، لم يكن هناك وقتٌ أثناء القتال لاتّخاذ هذه الوقفة على نحوٍ مثاليّ، لكن صوت أرمانو كان يتردّد دائمًا في أذنيها كلّما سنحت الفرصة.

'أمامك أعداء، وخلفك أناسٌ عليكِ حمايتهم. وبينهما سيفكِ. يجب أن تراقبي كلّ شيء.'

كان أرمانو ينظر في عيني راديس الصغيرة، وهي لا تزال في هيئة الفارس، ثمّ يتابع.

'وهناك أمرٌ لا ينبغي لكِ أن تنسيه أبدًا خلف سيفكِ شخصٌ يجب أن تحميه بعنايةٍ أيضًا. إنّه أنتِ، يا راديس. عليكِ أن تحمي نفسكِ.'

لم يقل أرمانو هذه الكلمات لديفيد قطّ، وكان ذلك يثير فضول راديس دائمًا.

لماذا قال هذا لها وحدها؟

خطت قدماها فوق القرميد.

وكانت خطواتها أساس حركتها.

سريعة، بطيئة. قويّة، لطيفة.

كانت تتقدّم كتيّارٍ منساب.

وحين اندفعت إلى الأمام، لم تنسَ أن تحمي ظهرها.

كان أساس المبارزة الإمبراطوريّة هو الدفاع.

ولا ينبغي للفارس أن يفقد السيطرة على مشاعره، كأنّها موجٌ هائج.

يجب أن تبقى دائمًا مساحةٌ لحماية ما وراء الفارس، ولذلك كانت هيئتها مستعدّةً للارتداد في أيّ لحظة، كتموّجاتٍ على سطح بحيرة.

لقد حدثت أمورٌ كثيرة منذ أن تعلّمت المبارزة الإمبراطوريّة على يد أرمانو، وتغيّرت تقنيّتها، لكنّها لم تنسَ هذا الأساس قطّ.

كانت قد تدربت على هذه التقنيّة عشرات، بل مئات المرّات في اليوم الواحد.

سواء أكانت على أرضٍ جافّة، أم في غابةٍ قاسية، أم وسط ظلامٍ دامس.

وكانت أحيانًا تفقد توازنها وتسقط أرضًا، لكنّها كانت تنهض في كلّ مرّة بلا إخفاق.

لأنّها كانت تعيش بسيفها.

"هوو...!"

غارقةً في العرق، وعاجزةً عن تحريك أيّ عضلة، استلقت راديس على السطح.

كانت السماء الزرقاء فوقها لا نهاية لها.

تتناثر السحب البيضاء في مواضع، ثمّ تتجمّع في أخرى، ممتدّةً إلى أبعد مدى.

"السماء... إنّها جميلة جدًّا."

في حياتها السابقة، لم تكن تملك رفاهيّة رفع رأسها نحو السماء.

ولم تستطع النظر إليها إلا قبيل موتها، وهي على فراشها الأخير.

لكن، حينها، كانت قد فقدت معظم بصرها بالفعل.

أمّا الآن، فكانت ترى بوضوحٍ حتى أطراف السحب المتمايلة.

وهذا وحده كان كافيًا ليُغرقها في دموع الفرح.

—يتبع.

(\ (\

(„• ֊ •„) ♡

━O━O━

– تَـرجّمـة٠ شاد.

~~~~~~

End of the chapter

2026/04/27 · 3 مشاهدة · 1250 كلمة
شاد
نادي الروايات - 2026