صباح مزدحم آخر في استوديو تصوير صغير
يقوم الممثلون بتصوير المشاهد، بينما الأشخاص الآخرون خلف الكواليس يعملون كسرب من النمل
في هذا المكان يتم تصوير مسلسل قصير لا تتجاوز عدد حلقاته العشر حلقات
ورغم كونها لن تعرض على التلفاز بل في موقع أفلام على شبكة الإنترنت، إلا أن القائمين على هذا العمل يبذلون قصارى جهدهم في سبيل نجاح العمل
وربما قد يحالفهم الحظ وتلاحظهم شركات الترفيه الكبرى وتتعاون معهم
كانت القصة بسيطة تتناسب مع ميزانية وإمكانيات هذا الفريق الصغير الذي ظهر حديثًا في الساحة
بدءاً من طاقم العمل إلى الممثلين، كلٌّ منهم كان وافدًا جديدًا وغير معروف
حتى أن الترويج على المسلسل لم يكن احترافيًا ولم يلحظه الجمهور
ببساطة كان من ذلك النوع من المسلسلات التي يمكن أن يتابعها أقل من مئة شخص، ونصفهم شاهده عن طريق الخطأ اثناء تناول الطعام بينما يتصفح هاتفه
لكن المخرج الشاب ذو الطاقة الشبابية المليئة بالأمل جعل الطاقم يشتعل حماسًا
ففي النهاية " رحلة الألف ميل تبدأ بخطوة " وهي العبارة التي يرددها المخرج دومًا حتى أصبحت شعار الطاقم الخاص
في زاوية غير مرئية في الاستوديو، وقف المخرج يفرك رأسه بعصبية بينما المساعد يتململ في مكانه بقلقٍ يعتريه
وردهم اتصال من ممثل داعم كادت مشاهده أن تبدأ يخبرهم أنه قرر ترك الفريق لحصوله على فرصة عمل أفضل في مكان آخر
شعر المخرج بالإحباط فرغم أن ذلك الممثل دفع رسوم خرق العقد بالإضافة إلى مبلغ إضافي كإعتذار، إلا أن المال لم يكن المشكلة بل الوقت
لم يكن لديهم الوقت الكافي لأداء اختبار لاختيار بديل آخر في هذه الفترة الزمنية الضيقة، بالإضافة إلى ذلك كادت مدة الإيجار التي عقدوها مع الاستوديو أن تنتهي
حرق المخرج ترسانات عقله للعثور على حل لمعضلتهم
خوفًا من إحباط باقي الممثلين، أخفى هذا الخبر عنهم ولم يعلم بهذا إلا بضعة أشخاص
اقترح كل واحد منهم حلًّا أو فكرة، لكن جميعها باتت بالفشل
ورغم محاولة المخرج التستر على الأمر، إلا أن حالته المزاجية المحبطة كانت واضحة
شعر كل من يجهل الأمر بوجود خطأ ما مما أثر على عملهم وزاد من إحباط المخرج
شتم المساعد ذلك الممثل في سره وتمنى ألا يحالفه الحظ في عمله الآخر، أخفى أفكاره عن المخرج لعلمه أنه سيتعرض للضرب والتوبيخ على أمنيته الشريرة تلك
وفي خضم هذه الفوضى، دخل شاب يرتدي ملابس عادية مع صندوق كبير على ظهره مناديًا: عامل التوصيل، يرجى استلام الطلب
توجه المساعد نحوه بسرعة لأخذ الطلب وتسوية الحساب
نظر الشاب حوله وشعر بالطاقة السلبية المنبعثة في الأجواء، وكونه معتادًا على توصيل الطعام إلى هذا المكان منذ بداية التصوير سأل المساعد عما يجري
وكأن الأخير وجد منفذًا يفرغ فيه عما في جوفه، بدأ بالشكوى والشتم معربًا عن سوء حظ الطاقم لعثورهم على مثل ذلك الممثل الغير مسؤول
ربت الشاب على كتف المساعد كنوع من التعزية كونه فاشلًا في التشجيع ورفع المعنويات
فجأة طار المساعد بينما لا تزال يد الشاب معلقة في الهواء، حرك رأسه ينظر إلى المخرج الذي ظهر من العدم بنظرة براقة متلألئة
أغمض الشاب عينيه غريزيًّا بسبب شدة السطوع الذي ينبعث من المخرج، وخزته حاسته السادسة تحثه على الهروب
ودون تردد استأذن وحاول الفرار بسرعة، لكن قبضة قوية منعته من المغادرة، التفت كآلة صدئة ونظر إلى المخرج الذي يمسك به وابتلع ريقه بصعوبة
ابتسم ابتسامة اشبه بالبكاء وسأل المخرج: هـ.. هل تحتاج شيئًا مني؟
اتسعت ابتسامة المخرج وأومأ برأسه بسعادة، سحبه إلى مكان بعيد
نظر المساعد إلى الشاب الذي يتم جره بعيدًا كعجل يتم جره إلى المسلخ وهز رأسه بأسف، تجاهل نظرة الاستنجاد التي رمقها به الشاب وابتعد
.
.
.
.
جلس واضعًا يديه على حجره كطالب أمام الناضر، رفع ناظريه نحو المخرج المبتسم ابتسامة كبيرة والتي بدأت تخيفه ثم أعاد خفضهما مجددًا
ابتلع ريقه بصعوبة للمرة التي لا يعلم عددها، شعر بالعرق ينساب من ظهره رغم أن التكييف يعمل
سعل مرتين قبل أن يحاول الوقوف والمغادرة بينما ينبس بأول عذر استطاع التفكير فيه: حـ.. حسنًا علي الذهاب لأن ... لأنني نسيت اطفاء الموقد!
حاول فتح الباب عدة مرات لكن المقبض أبى الحراك حائلاً يمنعه من الفرار، شعر أنه سيبكي فعليًّا صرخ بصمت " إنهم يختطفون الناس بلطف، لا استطيع حتى الاعتراض! "
ثم ....
وكأن الأمل يلوح أمامه تحرك المقبض من تلقاء نفسه وفُتح الباب، لقد رآه.. رأى الضوء
ضوء الحرية!
واختفى ذلك الضوء الذي لم يدم خمس ثوان بدخول كاتب السيناريو وإغلاقه الباب
تم سحبه إلى مقعده بواسطة المخرج النشيط، جلس هامدًا تلفه هالة كئيبة
رفع يده كمحاولة أخيرة في سبيل الهروب من هذا الحبس الإجباري، المخيف، الموتر للأعصاب، ابتلع ريقه قبل أن يقدم اقتراحه الذي راهن حريته به: سأقدم كوبونات الطعام المجانية الخاصة بالمطعم مقابل تحريري
وباءت محاولته البائسة واليائسة بالفشل بعدما تصرف كل من المخرج وكاتب السيناريو كالصم
تنحنح المخرج وتكلم أخيراً بعدما كاد يُفقد صواب السجين المسكين أمامه: اسمك إيفان أليس كذلك؟ سعيد بالتعرف عليك، في الواقع وكما ترا لدينا مشكلة صغيرة .... بل كبيرة ونحتاج إلى مساعدة بسيطة منك
وبلفتة يد المخرج قدم كاتب السيناريو مجموعة أوراق لإيفان بصمت بينما يكمل المخرج كلامه: قرر أحد الممثلين الداعمين الانسحاب في هذا الوقت الحرج ونحن بأمس الحاجة إلى بديل، لكن لا نملك الوقت الكافي للبحث عنه، وقد لاحظت أنك تناسب الدور من حيث المظهر والشخصية، لذا هل يمكنك مساعدتنا بتأدية هذا الدور؟
نظر إيفان إلى مجموعة الأوراق أمامه ثم إلى المخرج الذي يكاد يرى ذيله يرفرف بسرعة
وبتعبيرٍ جاد، ونبرة حازمة دون أدنى تردد قال : ....
لا
مرت لحظة صمت بين الثلاثة في الغرفة الصغيرة الهادئة
أطلق المخرج ضحكة صغيرة وهو يفرك أذنه بإصبعه الخنصر بينما يقول للكاتب الذي بجانبه: ههه أظن أن أذني مسدودة لم اسمع ما قاله بوضوح
ابتلع الكاتب ريقه وشعر بالتوتر، نظر إلى إيفان بنظرات جروٍ مهجور تحت المطر يطلب المساعدة
أشاح الأخير بنظراته نحو الأوراق مدعيًّا الغباء والجهل متجاهلًا وخز ضميره
أطلق تنهيدة صغيرة وسأل المخرج بنبرة يشوبها التوسل: هل يمكنني المغادرة الآن؟
لكن المخرج الذي سقط في هاوية اليأس مجددًا لم يسمعه، وبقي ينظر إلى الأوراق أمامه بذهول
تولى الكاتب مسألة إقناع إيفان، وقدم اقتراحاً عله يغير رأيه: ما رأيك أن تجرب الأمر أولًا فلن تخسر شيئًا وبل قد يعجبك الدور؟
شعر إيفان بالحرج فلم يقع في موقفٍ كهذا من قبل، لم تكن بيده حيلة سوى الرفض مرارًا وتكرارًا، حتى أنه حاول اقتراح بدائل قد تعينهم على حل مشكلتهم هذه
فجأة وقف المخرج مما أفزعهما، رفع نظارته بإصبعه الإبهام وقال: خمسة آلاف دولار للحلقة الواحدة، ما رأيك؟
اتسعت عينا الكاتب واعترض فورًا: إن راتب الممثل الفرعي لا يتجاوز الألفين، هذا المبلغ كبير!
إيفان: موافق!
.
.