الفصل الأول: عالم بلا ألوان

كان المطر يتساقط بهدوء، قطراته تطرق نافذة الغرفة الصغيرة بإيقاع رتيب، كأنها تحاول كسر الصمت الثقيل الذي يملأ المكان. خلف تلك النافذة، كانت المدينة تعج بالحياة؛ أضواء متلألئة، شوارع مزدحمة، أصوات ضحكات وضجيج أبواق السيارات، عالم يتحرك بلا توقف… لكنه بالنسبة له لم يكن أكثر من صورة مشوشة، لوحة بلا معنى.

أمير جلس على سريره المتهالك، ظهره محني قليلًا، وعيناه مثبتتان على شاشة الهاتف الذي يعرض إحدى حلقات ون بيس. لم يكن يشاهده بفرح أو حماس، بل بشيء أقرب إلى الهروب. في ذلك العالم، كان هناك مغامرون يضحكون، يقاتلون، يواجهون الأخطار بلا خوف… بينما هو؟ لم يكن أكثر من شخص ميت يتنفس.

رفع رأسه قليلًا لينظر إلى سقف الغرفة المتشقّق. كم مر من الوقت منذ آخر مرة شعر فيها بالسعادة؟ لا يتذكر. ربما لم يشعر بها قط.

ذكريات البؤس

حياته كانت سلسلة من الخيبات، كأن العالم كله قرر أن يكون ضده منذ لحظة ولادته. لم يكن محبوبًا أبدًا، لا في البيت ولا في المدرسة. والداه؟ لم يكن لهما وجود حقيقي في حياته. والده رجل قاسٍ، بالكاد ينظر إليه، وعندما يفعل، لا يرى فيه إلا مصدر إزعاج. أما والدته، فلم تكن أفضل حالًا، غارقة في مشاكلها، ولم تهتم يومًا بما يشعر به.

كبر وهو يسمع كلمات مثل:

"لماذا لا تكون مثل ابن عمك؟"

"أنت بلا فائدة!"

"غباؤك لا حدود له."

كان الطفل الذي يتلقى الضربات من كل جانب، سواء بالكلمات أو الأفعال. في المدرسة، لم يكن الوضع مختلفًا، كان الهدف المفضل للمتنمرين. لم يكن قويًا ليرد، ولم يكن محبوبًا ليحميه أحد. أصدقاء؟ لا يوجد. كان يجلس وحيدًا في زاويته المعتادة، يراقب الأطفال الآخرين يضحكون، يلعبون، يعيشون… بينما هو عالق في الظلام.

تذكر تلك الليلة عندما عاد إلى المنزل بوجه مليء بالكدمات، بعد أن ضربه مجموعة من الطلاب في الشارع. عندما دخل، نظر إليه والده للحظة، ثم أدار وجهه كأنه لم يرَ شيئًا. لم يسأله ماذا حدث، لم يهتم حتى إن كان يتألم.

في تلك الليلة، أدرك حقيقة قاسية:

"أنا وحدي… دائمًا كنت وحدي."

الحياة؟ لا شيء سوى عذاب متواصل

مرت السنوات، ولم يتغير شيء. كل يوم كان نسخة عن اليوم الذي سبقه. استيقاظ بلا رغبة، يوم دراسي ممل، عودة إلى منزل بارد، ثم غرق في عالم الأنمي ليهرب من واقعه. لم يكن هناك شيء يستحق الانتظار، لا شيء يستحق القتال من أجله.

في سن الثامنة عشرة، كان مجرد شاب منهك، يحمل جروحًا غير مرئية، ويعيش على الهامش. فقد الأمل في أن تتغير حياته، فقد الحافز ليحاول حتى.

وقف أمام المرآة، ينظر إلى انعكاسه. عينان فارغتان، ملامح مرهقة، كأنه رجل عجوز محبوس في جسد شاب.

"هل سأظل أعيش هكذا للأبد؟"

لكن… ما معنى "العيش" أصلًا؟

إن كانت الحياة مجرد سلسلة من الأيام الرمادية، فلماذا يجب عليه أن يستمر؟ ما الفرق بين وجوده وعدمه؟

ضغط بقبضته على صدره، شعر بثقل رهيب يجثم على روحه. كانت الوحدة تقتله ببطء، تحطّمه من الداخل.

وفي تلك اللحظة… قرر.

اللحظة التي غيّرت كل شيء

خرج من المنزل تلك الليلة، لأول مرة بلا وجهة محددة. المطر كان يهطل بغزارة، لكن ذلك لم يوقفه. مشى بلا هدف، أفكاره تتشابك، صوته الداخلي يصرخ بأسئلة لا إجابة لها.

وجد نفسه واقفًا على جسر مرتفع، المياه المضطربة تحته تتدفق بقوة. وقف هناك، ينظر إلى الأسفل، قلبه ينبض ببطء، كأنه يهمس له:

"إنهاء كل شيء… سيكون سهلًا."

خطا خطوة للأمام، ثم…

"تنبيه: تم تفعيل النظام."

صوت غريب دوّى في رأسه، جعله يتجمد في مكانه. شعر بشيء غير طبيعي يحدث. الأرض تحته لم تعد ثابتة، الرؤية بدأت تتشوش، ودوامة من الضوء الأسود أحاطت به.

عالم جديد… ومصير جديد

في لحظة، اختفى كل شيء. لم يعد هناك جسر، لا مدينة، لا أمطار. فقط ظلام دامس، وشعور بالسقوط اللانهائي. حاول الصراخ، لكنه لم يستطع.

ثم…

فتح عينيه.

كان مستلقيًا على شاطئ رملي، الأمواج تلامس قدميه برفق. السماء زرقاء صافية، ورائحة البحر تملأ الهواء. رفع رأسه ببطء، ورأى أمامه سفينة ضخمة، وعلمًا مرسوم عليه جمجمة وقبعة قشية يرفرف مع الرياح.

"هذا… مستحيل."

لكنه كان هناك. في عالم ون بيس.

وهكذا… بدأت قصته الحقيقية.

2025/03/19 · 59 مشاهدة · 631 كلمة
Lucifer 👿
نادي الروايات - 2026