******
لم يكن أحد يتوقع أن يضحك لي تشي وهو يموت.
كانت الجبال الشمالية تحترق خلفه. ثلاث طوائف من فصائل العدالة أحكمت الحصار منذ الفجر، وحين جاء المساء لم يتبق من جيشه أحد. فقط هو، وسبع جراح عميقة، وبركة دم تتسع ببطء تحت قدميه.
"لي تشي."
صوت واحد تقدّم من بين الصفوف. رجل في الخمسين يرتدي رداء طائفة الجبل الأبيض، وجهه يشبه الصخر في صلابته وبرودته.
"سلّم زيز ربيع الخريف."
لم يجب لي تشي. نظر إلى الأفق حيث كانت الشمس تغرق في الجبال، وكأن في المشهد ما يستحق المشاهدة أكثر من رجل يطلب منه أن يستسلم.
تابع الرجل بنبرة أشد: "أربعمائة وثمانون سنة من المسيرة الشيطانية تنتهي هنا. أعطنا الغو وسيكون موتك سريعاً."
"أربعمائة وثمانون سنة وثلاثة أشهر وأحد عشر يوماً."
صوت لي تشي جاء هادئاً كصوت رجل يصحح خطأ عابراً في حسابات التجار.
"إذا كنتَ ستؤرّخ لموتي، فأرّخ له بدقة."
صمت لحظة قصيرة. ثم أضاف:
"وزيز ربيع الخريف ليست لك."
لم يكمل الجملة. في الحقيقة لم يكن ثمة ما يكمله. الغو كانت بالفعل تعمل، منذ دقائق، صامتة في أعماق جسده كبذرة تنتظر.
الشمس لامست قمة الجبل الأخير.
ابتسم لي تشي ابتسامة لم يرها أحد منذ خمسين سنة على الأقل.
"في المرة القادمة سأكون أكثر حذراً."
ثم انطفأت عيناه.
……
---
الحدود الشمالية بين طائفة النهر الأزرق وطائفة الجبل الأبيض لم تكن مكاناً يختاره أحد للعيش باختياره.
في الصيف كانت الأرض تشتعل بنزاعات الحدود. في الشتاء كانت تتجمد باتفاقيات هشة لا تصمد حتى الربيع. أما في ما بين الفصول، وهو الوقت الوحيد الذي يهدأ فيه كل شيء بشكل مؤقت، فكان يمكن أن ترى قرى صغيرة متناثرة كالغبار على طرفَي الحد، تحيا ولا تحيا، تنتمي ولا تنتمي.
في إحدى هذه القرى، في بيت لا يتميز عن جيرانه بشيء، وُلد طفل في ليلة شتائية باردة.
لم يكن مولده حدثاً. لم يكن في القرية من يحتفل بمواليد مجهولي الأصل.
المرأة التي وجدته على عتبة بيتها في تلك الليلة لم تسأل كثيراً. عيناها فحصته بسرعة، تأكدت أنه يتنفس، ثم أدخلته دون أن تقول كلمة.
اسمها كان سيدة تشن. أرملة منذ سنوات، تعيش بالغو الصغيرة التي زرعتها شباباً وبقايا ما تجمعه من أعمال بسيطة. لم تكن تحتاج فماً إضافياً. لكنها أدخلته.
الطفل لم يبكِ تلك الليلة.
لاحظت سيدة تشن هذا ولم تقل شيئاً. الأطفال الذين لا يبكون عادةً يكونون إما مرضى، أو مختلفين. هذا لم يبدُ مريضاً.
نظر إلى السقف بعينين مفتوحتين في الظلام، وكأنه يحسب شيئاً ما.
……
في اليوم الأول، استيعب لي تشي حقيقته بالكامل.
جسد جديد. أصغر من أن يتحرك بإرادة، أضعف من أن يفعل شيئاً. حواسه محدودة، وعضلاته لا تستجيب لأوامر عقل عاش قرابة خمسمائة سنة.
لكن العقل بقي. الذاكرة بقيت. كل سنة من السنوات الأربعمائة وثمانين بقيت.
وهذا كان يكفي.
لم يشعر لي تشي بشيء يشبه الامتنان أو الفرحة. الولادة من جديد لم تكن هبة، كانت أداة. زيز ربيع الخريف لم تكن معجزة، كانت غو مرتبة السابعة تؤدي وظيفتها كما ينبغي لكل غو أن تفعل.
السؤال الوحيد الذي يستحق التفكير: ما الوضع الذي وُلد فيه، وكيف يستغله؟
في اليوم الثالث بدأ يفهم المحيط.
صوت المرأة. طريقة خطوها. الأصوات القادمة من الخارج. رائحة الهواء حين تُفتح النافذة.
هذا المكان على الحدود. ليس في عمق أراضي طائفة، ليس في عاصمة أي قوة. مكان بين مكانين، لا أحد يدّعي ملكيته بشكل حاسم.
في الحياة السابقة كان لي تشي يعرف هذه المناطق. يعرف ما تعنيه.
القرى الحدودية لا تنتمي لأحد، وهذا يعني شيئاً واحداً: أي طفل يولد فيها لا تصنّفه الطوائف ولا تطالب به. إنه خارج سجلاتها حتى يُثبت وجوده بنفسه.
هذا جيد، فكّر لي تشي.
البداية من الصفر أفضل من البداية مثقلاً بتوقعات.
……
كبر لي تشي بسرعة لافتة في السنوات الثلاث الأولى.
ليس من الناحية الجسدية، فالجسد يكبر بمعدّله الطبيعي ولا حيلة في ذلك. لكن من الناحية التي تهم: القراءة، والفهم، والملاحظة.
سيدة تشن لاحظت. كانت تلقي عليه جملة عابرة وتجد في عينيه شيئاً لا تعرف تسميته. ليس ذكاءً عادياً. شيء أعمق من ذلك، كأن هناك شيخاً يسكن في جسد طفل.
في يوم من أيام الخريف، حين كان عمره ثلاث سنوات تقريباً، دخلت عليه فوجدته يحدّق في مرآتها الصغيرة المشققة بتعبير لم تره من قبل على وجه طفل.
"ماذا ترى؟" سألت دون أن تفكر.
أجابها دون أن يلتفت:
"أرى وقتاً ضائعاً."
غادرت الغرفة دون أن ترد.
……
في السنة الرابعة تغيّر شيء في المنطقة.
طائفة النهر الأزرق أعلنت ضمّ ثلاث قرى حدودية لنطاقها الرسمي. ردّت طائفة الجبل الأبيض بتحريك حراسها نحو الشمال. في أسبوع واحد تحوّلت القرية الهادئة إلى ممر عسكري مؤقت.
جنود من الطرفين يمرون كل يوم. بعضهم يشتري الطعام، وبعضهم يأخذه دون أن يسأل. الناس يغلقون أبوابهم في وقت مبكر.
سيدة تشن كانت تريد المغادرة. لكن إلى أين؟
رآها لي تشي تجلس ليلة وتحسب ما تملك بوجه متعب.
قال لها وهو لا يزال في الرابعة من عمره:
"لا تبيعي غو العلاج."
توقفت عن الكتابة ونظرت إليه.
"الجنود سيحتاجون علاجاً. من الطرفين. من لا يعرف لأي طرف تنتمين سيدفع. وأنتِ لا تنتمين لأحد."
ظلت تحدق فيه وقتاً طويلاً.
ثم قالت بصوت لا يكاد يُسمع: "من أين لك هذا الكلام؟"
لم يجب.
لكنها فعلت ما قاله.
وفي الأشهر التالية كان بيتها أكثر بيوت القرية أماناً، لأن الجنود المجروحين من الطرفين كانوا يعرفون طريقهم إليه، ولم يكن أحدهم يريد أن يخسر هذا المكان بإيذاء صاحبته.
لي تشي راقب هذا كله من نافذته الصغيرة.
الموارد قليلة، والخطر كبير، والوقت هو الأثمن. هذه كانت معادلة حياته السابقة كاملة. لم تتغير. فقط تغيّرت أرقامها.
……
في السنة الخامسة، جاء رجل إلى القرية يبحث عن شيء.
لم يكن جندياً ولم يكن تاجراً. ارتداؤه لرداء بسيط لم يخدع لي تشي، لأن لي تشي رأى في حياته الماضية ما يكفي من سيود الغو المتخفين ليعرف طريقة وقوفهم.
هذا الرجل كان سيد غو من المرتبة الثانية على الأقل. ربما الثالثة.
كان يسأل عن أطفال غير عاديين في المنطقة.
الناس أجابوه بنفي مريح. لا أحد يريد أن يُسلم طفلاً لأحد في هذه الأوقات.
لكن لي تشي جلس خلف الباب المغلق وفكّر.
طائفة تبحث عن موهوبين. هذا يعني شيئاً من اثنين: إما أنهم يبنون قوتهم لمعركة قادمة، أو أنهم يخسرون عدداً كبيراً من مزارعيهم ويحتاجون إلى تعويض.
في كلتا الحالتين، لا يريد لي تشي أن يُكتشف الآن.
ليس لأنه خائف. بل لأن التوقيت خاطئ.
طفل في الخامسة لا يملك شيئاً بعد. لو انضم لطائفة الآن فسيكون في الأسفل، مديناً بكل شيء لها، يبني بطريقة يحددها غيره. هذا مسار يعرف نهايته جيداً.
أخفى نفسه حين مرّ الرجل أمام البيت. جلس في الزاوية البعيدة وأبقى تنفسه منتظماً وهادئاً.
مرّ الرجل.
لم يتوقف.
……
في ليلة تلك السنة، بينما كانت سيدة تشن نائمة، فتح لي تشي عينيه في الظلام وحدّق في السقف.
أربعمائة وثمانون سنة من الخبرة في رأس لا يتجاوز الخامسة.
بدأ يرتّب.
ما يعرفه عن هذه المنطقة: الحدود بين طائفتين متحاربتين. البقعة التي يقف فيها كانت في حياته الماضية منجم غو طبيعي صغير لم تكتشفه أي طائفة. لا يزال على الأرجح هناك، تحت الأرض، ينبض ببطء.
ما يعرفه عن وضعه: لا اسم رسمي، لا عشيرة، لا غو. جسد في الخامسة لن يستطيع الزراعة قبل سنتين أو ثلاث.
ما يحتاجه: الوقت، والغذاء، والخفاء.
ما يملكه: ذاكرة تحتوي على مواقع كنوز لم تُكتشف بعد، وأسرار طوائف يجهلها أصحابها أنفسهم، وخمسة قرون من فهم طبيعة البشر.
المعادلة ليست صعبة.
الصعوبة الوحيدة هي الصبر. والصبر لم يكن مشكلته يوماً.
أغمض عينيه.
"حسناً."
الكلمة قالها لنفسه في صمت التام.
"لنبدأ."
---
*[يتبع في الفصل الثاني]*