آندي، ذلك الفتى الذي لا يلفت الأنظار كثيرًا. في السادسة عشرة من عمره، كانت حياته مليئة باللحظات الصامتة التي لم يُلاحظ فيها أبدًا. كان دائمًا حاضرًا، دائمًا مبتسمًا، يحاول أن يكون لطيفًا مع الجميع، لكن شيئًا ما كان مفقودًا. كان يحاول أن يثبت نفسه، أن يكسب ودّ الآخرين، ولكنه كان يشعر دائمًا بأن هناك حاجزًا بينه وبينهم، حاجزًا من صنعه هو. كان يعتقد أن الناس يحتاجون إلى تلك القشرة السطحية من اللطف كي يلاحظوه، وأنه إذا كانت نواياه صافية وابتسامته دافئة، فلابد أن ذلك سيكون كافيًا ليصبح جزءًا من حياتهم.
ولكن لم يكن الأمر كما تصور. كانت نظرات أصدقائه تمر به وكأنها لا تراه، كانت كلماتهم تتسلل إلى أذنه ولا تترك سوى صدى فارغ في قلبه. كان يشعر وكأن هناك جدارًا غير مرئي يفصل بينه وبين العالم من حوله. حتى عندما حاول أن يتواصل، كان هناك دائمًا ذلك الشعور الثقيل الذي يعانده. كان يعبر عن نفسه، ولكن وكأن الكلمات لا تصل.
آندي لم يكن مختلفًا عن أي مراهق آخر، كان لديه أحلام وطموحات، وكان يطمح أن يكون له مكان في عالمه. لكن شيئًا ما في داخله جعله يشعر بأنه لا ينتمي، وأنه مجرد مشهد عابر في حياة الآخرين. ربما كان السبب في ذلك هو أنه لم يجد أحدًا يفهمه. لم يكن أحدًا يبحث عنه حين يحتاج المساعدة، ولا أحد يهتم حقًا إذا كان بخير أو لا. كان يرى أصدقائه يتواصلون بشكل طبيعي، يعيشون لحظاتهم، بينما هو يبقى في الزوايا المظلمة، يراقب الجميع بلا صوت.
ومع مرور الأيام، بدأ آندي يشعر بأن هذا الفراغ الذي يعيشه ليس مجرد شعور مؤقت، بل هو جزء من كيانه. أصبحت الوحدة ثقيلة على قلبه، وسرعان ما تحول الشعور بالحزن إلى شيء أقوى، إلى الاكتئاب. لم يكن المرض مجرد جسدي، بل كان عاطفيًا أيضًا، وكأن جسده بدأ يتآكل من الداخل. تحولت غرفته إلى عالمه الوحيد، وأصبح يبتعد عن الجميع أكثر فأكثر. وكلما ازدادت المسافة بينه وبينهم، ازدادت عزلته، وأصبحت الوحدة ملجأه الوحيد.
في إحدى الليالي، بينما كان يعاني من ألم حاد في صدره، شعر بشيء غريب يحدث. لم يكن ذلك مجرد ألم جسدي، بل شعورٍ وكأن روحه كانت تتحطم ببطء. كانت أفكاره تتلاشى كما لو كانت تتناثر في الفراغ. شعر فجأة وكأن الكون بأسره كان يبتعد عنه، وأنه يسقط في هوة مظلمة بلا نهاية.
ثم، في لحظة واحدة، أغشي عليه. سقط على الأرض دون أن يشعر بما يحدث حوله. كان كل شيء ضبابيًا، وكل شيء يتلاشى.
عندما استفاق، وجد نفسه في مستشفى.
لم يتذكر كيف وصل إلى هنا. كان كل شيء محاطًا بالصمت، لكن في زاوية الغرفة كانت والدته، جالسة بجانبه، تبدو شاحبة وعينها مليئة بالدموع. وكان والده واقفًا بجانبها، ممسكًا بيده، لكنه كان يبدو غير قادر على قول شيء.
"آندي... الحمد لله أنك بخير، نحن هنا معك، لا تقلق!" قالت أمه، وهي تقبّله على جبينه بحنان.
لكن هناك شيء غريب في هذه اللحظة. كان يحدق في وجههما، ويحاول استرجاع الذكريات، لكنه لم يكن قادرًا على تذكر أي شيء بوضوح. كان هناك شعور غريب يملأ صدره، شعور بالفراغ التام. كان يفتقد شيئًا مهمًا، شيئًا لم يتمكن من تحديده.
ثم تذكر... لا أحد من أصدقائه جاء لزيارته. لا أحد! لم يسأل أحد عن حاله، لم يشعر أحد بغيابه. هل كان حقًا لا يعني شيئًا لهم؟ كانت هذه هي الفكرة التي راحت تطارد عقله. شعور رهيب بالخذلان اجتاح قلبه. لماذا لا يهتم به أحد؟ لماذا لا يراه أحد؟ كانت الأسئلة تتراكم في ذهنه مثل أمواج البحر التي لا تتوقف.
في تلك اللحظة، أدرك آندي أن فقدانه للذاكرة لم يكن مجرد حادث. كانت تلك بداية سقوطه إلى مكانٍ مظلم في داخله، مكان ستتغير فيه كل أفكاره. كان على أعتاب اكتشاف شيء أكبر بكثير مما كان يتخيله، شيء قد يغير مجرى حياته بالكامل. كان على وشك أن يسقط في عالمٍ لا يعرفه، حيث ستختبره الأقدار بطريقة لم يتوقعها أبدًا.