في غرفة مظلمة، على سريرٍ بارد، كان آندي جالسًا في صمتٍ طويل. عيناه الثاقبتان تحدقان في المذكرة الصغيرة التي كان قد اكتشفها لتوه. كانت المذكرة التي طالما خبأها في مكانٍ بعيد عن الأنظار، حتى عن نفسه. كانت قديمة، أطراف صفحاتها مهترئة قليلاً، لكنها لا تزال تحتفظ برائحة الماضي. أمسك بها بحذر، قلبها بين يديه وكأنها كنز ضائع، ثم فتحها ببطء.
كان قد نسى تمامًا أنها كانت موجودة، نسى أنها كانت شاهدة على الأيام التي مر بها في صمت، عندما كانت كلماته تتحول إلى خيوط من الحزن. حروفه على تلك الصفحات كانت تحمل أسرارًا لا أحد يعرفها، حتى هو نفسه لم يكن يصدق أنها تخصه في يوم من الأيام.
أخذ نفسًا عميقًا، ثم بدأ بقراءة أول صفحة.
"اليوم كان كالعادة. ابتسمت في وجههم، لكنني شعرت بأنني غريب في وسطهم. كانوا يتحدثون مع بعضهم، يضحكون، وأنا مجرد مراقب. أحيانًا أتساءل إذا كنت هنا حقًا. إذا كان وجودي يعني شيئًا. أريد فقط أن يلاحظني أحد، أن أكون جزءًا من هذا العالم. لكن... يبدو أنني لست سوى شبح عابر في حياتهم."
كانت الكلمات بسيطة، لكنها كانت مؤلمة. كل كلمة كانت تشعره وكأنها سيف يخترق قلبه. كيف لم يعرف من قبل أن وحدته كانت بهذا الحجم؟ كيف لم يكن يدرك كم كان يختنق وهو يحاول أن يكون شخصًا آخر، شخصًا يتوافق مع توقعات الآخرين؟ كانت هذه المذكرات هي مرآة حياته الحقيقية التي كانت مختبئة خلف ابتساماته اللامبالية.
"لماذا لا يلاحظني أحد؟ لم أعد أستطيع تحمل هذا الشعور. قلبي يتألم كلما مررت بجانبهم، وكلما شاهدتهم يضحكون معًا. هل سيأتي اليوم الذي أفهم فيه ماذا يعني أن أكون جزءًا منهم؟ أم أنني سأبقى دائمًا في الظل؟"
آندي قرأ هذه الكلمات ببطء، كأن كل حرف كان ينبض بمشاعره المخبأة التي كان يرفض مواجهتها. الدموع كانت تتجمع في عينيه، لكنّه لم يشعر بالخجل. كانت تلك اللحظة بمثابة عملية تطهير لروحٍ منهكة. لقد اختار أن يخفي حزنه لأشهر، بل لسنوات، لكنه الآن لم يعد يستطيع التهرب منه.
"اليوم شعرت أنني لا أستطيع التنفس. كلما ابتسمت، شعرت أنني أخدع نفسي. الوحدة أصبحت جزءًا مني. كيف أعيش وأنا أشعر أنني لا أستحق شيئًا؟ لا أستحق أن أكون سعيدًا، لا أستحق أن يكون لي أصدقاء. في كل مرة أطلب منهم أن يقضوا وقتًا معي، يبتعدون. هل هذا ما أستحقه؟"
هنا، توقفت يده. كانت الكلمات قد أصبحت أكثر حدة، أكثر صدقًا. كان يلاحظ الآن كيف كان يعذب نفسه طوال تلك السنوات. كل يوم كان يضع قناعًا في وجهه، حتى يظن الآخرون أنه بخير، ولكن داخله كان ينهار.
كان قلبه يزداد ثقلًا مع كل كلمة يقرأها. لم يكن يعرف كيف يمكن أن يكون ذلك ممكنًا: كيف أن هذه الحياة كانت قد مرّت عليه بهدوء، وكأنه كان يغمض عينيه عن الحقيقة. "كنت أعيش وهمًا"، همس في نفسه. كان كل هذا الألم الذي عايشه يبدو الآن أكثر وضوحًا، وكأن النور قد انكشف فجأة.
"لكن ماذا لو لم أكن مجبرًا على البقاء في الظل؟ ماذا لو كنت أستطيع أن أغير كل شيء؟"
تلك الكلمات التي كتبتها يداه في الماضي، والدموع التي كانت تملأ عينيه الآن، كانت تخلق داخل آندي شعورًا غريبًا. شيئًا جديدًا. شيئًا لم يشعر به من قبل. لم يكن يعلم إذا كانت هذه اللحظة هي نقطة التحول في حياته، أم أنها مجرد مرحلة عابرة. لكنه كان يعلم شيئًا واحدًا: كان حان الوقت لأن يتغير.
أغلق المذكرة، ثم وضعها على الطاولة بجانبه. كانت تلك اللحظة بمثابة مفترق طرق، نقطة فاصلة بين الماضي الذي كان يعيشه، والمستقبل الذي كان يتخيله الآن. لم يكن يريد أن يظل الشخص الضعيف الذي كان. لم يعد يريد أن يكون مجرد ظل في حياة الآخرين. كانت تلك اللحظة بداية لانقلاب كامل في كيانه. لم يعد يرضى بالوضع الذي كان فيه. لم يعد يريد أن يكون ذلك الفتى الذي يتجاهله الجميع.
نظر إلى نفسه في المرآة. كان يراه بشكل مختلف. كان يرى شخصًا قويًا، قادرًا على تغيير مصيره. كان يرى نفسه وكأنه أعاد بناء نفسه قطعة قطعة، ليصبح شخصًا آخر. شخصًا لن يُهمل أبدًا مرة أخرى.
"لن أكون ذلك الشخص الضعيف بعد الآن. لن أسمح لهم بأن يتجاهلوني بعد اليوم. سأنتقم من كل من خانني، من كل من تركني في الظلام."
كانت هذه الكلمات التي تمتم بها آندي وهو يغمض عينيه، يستنشق هواءً جديدًا وكأن روحًا جديدة قد دبت في جسده. كان يحس بشيء غريب يغلي في داخله، وكأن العواصف تشتعل في قلبه، وكأن لهيب الانتقام يشتعل في ذهنه.
لكن آندي لم يكن يعرف أن قراره هذا سيغير كل شيء.
لقد اتخذ طريقًا مظلمًا، طريقًا قد لا يقدر على العودة منه. كان قد بدأ في السعي وراء شيء لا يعرفه تمامًا، لكنه كان يشعر بشغف غريب به، كما لو أن مصيره قد تحدد. ولكن... هل كان يعي تمامًا ما يفعله؟ هل كان مستعدًا للعواقب التي قد تلاحقه؟
كل هذه الأسئلة كانت تلوح في ذهنه، لكنه لم يكن يملك الإجابة. كان كل ما يعرفه أن شيئًا جديدًا قد بدأ، وأنه لن يتوقف حتى يصل إلى هدفه. لن يظل آندي نفسه بعد اليوم.