آندي استفاق في صباح اليوم التالي وهو يلتقط نفسًا عميقًا، محاولًا إخفاء أثر الضعف الذي بدأ يشعر به داخل قلبه. على الرغم من أنه كان يعاني من حالة من الفراغ الداخلي، إلا أن هنالك قرارًا واحدًا بدأ يفرض نفسه على ذهنه: يجب عليه التغيير.
قبل الحادث الذي أفقده ذاكرته، كان يشعر دومًا أنه عالق بين رغبته في تحسين نفسه وبين واقعه الذي لا يرحم. كان يحاول جاهدًا أن يكون محبوبًا وأن يحظى بعلاقاتٍ قوية مع أصدقائه، لكن في النهاية كان يظل وحيدًا، تائهًا في دائرةٍ من المشاعر التي لا يستطيع فك طلاسمها. لكن اليوم، وبعد أن مر بتجربة مريرة تركت في نفسه ندوبًا، أدرك أن مفتاح التغيير يكمن في نفسه هو فقط.
في تلك اللحظات التي كانت حياته في مهب الريح، قرر أن يعيد بناء نفسه من جديد. قرر أن يتوقف عن كون ذلك الشخص الذي يلاحق السعادة من خلال الآخرين. "سأمنح نفسي السعادة"، قالها آندي بصوت خافت، وهو ينظر إلى المرآة.
لم يكن يعرف بعد كيف سيحقق ذلك، ولكنه كان يعلم أن المسألة لا تتعلق بالبحث عن معاملة أفضل من الآخرين أو العثور على شخص يهتم به. كان يجب أن يبدأ من داخله، ليكتشف معنى السعادة التي طالما افتقدها.
بدأت ملامح آندي تتغير في تلك الأيام. بدلًا من الشخص الخجول الذي يبتسم لكل من حوله، أصبح أكثر برودة، أقل اهتمامًا بما يجري من حوله. لم يعد يقيم أي وزن لآراء الآخرين، بل أصبح يهتم بما إذا كان يشعر براحة في قراراته الخاصة. كان في نظر نفسه يُعتبر شخصًا جديدًا، شخصًا لا يراهن على الآخرين ليشعر بالأهمية.
أصبح أكثر تنظيمًا في حياته. بدأ يخطط لأيامه بشكل دقيق، يحدد مهامه، ويترك أقل قدر ممكن من الفوضى يتسلل إلى يومه. أصبح لديه جدولٌ يوميٌ لا يتجاوز التزاماته فيه، وبسرعة بدأ يرى آثار هذه التغييرات على نفسه. تحول تدريجيًا إلى شخص آخر، ليس فقط في تصرفاته، بل في مشاعره وأفكاره أيضًا.
وبالرغم من أنه كان يرى نفسه أقوى، وأشد تصميمًا من قبل، لم يكن يستطيع التخلص من الشعور الذي يطارده في الداخل، ذلك الشعور بالوحدة العميقة. لكن الآن، لم يعد يسعى وراء علاج تلك الوحدة من خلال الآخرين. قرر أن تكون الوحدة هي فرصته لتقوية نفسه. "لن أكون ضعيفًا بعد الآن"، قالها لنفسه وهو يتأمل الحياة من حوله.
في إحدى الليالي، وهو جالس في غرفته يراجع أوراقه، دخلت والدته لتطمئن عليه. كانت تراقب هذا التغيير الذي طرأ عليه منذ الحادث. "أنت بخير؟" سألتها بصوتٍ مليء بالقلق.
نظر إليها آندي للحظة، ثم قال بهدوء: "نعم، بخير. أنا فقط... أحتاج بعض الوقت."
"هل تود التحدث عن شيء؟" سألته.
أجابها وهو يرفع حاجبيه بتساؤل: "لا، لا شيء." ثم عاد للتركيز في أوراقه. لم يكن يود فتح قلبه أمام أي شخص، حتى وإن كانت والدته.
مرت الأيام وأصبح آندي أكثر انعزالًا. كان يذهب إلى المدرسة ويعود مباشرة إلى المنزل. لا حديث مع أحد، لا تفاعل مع الأصدقاء الذين كانوا في يوم من الأيام جزءًا من حياته. ومع ذلك، بدأ يشعر بشيء غريب، لم يكن الحزن ولا الفرح، ولكنه شعور بالسكينة التي لم يعرفها من قبل.
كان يركّز أكثر على دراسته، مبدأه الجديد كان "العمل أولًا، المشاعر لاحقًا". كان يرى في هذا النظام طريقًا للنجاة من مشاعره المزعجة التي كانت تسيطر عليه سابقًا. "المشاعر مجرد إلهاء"، كان يكرر ذلك لنفسه في ذهنه، كلما راودته فكرة عن أصدقائه أو عن الماضي.
في مساء أحد الأيام، قرر آندي أن يقيم تحديًا لنفسه. "إذا كنت حقًا لن أكون ضعيفًا، فلابد أن أواجه قراراتي المحظورة"، فكّر. كانت تلك القرارات هي تلك التي كان يهرب منها منذ وقت طويل. كان يعلم أن أفضل طريقة لإيقاف هذه المشاعر المتصارعة هي مواجهة كل ما كان يحاول تجنبه.
أخذ ورقة وقلمًا، وبدأ في كتابة قائمة من القرارات التي كان يعتقد أنه لا يستطيع اتخاذها. قرارات صغيرة وكبيرة، كلها تهدف إلى تغيير طريقة تفكيره. منها قرارات قد تتعلق بكيفية التعامل مع الناس من حوله، وأخرى تتعلق بكيفية إبعاد نفسه عن الهشاشة العاطفية التي كان يشعر بها.
"القرار الأول: يجب أن أكون أكثر قسوة مع نفسي. لا مجال للتراجع."
أخذ نفسًا عميقًا وواصل الكتابة، وكل كلمة كانت تطبعها يده كان يشعر بها وكأنها حجرٌ ثقيل يسقط عن قلبه. "القرار الثاني: يجب أن أكون أكثر تحديدًا في أهدافي، ولا أضيع الوقت."
ومع مرور الوقت، أصبحت هذه القرارات المحظورة جزءًا من حياته اليومية، وكلما اتخذ خطوة نحو تحقيق أحدها، كان يشعر بمزيد من الهدوء الداخلي، وكأن تلك القرارات هي الطريقة الوحيدة ليكون آندي الشخص الذي يريد أن يكونه.
وفي تلك اللحظة، شعر بشيء جديد ينمو داخل قلبه. لم يكن سعادة، بل كان نوعًا من السلام الداخلي الذي لم يعرفه من قبل. لم يعد آندي الشخص الذي يعيش في ظل الآخرين أو يسعى وراء إعجابهم، بل أصبح شخصًا يسعى وراء نفسه فقط، ليتحكم في مصيره.