في تلك الليلة الهادئة، كان آندي يسير بمفرده على الطريق المظلم الذي يؤدي إلى منزله. كانت السماء صافية تمامًا، والأضواء الباهتة للنجوم تملأ الأفق، مما جعل كل شيء يبدو صامتًا وعزلاً. كانت الرياح العليلة تمر بين الأشجار، وتلامس بشرتة برقة كما لو أنها تحاول أن تخبره بشيء. كان يسير ببطء، يحاول التفكير في كل شيء، لكن عقله كان مشوشًا تمامًا. منذ أن فقد ذاكرته، شعر دائمًا بأن هناك شيئًا مفقودًا، لكن لا يعرف ما هو.
كان يشعر بأن شيءًا ما يعكر صفو حياته، شيء كان يظن أنه قادر على تذكره، لكنه دائمًا كان يهرب منه. كان يسير بخطوات ثقيلة، وكأن عبئًا ثقيلًا يثقل قلبه. لم يكن يعرف إن كان ذلك الشعور ناتجًا عن فقدان الذاكرة، أم عن شيء أكبر من ذلك. ولكن في تلك اللحظة، كان يشعر بشيء مختلف. كأن كل النجوم التي تزين السماء تراقب كل حركة يقوم بها، وكأن الكون بأسره ينتظره ليفهم شيئًا قد يغير مجرى حياته.
عينيه معلقتان بالسماء الواسعة، كان ينظر إلى كل نجمة، وكل ضوء يلمع هناك. شعر كما لو أن كل نجمة كانت تحمل ذكرى ما، ذكرى لشيء كان له في الماضي، لكنه لم يعد يستطيع أن يتذكره. كان يمر بتلك اللحظات التي تترك في قلبه شعورًا غريبًا، كأن جزءًا من روحه فقد في حادث غير معلوم.
ثم، فجأة، كان هنالك شعور يراوده، شعور عميق في أعماق عقله، كما لو أن هناك شيئًا مهمًا قد نسيه. لكنه لم يعرف ما هو ذلك الشيء. كان الأمر محيرًا، كأنما يحاول تذكر اسم شخص أو مكان عزيز عليه، لكن عندما يحاول تخيل الملامح أو الأصوات، كل شيء يتلاشى. لا شيء يظهر في ذهنه سوى فراغ كبير يبتلع كل محاولة لفهم ما يدور حوله.
وفي تلك اللحظة، حينما كان يمشي وحده في الظلام، شعر بشيء غريب يمر عبر عقله، شعور لم يسبق له أن شعر به من قبل. كان الصوت في أعماقه واضحًا تمامًا، وكأن شخصًا آخر يتحدث إليه. ليس صوتًا خارجيًا، بل شيء ينبعث من داخل ذاته، من أعماق ذهنه.
"هناك شيء يجب أن تكتشفه في الأيام القادمة."
وقف آندي فجأة، قلبه ينبض بسرعة، والأصوات من حوله تزداد غموضًا. كان يقف هناك، عاجزًا عن تحديد إن كان الصوت الذي سمعه هو مجرد هذيان، أم هو تحذير من شيء قد يحدث قريبًا. كانت الليلة صامتة، ولكن شعورًا غريبًا كان يتسلل إلى قلبه، شعور بأن هناك شيء غير مرئي يتربص في الظلام.
"ماذا؟" همس لنفسه، محاولًا فهم ما كان يحدث. "هل هذا عقلي يتلاعب بي؟ أم أنني حقًا على وشك اكتشاف شيء؟"
كانت السماء تبدو مظلمة أكثر من المعتاد، كما لو أن السحب السوداء بدأت تتجمع ببطء حول النجوم البعيدة. ولكن آندي كان يشعر بأن هناك شيئًا آخر يحدث. شيء كان بعيدًا عن أن يفهمه الآن. كان هناك شيء ضائع في ذاكرته، شيء كان مهمًا، ولكن ذاكرته كانت ترفض السماح له بتذكره.
لكنه لم يترك نفسه يغرق في الشكوك. قرر أن يواصل سيره في الطريق الهادئ، خطواته أصبحت أكثر ثقلاً كما لو أن الأرض نفسها كانت تحاول أن تخفيه في الظلال. كانت الأشجار حوله تسهم في تعزيز شعور الوحدة الذي كان يشعر به، وكأنها تراقب كل تحرك له. كانت الرياح تهمس في أذنه، لكن آندي لم يستطع أن يسمع ما كانت تقوله. كان عقله مليئًا بالأسئلة التي لا إجابة لها.
بينما كان يسير، بدأ الصوت في ذهنه يعود، ولكن هذه المرة كان أكثر إلحاحًا. "لن تكتشفه الآن... لكن الوقت سيكشف لك الحقيقة."
قفز قلبه في صدره، وازدادت دقات قلبه بشكل غير طبيعي. كانت تلك الكلمات تُشعره بالضياع والقلق، لكنها في الوقت نفسه كانت تملأه بشعور عميق من الفضول. ماذا تعني هذه الكلمات؟ ماذا كان يجب عليه اكتشافه؟ لماذا كان يشعر بأن الأيام القادمة تحمل شيئًا لا يمكنه الفرار منه؟
وكانت هذه اللحظة هي أول مرة يشعر فيها أن حياته ليست كما كانت قبل الحادث. كل شيء كان غريبًا، والماضي الذي فقده أصبح يمثل لغزًا كبيرًا يجب عليه حله. وربما، فقط ربما، كانت الأيام القادمة هي التي ستكشف له سر هذا الشخص الذي لا يعرفه. قد يكون هو نفسه، وقد يكون شخصًا آخر قد ارتبط به بطريقة ما.
وبينما كانت السماء تظلم أكثر والرياح تعصف من حوله، أدرك آندي شيئًا مهمًا. مهما كانت الإجابة على هذا اللغز، مهما كانت الحقيقة التي كان عقله يخبئها عنه، فإن الطريق الذي يسير عليه الآن لن يعيده إلى الوراء. كان قد أصبح على أعتاب شيء ما، شيء كان مخفيًا عنه منذ البداية.
ولكنه لم يكن يعرف شيئًا عن هذا الشيء. هل هو عقله يلعب به؟ أم أن الحقيقة ستكون أكثر صدمة مما يتصور؟ كل ما كان يشعر به هو أن شيئًا ما في الأيام القادمة سيكشف له أسرارًا كانت تدور حوله طيلة الوقت، لكن تلك الأسرار كانت مخفية في أعماق ظلام الليل.