كانت الأيام تمر ببطء على آندي، وكل يوم كان يشبه الآخر. رغم أنه كان يحاول التركيز في دراسته، إلا أن ذهنه كان أحيانًا مشوشًا بشكل غريب، كما لو أن الزمن نفسه قد انكسر في حياته. في البداية، كان يعتقد أن السبب هو فقدان ذاكرته، ولكن بعد فترة، بدأ يشعر أن هناك شيءًا أكثر تعقيدًا من مجرد نسيان لحظات معينة. في بعض الأحيان، كان يشعر وكأن الزمن لا يسير بالطريقة الطبيعية، كأنما كل شيء في حياته يتحرك بشكل غير متناسق، وكأنما هو عالق بين الماضي والحاضر، بين الذكريات المفقودة واللحظات الحاضرة التي يتشبث بها. لكن سرعان ما كان هذا الشعور يزول عندما يواجه تحدياته اليومية.

كانت اختبارات الدراسة قد بدأت، وكان آندي يستعد لها بجد. ورغم مشاعر القلق التي كانت تعتصر قلبه بين الحين والآخر، إلا أنه شعر بتحسن ملحوظ في أدائه. كل اختبار كان يمر به، كان يرى نفسه يحقق تقدمًا ملحوظًا في مستواه. كان يشعر بنوع من الرضا عندما ينجح في إتمام كل جزء من الاختبارات التي كانت تواجهه، ورغم مشاعره المتناقضة، بدا وكأن آندي بدأ يستعيد بعضًا من توازنه الداخلي.

ولكن، كان هنالك اختبار واحد كان يثير قلقه أكثر من البقية. كان اختبار اللغة الإنجليزية، حيث طلب المعلم من الطلاب التحدث عن موضوع معين: "تحدث عن ذكرياتك من طفولتك أو عن أشخاص تعرفهم." كانت الكلمات تطوف في ذهنه، لكن لا شيء من الذكريات كان يظهر. كيف يمكنه التحدث عن شيء لم يكن يتذكره؟ كيف يمكنه أن يناقش لحظات من الماضي الذي فقده تمامًا؟

بدأت الدقائق تمر بسرعة أمامه، وكان قلبه يزداد اضطرابًا. كان ينظر إلى الورقة أمامه، عاجزًا عن ملء الأسطر بأي كلمة ذات معنى. كان يعلم أن الجميع حوله قد بدأوا في الحديث عن ذكرياتهم الشخصية، قصصهم التي كانت مليئة بالألوان والمشاعر، أما هو فكان يشعر وكأن حياته فارغة تمامًا، وكان الشبح الكبير الذي يطارده هو ذلك الفراغ الذي لا يستطيع ملأه.

ثم، بينما كانت الدقائق تنقضي، شعر بشيء ما ينقر في ذهنه. كانت مذكراته التي كان قد بدأ كتابتها منذ فترة. ربما كانت تلك هي فرصته. ربما كانت الكلمات التي كتبها عن حالته، عن ذلك الفراغ الذي يشعر به في قلبه، هي التي يمكنه التحدث عنها.

أخذ نفسًا عميقًا، ثم بدأ في الكتابة. "أنا لا أذكر شيئًا من الماضي، ولا أستطيع أن أصف اللحظات التي كنت فيها سعيدًا أو حزينًا، لأنني لا أذكرها. ولكن ما يمكنني قوله الآن، هو أنني في هذا اللحظة أعيش في وقت مكسور. وقت لا يربطني به شيء سوى كلمات غريبة على ورقة فارغة. لا أستطيع تذكر أصدقائي، ولا ملامح الناس الذين كانوا حولي، وكل ما أملكه هو هذه الذاكرة المفقودة."

ومع كل كلمة كان يكتبها، كان يشعر بضغط أكبر في قلبه. كانت الكلمات تتدفق، لكن في كل سطر كان هناك جزء منه يختنق. كان يتحدث عن مشاعر فقدان لم يفهمها تمامًا، ولكنها كانت تزداد وضوحًا كلما كتب. ومع تذكره لكل ما كان يعانيه، أصبح الحزن يزداد في قلبه. لكن مع ذلك، شعر أن هناك نوعًا من الراحة في الكتابة، وكأن هذا كان أكثر من مجرد تعبير عن الحزن، بل كان محاولة لفهم نفسه.

بعد أن انتهى من الكتابة، نظر إلى الورقة. كانت القصة التي كتبها قد تكون قصيرة، ولكنها كانت عميقة ومؤثرة. لم يتوقع آندي أن يعجب الأستاذ بما كتب، لكنه شعر بشيء من الأمل عندما لاحظ أن المعلم كان ينظر إليه بإعجاب.

عندما جاء وقت تصحيح الأوراق، طلب المعلم من آندي أن يقرأ جزءًا من ما كتب. وعندما قرأه، كان هناك صمت قصير في الغرفة. كان الجميع ينظر إليه بدهشة، لكن المعلم كان الأكثر تأثرًا. "آندي، قصتك كانت مؤثرة للغاية. لم أكن أتوقع أن تكتب شيئًا بهذه القوة، رغم كل ما تمر به."

عندما أعاد المعلم الورقة إليه، كان آندي يرمق العلامة في أسفل الصفحة. كانت العلامة الكاملة.

شعر بشيء غريب وهو ينظر إلى العلامة. لم يكن متأكدًا مما يعنيه ذلك بالنسبة له، لكنه شعر أن شيئًا صغيرًا قد تغير في داخله. ربما كان ذلك التقدير ليس فقط بسبب كلماته، ولكن لأنه بدأ في التعبير عن شيء كان قد خسره – نفسه.

2025/01/25 · 7 مشاهدة · 632 كلمة
Ahmed keche
نادي الروايات - 2025