مرت الأيام، وآندي كان مذهولًا من تطور مستواه الدراسي. رغم أنه كان دائمًا طالبًا مجتهدًا، إلا أنه الآن كان يشعر بفرق كبير. علاماته في جميع المواد الدراسية كانت تقريبًا كاملة، وكل اختبار كان يمر به كان يحقق فيه أداءً أفضل من ذي قبل. حتى مع قلة التركيز الذي كان يشعر به أحيانًا، بدا أن ذهنه أصبح أكثر حدة، كما لو أن هناك شيئًا داخليًا قد تغير. لم يكن يستطيع تفسير ذلك، لكنه كان يشعر وكأن تحسنًا غير مفسر قد حدث له في الفترة الأخيرة.
في عطلة الأسبوعين التي حصل عليها، حاول آندي بكل جهده أن يتذكر ولو جزءًا صغيرًا من ماضيه، ولكن كل محاولاته باءت بالفشل. كان يقرأ مذكراته مرارًا وتكرارًا، وكأن الكلمات هي المفتاح الذي سيفتح له بوابة ذاكرته المفقودة. ولكن كلما تعمق في قراءتها، اكتشف شيئًا غريبًا: كان جزء من المذكرات ممزقًا. تمزق في جزء لا يتذكره، وكأن شيءًا أو شخصًا قد عبث بهذه الأوراق. كان هذا الجزء الممزق يشير إلى شيء كان من المفترض أن يكون ذا أهمية كبيرة. حاول أن يتذكر كيف تمزق هذا الجزء، لكن الذاكرة كانت محجوبة عنه تمامًا، وكأن هناك شخصًا ما أراد منه ألا يتذكر تلك اللحظات، أو أن ينسى شيء كان غارقًا في الظلال. لكنه لم يعطِ الأمر أهمية كبيرة، لأنه كان غارقًا في محاولاته اليومية لاستعادة جزء من نفسه.
وفي أحد الأيام، قررت عائلته أن تذهب في زيارة إلى منزل جده. كان جده في أواخر عمره، وكان عمره يقترب من قرن كامل. ورغم أن آندي لم يكن يتذكر الكثير عن جده، إلا أن شعورًا غريبًا اجتاحه عندما دخل المنزل. شعر بشيء غريب في قلبه، كأن هذا المكان وهذه اللحظات ليست جديدة عليه. كأنما هو قد عاش هذه التجربة من قبل، حتى لو كانت ذاكرته قد خانته.
دخل إلى غرفة جده، وفور أن رآه، شعر بشيء غير عادي. وقف جده، الذي كان يحمل آثار الزمن على وجهه، واحتضنه بشدة. كانت العاطفة واضحة في عينيه، وكأن السنين الطويلة لم تضعف تلك العلاقة. قبَّل جده جبينه بحنان، وقال له: "كنت لطيفًا جدًا معي، يا آندي. أذكر تلك الأيام التي كنا نكتب فيها معًا ذكرياتك الصغيرة، كنت دائمًا تبتسم وتكتب بكل حب."
فوجئ آندي بهذا الحديث. لم يتذكر تلك اللحظات، لكن مشاعر الحنين التي شعر بها جعلته يقف هناك عاجزًا عن الرد. كان جده يتحدث عن أشياء صغيرة جدًا، لكنه كان يتكلم وكأن كل كلمة كانت تحمل تاريخًا عاطفيًا مشتركًا بينهما.
استمر الحديث بينهما، وكان جده يسرد له تفاصيل عن الأيام التي قضياها معًا، وعن اللحظات التي لا يتذكرها آندي، ولكن كل كلمة كانت تلمس قلبه بشكل غريب. رغم أن ذاكرته كانت مشوشة، إلا أنه شعر بشيء عميق في قلبه، شيء كان يربطه بهذا الرجل العجوز.
بعد ذلك، التقى آندي مع أقاربه، مثل أولاد أخواله وخالته. كانوا يعاملونه بلطف، وكانوا يبدون وكأنهم يعرفونه منذ زمن بعيد. كان الجميع يتحدثون معه بحب، ولم يشعر بالاغتراب أو الغربة كما كان يشعر في أماكن أخرى. كان هناك شيء في طريقة تعاملهم معه جعلته يشعر بالانتماء، وكأن هذه هي العائلة التي كان ينتمي إليها طوال حياته.
وفي تلك الأثناء، قرروا جميعًا أن يلعبوا لعبة الغميضة. وعندما بدأوا في اللعب، كان الهواء المنعش يعطر المكان، وكان النسيم يمر بين الأشجار. في وسط هذه اللحظة، بينما كان يركض في الحديقة، ابتسم آندي لأول مرة منذ زمن طويل. كانت ابتسامته عفوية، وكأن شيئًا قد انفك في قلبه. ربما كانت هذه اللحظة هي المرة الأولى التي يشعر فيها بأن الحياة ليست مجرد سلسلة من الأيام المفقودة، بل إنها مليئة بالحظات التي يمكن أن يعيشها مرة أخرى، حتى لو لم يكن يتذكرها.
شعر آندي أن شيئًا ما في تلك اللحظة قد تغير داخله. ربما لم يكن قد استعاد كل ذكرياته، ولكن في تلك اللحظة، شعر بالراحة والطمأنينة التي طالما كان يفتقدها. كان يركض بين أقاربه، ضاحكًا، وكل ضحكة كانت تعني له أكثر مما يمكن أن يتصور.
وكانت تلك الابتسامة التي ارتسمت على وجهه، لأول مرة منذ فقدان ذاكرته، هي بداية جديدة في حياته.