في تلك الأيام التي كانت تمر ببطء، كانت الثانوية التي يدرس فيها آندي تخطط لتنظيم حفل تكريمي للطلاب المتفوقين. لم يكن مفاجئًا أن يكون آندي من بين هؤلاء المتفوقين. على الرغم من أنه كان دائمًا شخصًا مجتهدًا، إلا أن هذا التكريم حمل له معنى أكبر من مجرد مكافأة على النجاح الدراسي. كان شيئًا يشير إلى تحول ما داخل نفسه، ربما بداية لفهم شيء ما عن ماضيه المفقود.
في يوم الحفل، كان آندي يجلس بين أقرانه الذين كانوا، مثله، في قمة عزيمتهم لتحقيق المزيد من النجاح. كان الحفل منظمًا بدقة، والكل يتوقع إعلان الأوائل في الدراسة. في البداية، تم تكريم الطلاب الحاصلين على المركز الأول والثاني والثالث، وكان آندي صاحب المركز الخامس.
عندما نادى المنظم باسمه، وقف آندي من كرسيه وتوجه إلى منصة التكريم. لكن مع كل خطوة كان يخطوها، شعر بشيء غريب. كانت تلك الخطوات وكأنها قد مرّت عليه من قبل. لم يكن هذا مجرد موقف عابر. كان لديه شعور أن هذا السيناريو قد تكرر سابقًا، وكأن الزمن يعيد نفسه.
عندما وصل إلى مكان التكريم، امتدت يد معلمه ليتسلم منه شهادة التفوق. حمل آندي الشهادة في يده، وفي تلك اللحظة، شعر بنظرات الجمهور تتابعه. كان هناك شيء في عيون الحاضرين، شيء يعكس الفخر، ولكن أكثر من ذلك، كانت عيون والده التي تعكس اعتزازًا لا يوصف. كان يشعر بشيء مألوف في تلك اللحظة، شيء كان قد مرّ عليه من قبل.
أثناء تواجده على المنصة، تغمره مشاعر غريبة. يتذكر ذلك الفخر الذي كان يشعر به في تكريمات سابقة. تذكر تكريمات حصل عليها في أيام دراسته الابتدائية. كيف لم يكن ينسى تلك اللحظات؟ وكيف كانت الابتسامة لا تفارق وجهه في تلك الأيام البريئة؟ لا يدري كيف كان يمكنه تذكر تلك التفاصيل، ولكن تلك الصور كانت واضحة في ذهنه. وكلما كانت الذكريات تتداعى في ذهنه، شعر بشيء في قلبه يضغط عليه.
وتسقط دمعة من عينه، دمعة لم يستطع منعها. كانت تلك اللحظة مليئة بالحنين، وبالشعور بالفقدان. كيف يمكن أن يتذكر كل ذلك بينما هو لا يتذكر الكثير عن نفسه؟ كيف يمكنه أن يشعر بالارتباط بتلك اللحظات التي فقدت جزئًا كبيرًا من تفاصيلها؟
عندما عاد آندي إلى منزله، كان عقله مشوشًا. في طريق العودة، كان يفكر بعمق، محاولًا فهم كل ما مر به. هل ما يشعر به هو الحقيقة؟ هل هذه الذكريات التي تغمره الآن هي مجرد خيال من نسج عقله المشتت؟ كان يعلم في أعماقه أنه بحاجة لفهم كل شيء. عليه أن يتذكر كل شيء، لا فقط ما يختبئ في المذكرات الممزقة، بل أيضًا تلك اللحظات الضبابية التي تثير في قلبه مشاعر مألوفة لكنه لا يستطيع وضع يده عليها.
وفي تلك الفترة، عثر آندي على شيء غريب في غرفته. كان كتيبًا صغيرًا، يحمل رموزًا غريبة لم يتمكن من فك شفرتها. حاول البحث عن تفسير لتلك الرموز في الإنترنت، ولكنه لم ينجح. كان الكتيب يحتوي على علامات وأرقام لا تبدو مألوفة بالنسبة له. كان هذا الكتيب وكأنه يحمل مفتاحًا لم يعد باستطاعته تجاهله. لكن الألغاز كانت معقدة، والفصول التي كان يظن أنه قد حلها، كانت تختبئ خلف تفاصيل مبهمة.
رغم فشله في فك تلك الرموز، كان عزمه على فك شفرة تلك الأحجية لا يتزعزع. قرر أن يواصل البحث، مهما كانت الصعوبات. كان يشعر بأن تلك الرموز تحمل الإجابة التي يحتاج إليها لفهم نفسه، لفهم ماضيه المفقود، والأسرار التي كانت تحيط به.
في ذهنه، كانت أجزاء الصورة لا تزال مفقودة، لكن عزمه على فك اللغز كان أقوى من أي وقت مضى. رغم أنه لم يكن يعرف في البداية كيف سيكتشف الحقيقة، إلا أن آندي كان يعلم تمامًا أنه لا بد من حل هذه الألغاز. وعندما يبدأ في تجميع الأجزاء المفقودة، كان يعلم أن الصورة الكبيرة ستتكشف أمامه في النهاية.