الفصل الأول

تحت أضواءٍ لا ترحم

لم تكن أكاني تؤمن بأن جملة واحدة قد تهدم عامًا كاملًا من الذكريات.

كانت تظن أن الانفصال يحدث بالتدريج، أن الحب يذبل ببطء كما تذبل الأزهار في الخريف. لكنها في تلك الأمسية الباردة من شتاء طوكيو، تعلّمت أن بعض القلوب تُكسر فجأة، دون إنذار.

وقف أمامها عند بوابة الجامعة، عيناه تتجنبان النظر مباشرة إلى عينيها. كانت الرياح تعبث بخصلات شعرها الداكن، فيما كان صوته جامدًا على نحو لم تعهده فيه.

قال بهدوء قاسٍ:

أكاني… لم أعد أستطيع الاستمرار.

شعرت وكأن الشارع بأكمله صمت. لم تسمع ضجيج السيارات، ولا وقع خطوات الطلاب العابرين. فقط صدى كلماته يتردد في صدرها.

تمتمت بصوت مرتجف:

"وهل كنتَ تحبني يومًا؟"

تردد لحظة، ثم قال الجملة التي ستظل تطاردها طويلًا:

"كنتُ أظن أنني أحبك… لكنني كنت أبحث عن شيءٍ لم أجده فيكِ."

غادر بعدها، تاركًا خلفه فتاةً تحدّق في الفراغ، كأن روحها تأخرت عن جسدها خطوة.

في المساء، كانت تجلس أمام صديقتها في مقهى صغير قرب الحرم الجامعي. أخبرتها بكل شيء، بلا دموع في البداية، وكأنها تسرد حكاية لا تخصّها.

قالت صديقتها بقلق:

"تعالي إلى منزلي الليلة، لا أريدك وحدك."

هزّت أكاني رأسها برفضٍ خافت.

"أريد أن أكون وحدي."

لم تكن ترغب في المواساة. كانت تريد أن تغرق في ألمها دون شهود.

لم تكن معتادة على الشرب، لكنها جلست في حانة هادئة، تطلب كأسًا تلو الآخر. لم يكن الطعم مهمًا، ولا الرائحة. كانت تريد فقط أن يخفت الصوت في رأسها، أن تتوقف تلك الجملة عن التكرار.

شيئًا فشيئًا، صار العالم أقل وضوحًا. الأضواء امتزجت، والوجوه تداخلت. وحين نهضت أخيرًا، كانت خطواتها غير ثابتة.

خرجت إلى الشارع.

الليل في طوكيو لا ينام؛ أضواء المتاجر تنعكس على الأرصفة الرطبة، ولوحات الإعلانات تومض بألوان صارخة. الناس يعبرون مسرعين، كلٌّ منهم غارق في عالمه الخاص.

كانت تمشي وسطهم كغريبة.

قدماها تؤلمانها، رأسها يدور، وقلبها مثقل بما يفوق قدرتها.

تعثر كعبها بحافة الرصيف.

اهتز جسدها.

ثم سقطت.

ارتطم جسدها بالأرض الباردة، وارتطمت ركبتها بخشونة الإسفلت. شعرت بحرقةٍ حادة، ثم بدفءٍ لزج يسيل ببطء.

حاولت النهوض، لكن العالم دار بها بقسوة. تلاشت الأصوات من حولها، ولم يبقَ سوى خفقان قلبها المتسارع.

"هل أنتِ بخير؟"

كان الصوت عميقًا، هادئًا، يحمل قلقًا غير مصطنع.

رفعت عينيها بصعوبة، فرأت شابًا ينحني نحوها. شعره الأسود ينسدل بخفة على جبينه، وعيناه الرماديتان تراقبانها باهتمام صادق.

كان اسمه كايتو.

طالب في الصف الثالث الثانوي، يعيش وحيدًا منذ شهرين فقط. منذ تلك الليلة التي تلقى فيها اتصالًا قلب حياته رأسًا على عقب. حادثٌ مفاجئ… سيارةٌ فقدت السيطرة… ووالدان لم يعودا.

منذ ذلك اليوم، صار البيت صامتًا على نحوٍ لا يُحتمل.

يتناول طعامه وحده.

يستيقظ وحده.

ويعود إلى شقةٍ لا يسمع فيها سوى أنفاسه.

ربما لهذا السبب لم يستطع تجاهل الفتاة الساقطة أمامه.

لاحظ آثار الدموع على وجنتيها، والرعشة الخفيفة في أصابعها. وحين حاولت الوقوف، كادت تسقط ثانية، فمدّ يده وأمسك بيدها برفق.

كانت يدها باردة.

قال بهدوء:

"لن تستطيعي السير هكذا."

لم تعترض. لم يكن لديها ما يكفي من الوعي للاعتراض.

كانت شقته على بُعد دقائق قليلة. تردد لحظة، لكن رؤية الدم يتسلل من ركبتها حسمت قراره.

أسندها بحذر، وسار بها ببطء.

داخل الشقة، كان المكان بسيطًا، مرتبًا أكثر مما ينبغي، كأن صاحبه يحاول تعويض الفوضى في داخله بتنظيمٍ مفرط.

أجلسها على الأريكة، وأحضر صندوق الإسعافات الأولية. جلس أمامها على الأرض، وبدأ بتنظيف الجرح. كانت تهمس بكلمات غير مفهومة، ربما أسماء، ربما اعتذارات.

توقف لحظة، حين لمح خطًا رفيعًا من الدموع الجافة على خدّها.

"ما الذي حدث لكِ؟" سأل بصوتٍ منخفض.

لم تجب.

حين انتهى، وضع الشاش برفق، ثم نهض ليجلب كوب ماء.

عاد ليسألها عن عنوان منزلها، أو رقم شخص يمكنه الاتصال به. لكن رأسها كان قد مال إلى الجانب، وأنفاسها أصبحت منتظمة.

لقد نامت.

نظر إليها طويلًا.

لم يكن في نظرته إعجاب، ولا فضول سطحي. بل دهشة صامتة، كأن القدر ألقى أمامه لغزًا بشريًا في أكثر لحظاته هشاشة.

أحضر بطانية خفيفة، وغطّاها بها.

تردد لحظة، ثم أطفأ الأضواء، تاركًا مصباحًا صغيرًا يبدد العتمة.

جلس في الغرفة المجاورة، يستند إلى الجدار، محدقًا في السقف.

منذ وفاة والديه، لم يدخل هذا البيت أحد.

لم يسمع فيه صوتًا آخر غير صوته.

والآن… هناك فتاة غريبة تنام على أريكته.

للمرة الأولى منذ شهرين، لم يكن البيت صامتًا تمامًا.

وفي عمق الليل، بينما كانت أكاني تغرق في نومٍ مثقل بالألم، كان كايتو يحدق في الظلام، غير مدرك أن هذه الليلة ستغير مسار حياته كما غيّرت مسارها.

تسللت خيوط الشمس الأولى عبر الستائر البيضاء، وانعكست على جدران الشقة بهدوءٍ شاحب. تحرّكت أكاني ببطء، وشعرت بثقلٍ غريب في رأسها، كأن الليل لم يمرّ بل استقرّ داخله.

فتحت عينيها.

السقف… ليس سقف غرفتها.

الرائحة… ليست رائحة منزلها.

الصمت… مختلف.

اعتدلت فجأة، وقلبها يقفز في صدرها بذعر. نظرت حولها بسرعة؛ أريكة رمادية، طاولة خشبية منخفضة، نافذة واسعة تطل على شارع هادئ، ومطبخ صغير مرتب بعناية.

همست بصوتٍ خافت:

"أين أنا…؟"

حاولت استرجاع أحداث الليلة الماضية.

الانفصال.

الدموع.

المشروب الأول… ثم الثاني… ثم ضجيج الأضواء.

ثم السقوط.

تذكّرت صوتًا عميقًا يسألها إن كانت بخير.

تذكّرت يدًا دافئة تمسك بيدها.

لكن الوجه… لم يكن واضحًا في ذاكرتها، كأنه صورة التُقطت في ضباب.

حين حاولت تحريك ساقها، شعرت بوخزة خفيفة. نظرت إلى ركبتها، فوجدت ضمادةً نظيفة ملفوفة بعناية.

وفي تلك اللحظة، فُتح باب إحدى الغرف بهدوء.

دخل كايتو.

تجمّدت أكاني في مكانها، واتسعت عيناها ارتباكًا.

اقترب خطوة واحدة، ثم قال بصوتٍ هادئٍ مطمئن:

"مهلًا… لا تخافي. أنا من ساعدكِ البارحة. كانت ركبتكِ قد أُصيبت، ولم تكوني في وعيكِ."

نظرت إلى الضمادة مرة أخرى، ثم إليه.

قالت بخفوتٍ مشوب بالحزن:

"شكرًا لك… على ما فعلته. وأنا آسفة إن كنتُ سببتُ لك أي إزعاج."

اقترب أكثر، ثم جلس أمامها على ركبةٍ واحدة فوق الأرض، بحيث أصبح في مستوى نظرها تقريبًا. لم تكن حركته متطفلة، بل هادئة ومحسوبة.

قال بنبرةٍ ثابتة:

"لا أعرف سبب حزنكِ… لكن لا أحد يستحق أن تحزني لأجله بهذا الشكل."

ارتفع حاجباها قليلًا، وارتسمت على وجهها مسحة غضب خفيف.

"وأنت… ماذا تعرف؟" قالت بعصبية مكتومة.

أجاب بهدوء لم يتزحزح:

"لا أعرف شيئًا. أنا فقط أقول."

احمرّ وجهها، وأدارت نظرها بعيدًا، وهي تتمتم في داخلها:

ومن يظن نفسه حتى يتحدث بهذه الثقة…؟

قطع الصمت بسؤال مفاجئ:

"بالمناسبة… كم عمركِ؟"

نظرت إليه باستغراب.

"لماذا تسأل؟"

أجاب ببساطة:

"رائحة الشراب كانت واضحة البارحة. لقد شربتِ كثيرًا."

اتسعت عيناها، ثم احمرّ وجهها خجلًا.

"أنا… في المرحلة الجامعية. سنة أولى."

ترددت لحظة، ثم سألته:

"وأنت؟"

قال:

"في الصف الثالث الثانوي."

تبدل تعبيرها قليلًا. لم تتوقع ذلك.

قالت بسرعة، كأنها تهرب من ارتباكها:

"عليّ الذهاب. لديّ محاضرات."

ردّ بهدوء:

"أعددتُ الفطور. يمكنكِ أن تتناولي معي إن أردتِ."

كادت تقول إنها ليست جائعة، وإن عليها الرحيل فورًا… لكن صوت زمجرة بطنها قطع محاولتها في لحظةٍ محرجة وصاخبة.

ساد الصمت ثانية.

ثم قال كايتو ببرودٍ ساخرٍ خفيف:

"أجل… أستطيع سماع ذلك."

"أيها—!" تمتمت بخجلٍ شديد، وقد احمرّ وجهها حتى أطراف أذنيها.

نهضت أخيرًا، وجلست إلى الطاولة المقابلة له.

تأملت الأطباق أمامها بدهشة: أرز دافئ، حساء ميسو، بيض مطهو بعناية، وبعض الخضروات المشوية.

قالت متفاجئة:

"أأنتَ أعددتَ كل هذا؟"

"أجل."

لم يزد على ذلك.

بدأت تأكل.

وفي البداية حاولت الحفاظ على هدوئها، لكن الطعم كان لذيذًا على نحوٍ غير متوقع. وجدت نفسها تتناول الطعام بشهية واضحة، وكأن جسدها يعوّض ما فقده في الليلة السابقة.

كان يراقبها بصمت، دون تعليق.

بعد أن انتهت، حملت كوب الشاي بين يديها وقالت بصدقٍ هذه المرة:

"كان لذيذًا جدًا… شكرًا لك."

"في أي وقت."

نظرت حولها أثناء احتسائها الشاي. الشقة مرتبة على نحوٍ مبالغ فيه، كأن صاحبها يهرب من شيءٍ بالفوضى المنظمة.

قالت بتردد:

"إذا لم تمانع سؤالي… أين عائلتك؟ أعني… الشقة كبيرة."

ثم تلعثمت:

"لا أقصد… هل أنت—"

قاطعها بهدوء:

"أنا أعيش وحدي."

سكت.

كان على وشك أن يقول شيئًا آخر.

كلمة واحدة ربما.

لكن شفتيه انطبقتا، وتحول صوته إلى صمت.

"ليس هناك شيء."

لاحظت أكاني تغيرًا طفيفًا في عينيه. شيء انطفأ بسرعة، لكنه كان كافيًا لتشعر بالذنب.

خفضت بصرها، وندمت على سؤالها.

سألها فجأة:

"هل ستذهبين إلى الجامعة الآن؟"

"أجل."

"سأوصلكِ إلى المحطة."

لم تعترض.

كان الطريق قصيرًا، لكنه بدا أطول من المعتاد.

الهواء الصباحي بارد، وأصوات المدينة بدأت تستيقظ تدريجيًا. سارا جنبًا إلى جنب، وبينهما صمت ثقيل.

أرادت أن تقول شيئًا… أن تعتذر مجددًا… أن تسأله عن اسمه حتى. لكنها لم تجد الكلمات المناسبة.

وصلا إلى المحطة.

قال كايتو وهو يستدير قليلًا:

"إذًا… وداعًا. اعتني بنفسكِ."

كان على وشك أن يرحل.

لكن فجأة، تقدمت أكاني خطوة، ومدّت يدها، وأمسكت بطرف كمّ قميصه.

"انتظر."

توقف.

كان وجهها محمرًا بشدة، وقلبها يخفق كأنما يحاول الإفلات من صدرها.

التفت إليها، وعيناه تتسعان قليلًا بدهشة لم يستطع إخفاءها.

قالت بترددٍ واضح:

"أيمكنني… أن آخذ رقمك؟ أريد أن أشكرك على ما فعلته… أريد أن أراك ثانية."

خرجت الكلمات متعثرة، لكنها صادقة.

اتسعت عيناه أكثر للحظة، ثم قال بهدوءٍ هذه المرة:

"بالطبع."

أعطاها رقمه، ثم سأل:

"ما اسمكِ؟"

نظرت إليه بدهشة خفيفة.

"ألم أخبرك؟"

"لم أعرفه بعد."

ابتلعت ريقها وقالت:

"أكاني سوزوكي."

ثم سألت بخجل:

"وأنت؟"

ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة… أول ابتسامة تراها منه. لم تكن واسعة، لكنها كانت حقيقية.

"كايتو يامادا."

احمرّ وجهها من جديد، دون سببٍ واضح.

قال وهو يتراجع خطوة:

"أراكِ قريباً ."

أومأت برأسها.

راقبته وهو يبتعد بين الحشود، وخطواته ثابتة، وظهره مستقيم.

كان قلبها يدق بسرعةٍ غير مفهومة.

بالأمس، كانت منهارة بسبب انفصال ريوسكي عنها.

كانت تشعر أن العالم انتهى.

لكن الآن…

لم يكن في صدرها ذلك الثقل ذاته.

لم تختفِ الندبة، لكنها لم تعد تنزف.

وضعت يدها فوق قلبها، وهمست لنفسها بدهشة:

"ما هذا الشعور…؟"

وفي مكانٍ ما داخلها، كان شيء جديد يبدأ بالاستيقاظ.

حين وصلت أكاني إلى بوابة الجامعة، كانت الساعة قد تجاوزت موعد المحاضرة بقليل. تنفّست بعمق، تحاول تهدئة ارتباكها، ثم أسرعت الخطى عبر الممرات الواسعة التي تعجّ بالطلبة.

كان صباح الحرم الجامعي صاخبًا بالحياة؛ أصوات متداخلة، أوراق تُقلب، وضحكات متناثرة هنا وهناك. لكنها، على غير العادة، لم تشعر بالثقل الذي لازمها بالأمس. كان في صدرها اضطرابٌ مختلف… خفيف، دافئ، ومربك.

دفعت باب القاعة بهدوء، فانفتحت على صوت المحاضر وهو يشرح نظريةً ما. توقفت لحظة عند الباب، تعتذر بإيماءة سريعة، ثم لمحت يدًا تلوّح لها من الصف الثالث.

كانت ميساكي.

اتجهت نحوها وجلست إلى جانبها، تهمس باعتذار خافت. وما إن استقرّت في مقعدها حتى مالت ميساكي نحوها وهمست بقلق واضح:

"أين كنتِ؟ اتصلت بكِ كثيرًا البارحة ولم تردّي. هل أنتِ بخير؟"

نظرت أكاني إليها… وابتسمت.

كانت ابتسامةً نقيّة، صافية على نحوٍ لم تعهده ميساكي في وجهها منذ الأمس.

قالت بهدوء:

"أنا بخير."

رمشت ميساكي بدهشة خفيفة.

"حقًا؟"

أومأت أكاني برأسها، ثم أضافت بخفوتٍ يحمل وعدًا:

"سأخبركِ بكل شيء… بعد المحاضرة."

ما إن انتهت المحاضرة حتى خرجتا من القاعة معًا، واتجهتا إلى مقهى صغير قريب من الحرم. جلستا قرب النافذة، ووضعت ميساكي مرفقيها على الطاولة بانحناءةٍ مليئة بالحماس.

قالت بلهفة:

"حسنًا، أخبريني يا فتاة! ماذا حدث؟ تبدين… سعيدة جدًا."

تنهدت أكاني قليلًا، ثم بدأت تسرد.

أخبرتها عن الحزن الذي خنقها بعد الانفصال، عن ذهابها إلى الحانة وحدها، عن الكؤوس التي لم تعد تذكر عددها.

وما إن وصلت إلى تلك النقطة، حتى تغيّر وجه ميساكي.

"أكاني!" قالت بحدةٍ ممزوجة بالقلق. "لقد عرضتُ عليكِ أن تبقي معي! كنت خائفة عليكِ."

ابتسمت أكاني باعتذار صادق.

"أعلم… وأنا آسفة. لم أرد أن أُثقل عليكِ."

مدّت ميساكي يدها وأمسكت بيدها بلطف.

"أنتِ لستِ ثِقلاً عليّ."

خفضت أكاني عينيها لحظة، ثم تابعت:

"تعثرتُ وسقطت. جرحتُ ركبتي… وكنتُ شبه فاقدة للوعي."

ثم توقفت لحظة، كأنها تستحضر صورةً في ذهنها.

"وهناك… ظهر شاب."

وروت لها كل شيء.

كيف ساعدها.

كيف أخذها إلى شقته لأنه كان قريبًا.

كيف عالج جرحها.

كيف أعدّ لها الفطور.

كيف ابتسم أخيرًا عند المحطة.

كانت ميساكي تراقبها أكثر مما تستمع إلى الكلمات. كانت تلاحظ احمرار وجنتيها، ولمعان عينيها، والطريقة التي تتغير بها نبرة صوتها حين تذكر اسمه.

قالت ميساكي ببطءٍ، وابتسامةٌ جانبية ترتسم على شفتيها:

"أنتِ تحبين كايتو."

تجمدت أكاني في مكانها، واتسعت عيناها فجأة.

"ماذا؟! لا! مهلاً، أقصد— هذا ليس ما— أنا فقط قابلته البارحة!"

رفعت ميساكي حاجبًا واحدًا.

"إذًا… لا تحبينه؟"

احمرّ وجه أكاني بشدة، وردّت بسرعة:

"هذا ليس صحيحًا!"

ساد صمتٌ قصير… ثم انفجرت ميساكي ضاحكة.

"أنتِ حقًا لا تستطيعين إخفاء مشاعرك."

"توقفي عن هذا!" قالت أكاني بخجلٍ واضح، وهي تحاول إخفاء وجهها خلف كوبها.

ثم أضافت، وكأنها تبحث عن مبررٍ يخفف وطأة ارتباكها:

"إنه أصغر مني بسنة… في الصف الثالث الثانوي."

مدّت ميساكي صوتها بمرح:

"أوووه."

"ماذا؟!" قالت أكاني بقلق.

"لا شيء." ردّت ميساكي وهي تكتم ضحكتها. "بصراحة… هذا يبدو لطيفًا."

ثم هدأت ملامحها قليلًا وقالت بصدق:

"أنا سعيدة لأجلك."

ابتسمت أكاني، وامتلأ صدرها بدفءٍ لم تشعر به منذ زمن.

"شكرًا لكِ."

وفي تلك اللحظة تحديدًا، تغيّر الجو.

على بعد خطوات، كان ريوسكي يسير في الممر، إلى جانب شيوري — زميلتهما في الجامعة، والتي أصبحت الآن حبيبته الجديدة.

تلاقت العيون مصادفةً.

توقّع ريوسكي أن يرى في وجه أكاني أثر الانكسار، أو على الأقل مسحة حزن. لكنه لم يجد شيئًا من ذلك. كانت تقف بثبات، وابتسامتها باقية، وإن خفّت قليلًا.

تقدمت شيوري خطوة، وابتسمت ابتسامةً مزيّفة.

قالت بنبرةٍ تحمل سخريةً مبطنة:

"أكاني… أتمنى أنكِ بخير. الانفصال صعب أحيانًا، أليس كذلك؟"

كانت الكلمات مغطاة بلطفٍ ظاهري، لكن حدّتها كانت واضحة.

نظرت أكاني إليها بهدوء، ثم ابتسمت ابتسامةً رقيقة.

"أجل، هو صعب. لكنني أظن أن كل شيء يحدث لسببٍ ما. أتمنى لكما السعادة."

ساد صمتٌ مفاجئ.

حتى ريوسكي بدا مذهولًا من ردّها. لم تكن هذه هي الفتاة التي ودّعها بالأمس بعيونٍ دامعة.

لم تستطع ميساكي التزام الصمت طويلًا، فمالت برأسها قليلًا وقالت بنبرةٍ ماكرة:

"على أي حال… حتى أكاني لديها كايتو."

تجمدت أكاني.

"ماذا تفعلين؟!"

لكن الأوان كان قد فات.

اتسعت عينا ريوسكي، ولمع فيهما شيء لم تستطع شيوري تجاهله.

غيرة.

صافية وواضحة.

"كايتو؟" كرر الاسم دون قصد.

لاحظ السعادة الخفيفة في عيني أكاني، وهدوءها، والطريقة التي لم تعد تنظر إليه بها كما في السابق.

شيءٌ ما انقبض في صدره.

أما أكاني، فقد شعرت بارتباكٍ شديد، لكنها لم تسمح لنفسها بالتراجع. أمسكت بيد ميساكي وقالت بهدوء:

"لنذهب."

ابتعدتا معًا، وخطواتهما ثابتة.

وحين ابتعدتا بما يكفي، تنفست أكاني بعمق.

لم يكن قلبها مثقلًا كما توقعت.

لم تشعر بالانكسار وهي تمرّ بجواره.

بل شعرت… بأنها تمضي قدمًا.

وفي مكانٍ ما داخلها، كانت صورة شابٍ بابتسامةٍ خفيفة تتسلل إلى أفكارها.

كايتو.

ولأول مرة منذ زمنٍ قصير بدا وكأنه طويل… لم يكن الماضي هو ما يملأ قلبها، بل احتمال المستقبل.

حين عادت أكاني إلى المنزل، كان المساء قد بدأ يمدّ ظلاله الهادئة على الشوارع. أضاءت النوافذ تباعًا، وتسللت رائحة العشاء من البيوت المجاورة. أخرجت مفتاحها بهدوء، وفتحت الباب.

"أكاني؟"

جاءها صوت أختها الكبرى، هانا، من غرفة الجلوس.

خلعت حذاءها ودخلت، لتجد هانا جالسة على الأريكة، ذراعاها متشابكتان، وملامح القلق واضحة في عينيها.

قالت هانا بجدية:

"لم تعودي البارحة. ميساكي اتصلت بي وأخبرتني بما حدث مع ريوسكي. هل أنتِ بخير؟"

توقفت أكاني لحظة، ثم رفعت رأسها وابتسمت ابتسامة مطمئنة.

"لا تقلقي… أنا بخير. سأخبركِ بكل شيء."

جلست بجانبها، وبدأت تسرد.

أخبرتها عن كل شيء.

وكلما تقدمت في الحديث، كانت هانا تتغير ملامحها بين الغضب والدهشة.

قالت بحدة:

"لا أصدق أن ريوسكي قال لكِ ذلك! يا له من وغد! إن رأيته سألكمه."

ضحكت أكاني بخفة.

"لن تفعلي ذلك."

"بل سأفعل." قالت هانا بإصرارٍ تمثيلي، ثم أمالت رأسها بمكر. "لكن… دعينا من ريوسكي. حدثيني قليلًا عن هذا… كايتو."

تصلب وجه أكاني فجأة، واحمرّت وجنتاها.

"سأذهب لأغير ملابسي." قالت بسرعة، ونهضت متجهة إلى غرفتها.

ضحكت هانا من مكانها.

"لن تهربي مني! ستخبرينني بكل شيء… وساعديني في إعداد العشاء!"

جاءها صوت أكاني من بعيد:

"حسنًااا!"

في غرفتها، أغلقت الباب خلفها واتكأت عليه لحظة.

لماذا تشعر بكل هذا الارتباك؟

نزعت ملابسها وارتدت ملابس منزلية خفيفة، قميصًا قطنيًا ناعمًا وتنورة قصيرة مريحة. جلست على حافة السرير، ثم انسدحت، محدّقة في السقف.

لكن عينيها لم تبقَ هناك طويلًا.

مدّت يدها إلى هاتفها.

فتحت جهات الاتصال.

كايتو.

توقفت أصابعها فوق اسمه.

ترددت.

هل أراسله؟ ماذا أقول؟ هل يبدو الأمر غريبًا إن بدأت أنا؟

عضّت شفتها السفلية، ثم كتبت بسرعة قبل أن تتراجع:

"كايتو… إنها أنا، أكاني."

ضغطت إرسال.

وما إن فعلت، حتى شهقت بخفة وغطت وجهها بالوسادة.

"يا إلهي… ماذا أرسلت؟! هذا محرج جدًا!"

كانت على وشك حذف الرسالة… لكن ظهرت علامة "تمت القراءة".

تجمدت.

في تلك اللحظة، في شقةٍ أخرى هادئة، كان كايتو مستلقيًا على الأريكة أمام التلفاز. لم يكن يشاهد شيئًا فعليًا، فقط يترك الأصوات تمرّ من حوله.

اهتز هاتفه.

نظر إليه بكسل… ثم رأى الاسم.

أكاني.

قرأ الرسالة، وابتسم ابتسامة صغيرة دون أن يدرك. لم تكن ابتسامة واسعة، لكنها كانت حقيقية، دافئة على نحوٍ غير معتاد.

كتب:

"يوو… إنه أنا، كايتو."

في غرفتها، ما إن رأت الرد حتى احمرّ وجهها بشدة.

كتبت بسرعة:

"هل تسخر مني؟ 😡"

توقفت لحظة قبل الإرسال… ثم أرسلتها.

جاء الرد بعد ثوانٍ:

"تعرفين… يمكنني تخيّل وجهكِ الآن. هذا لطيف."

اتسعت عيناها.

"ما خطبه؟ لماذا هو… هكذا؟"

وضعت يدها على صدرها.

كان قلبها يدق بسرعة واضحة.

كانت… سعيدة.

ومن دون تفكير طويل، كتبت رسالة أخرى.

رسالة خرجت قبل أن تسمح لنفسها بالتراجع:

"كايتو… أريد أن أراك غدًا. هل هذا ممكن؟"

أرسلتها.

حبست أنفاسها.

مرّت ثوانٍ بدت أطول مما ينبغي.

ثم جاء الرد:

"بالطبع. أودّ رؤيتكِ أيضًا."

توقفت أنفاسها لحظة.

شعرت بدفءٍ مفاجئ يغمر صدرها، ودمعة صغيرة انزلقت من طرف عينها دون أن تشعر. أخفت وجهها في الوسادة، وضحكت بخفةٍ مرتجفة.

كانت سعيدة.

سعيدة حقًا.

وصلتها رسالة أخرى:

"أين تريدين أن نلتقي؟"

نظرت إلى السقف لحظة، ثم كتبت بتردد:

"ما رأيك أن تأتي إلى منزلي غدًا؟"

توقفت قليلًا.

هل كان هذا جريئًا أكثر من اللازم؟

جاء الرد سريعًا:

"هل تعيشين بمفردكِ؟"

ابتلعت ريقها، وكتبت:

"أعيش مع أختي الكبرى. تكبرني بسنتين."

مرّت لحظة قصيرة.

ثم:

"أرسلي إليّ العنوان. سأراكِ غدًا."

شعرت برعشة خفيفة في أطرافها وهي ترسل العنوان.

كان الأمر حقيقيًا الآن.

غدًا… سيأتي إلى منزلها.

نزلت إلى المطبخ، تحاول إخفاء ارتباكها. كانت هانا تقطع الخضروات وهي تدندن بلحنٍ عشوائي.

قالت أكاني بتلعثمٍ واضح:

"هانا…"

التفتت إليها.

"لقد دعوتُ كايتو إلى المنزل. سيأتي غدًا."

توقفت هانا عن التقطيع ببطء، ثم رفعت نظرها إليها.

وضعت يدها على فمها بطريقة تمثيلية، واتسعت عيناها بمبالغة.

"إلى المنزل؟! غدًا؟!"

احمرّ وجه أكاني بشدة.

"توقفي عن هذا!"

بدأت هانا تضحك.

"أوه، أختي الصغيرة تكبر أخيرًا!"

"هانا!" قالت بخجلٍ واضح.

اقتربت منها أختها وربتت على كتفها.

"لا تقلقي. سأكون لطيفة معه… ربما."

"هانا!"

ضحكتا معًا.

لكن حين عادت أكاني إلى غرفتها تلك الليلة، وأطفأت الضوء، وحدقت في الظلام… لم يكن ما يشغلها ريوسكي، ولا كلماته القاسية.

كان كل ما تفكر فيه هو:

غدًا… سيقف هنا. في هذا المنزل.

وضعت يدها فوق قلبها.

كان يخفق بسرعة…

لكن ليس من الألم هذه المرة.

بل من ترقّبٍ جميلٍ لا تعرف اسمه بعد.

وهكذا، انتهى اليوم الذي بدأ بانكسار…

ليُختتم ببدايةٍ لا تزال ملامحها تتشكل في الخفاء.

استيقظت أكاني في صباح اليوم التالي على ضوءٍ ناعم يتسلل من نافذتها. فتحت عينيها بكسل، ومدّت يدها تتحسس هاتفها. كانت الساعة تشير إلى العاشرة صباحًا.

أغمضت عينيها مجددًا، تستسلم لدفء الفراش…

لكنها فتحتها فجأة، كأن تيارًا كهربائيًا سرى في جسدها.

كايتو.

جلسَت بسرعة، وقلبها يخفق بتوترٍ جميل. اليوم عطلة، لا جامعة، لا أعذار، ولا مهرب من ارتباكها.

نهضت مسرعة، واتجهت إلى الحمام. تركت الماء الساخن ينساب فوق كتفيها، تحاول تهدئة أفكارها المتشابكة. ماذا سترتدي؟ كيف ستتحدث؟ هل سيلاحظ ارتباكها؟

وقفت أمام خزانتها طويلاً، تتأمل الملابس بعينين حائرتين. ثم تنهدت واختارت ملابس منزلية بسيطة؛ قميصًا قطنيًا بلونٍ فاتح وتنورة مريحة. أرادت أن تبدو طبيعية… لا متكلّفة.

مرّت الساعات ببطءٍ شديد.

ثم—

رنّ الجرس.

تجمّد قلبها للحظة.

لكن قبل أن تتحرك، سبقتها هانا بخطواتٍ سريعة نحو الباب.

فتحت هانا الباب.

وكان كايتو يقف هناك.

بنطال أسود، قميص أبيض بسيط، وفوقه قميص أسود مفتوح. مظهره هادئ، مرتب، دون أي مبالغة… ومع ذلك كان حضوره لافتًا.

نظر إلى هانا بهدوء، ثم قال:

"أنتِ… أخت أكاني؟"

احمرّ وجه هانا قليلًا دون أن تفقد مرحها، ومدّت يدها فجأة ولمست خدّه بخفة.

"تبدو وسيمًا."

في تلك اللحظة، وصلت أكاني إلى المدخل، وسمعت الجملة… ورأت يد أختها على وجهه.

"هانا!" قالت بخجلٍ حاد، واقتربت لتدفعها بخفة. "ماذا تفعلين؟!"

ضحكت هانا.

"لم تخبريني أنه بهذه الوسامة."

ازدادت وجنتا أكاني احمرارًا.

قالت بخفوت:

"تفضل يا كايتو."

دخل، وأغلقت أكاني الباب خلفه.

وقفت هانا أمامه بذراعين متشابكتين، بنظرةٍ متفحصة.

"أخبرني، هل لديك حبيبة؟"

تجمدت أكاني.

لكن كايتو أجاب بهدوء:

"لا. ليس لدي."

"كم عمرك؟"

"سبعة عشر."

مطّت هانا شفتيها بمرح.

"هذا لطيف… أصغر من أكاني."

دفعتها أكاني بخجلٍ واضح.

"هيا، اذهبي إلى غرفتك!"

ضحكت هانا وهي تبتعد.

"أراك لاحقًا يا كايتو." ثم غمزت له بخفة.

أُغلق باب غرفتها، وبقي الصمت بينهما للحظة.

وقفت أكاني أمامه، ووجهها محمرّ.

"آسفة على كل هذا…"

قال بهدوء:

"لا بأس. تبدو أختك مرحة… ويمكنني أن أرى أنها تحبكِ فعلًا."

اتسعت عيناها، وابتسمت ابتسامة صغيرة صادقة.

قالت فجأة، محاولة تغيير الجو:

"أريد أن أردّ لك ما فعلته أمس… سأطبخ لك."

اتسعت عينا كايتو قليلًا.

وضع يده على وجهه، كأنه يخفي احمرارًا خفيفًا.

"ستطبخين لي؟"

نظرت إليه، ولاحظت ذلك الاحمرار الخفيف الذي لم يستطع إخفاءه.

وجهه هذا… لطيف جدًا… قالتها في داخلها.

خلع قميصه الأسود الخارجي، فأخذته منها أكاني وعلّقته بعناية، وكأنها تقوم بأمرٍ طبيعي للغاية… رغم أن قلبها لم يكن كذلك.

دخلت المطبخ وبدأت إعداد الطعام، بينما جلس هو على الأريكة، يتأمل المكان بصمت.

بعد دقائق، نهض واقترب منها، مستندًا إلى حافة المطبخ.

"هل أنتِ مستقرة هنا؟"

نظرت إليه باستغراب.

"ماذا؟"

قال بهدوء:

"تعيشين مع أختكِ… هل لديكِ عائلة أخرى؟"

فهمت سؤاله أخيرًا.

"أجل. والداي يعيشان خارج طوكيو. نزورهما في عطلة الصيف. وأنا أحب العيش هنا… أحب طوكيو."

هزّ رأسه ببطء.

"من الجيد سماع ذلك."

لم تعرف لماذا، لكن قلبها ارتبك قليلًا.

أنهت إعداد الطعام، ووضعته على الطاولة. ساعدها كايتو في ترتيب الأطباق.

جلسا.

رفع كايتو يده بخفة.

"شكرًا على الطعام."

وبدأ يتناول أول ملعقة.

كانت أكاني تراقبه بتوترٍ واضح، تنتظر حكمه.

توقف لحظة.

ثم قال:

"هذا… لذيذ حقًا."

أشرقت ابتسامتها فورًا، واحمرّ وجهها.

تناولا الطعام بهدوءٍ دافئ، دون حاجة إلى كلمات كثيرة.

بعد ذلك، جلسا على الأريكة، كلٌّ منهما يحمل كوب قهوة.

سألها فجأة:

"أكاني… ماذا حدث البارحة؟ لماذا كنتِ حزينة إلى هذا الحد؟"

خفضت نظرها إلى الأرض.

قال بسرعة:

"لا بأس إن لم تريدي الحديث عن الأمر. أنا آسف."

رفعت عينيها نحوه.

"لا… سأخبرك."

اتسعت عيناه قليلًا.

وتحدثت.

عن ريوسكي.

عن السنة التي قضتها معه.

عن الكلمات التي قالها.

عن الجملة التي كسرت شيئًا في داخلها.

شدّ كايتو قبضته دون وعي.

"أنا آسف… لسماع هذا. وآسف لأنني جعلتكِ تتذكرين."

أومأت برأسها بهدوء.

"لا بأس. الحياة لن تتوقف… سأكمل حياتي."

نظر إليها طويلًا، ثم قال فجأة:

"أكاني… هل تخرجين معي لبعض الوقت؟"

تفاجأت بالطلب، لكن شيئًا في نبرته جعلها توافق دون تردد.

ارتدت معطفًا فوق ملابسها، وارتدى هو قميصه.

خرجا معًا.

سارا في الشوارع الهادئة، حتى وصلا إلى جسرٍ صغير فوق بحيرةٍ ساكنة. توقفا في منتصفه، والهواء البارد يحرك شعرها برفق.

قال كايتو بصوتٍ منخفض:

"أكاني… بالأمس سألتِني لماذا أعيش وحدي."

نظرت إليه، وعيناها تبحثان عن شيءٍ في وجهه.

أكمل:

"قبل شهرين… فقدتُ والديّ في حادث."

اتسعت عيناها بصدمة.

"منذ ذلك اليوم… لم أتحدث إلى أحد تقريبًا. لم ألتقِ بأحد. أنتِ أول شخص أتحدث إليه منذ فترة طويلة."

صمت لحظة، ثم تابع:

"كنا نحن الثلاثة ذاهبين في عطلة بالسيارة… لكن شاحنة اصطدمت بنا. أنا الوحيد الذي نجا."

ارتجف صوته قليلًا.

"لم يبقَ لي أحد. أنا وحيد… وقد أبدو باردًا أحيانًا، لكن ذلك ليس بإرادتي."

لم تشعر أكاني بالدموع وهي تنزل من عينيها.

نظر إليها كايتو بدهشة، ثم رفع يده ببطء، ومسح دموعها بإبهامه. كانت يده دافئة… رغم ارتجافها الخفيف.

قالت بصوتٍ مكسور لكنه حازم:

"أنت… لن تكون وحدك بعد الآن."

اقتربت خطوة.

"من الآن فصاعدًا… سأكون بجوارك."

وعانقته.

تجمد جسده لحظة، كأنه لم يعتد هذا القرب.

ثم… ببطءٍ شديد، رفع يديه، ولفّهما حولها.

فوق ذلك الجسر الصغير، بين ماءٍ ساكن وسماءٍ باردة…

التقى جرحان.

ولم يُشفيا بعد.

لكنّهما، للمرة الأولى، لم يعودا وحيدين.

نهاية الفصل....

2026/03/11 · 9 مشاهدة · 3714 كلمة
Axel garcia
نادي الروايات - 2026