بسيفه الذي لم يكلف نفسه مسح الدماء التي لطخته راح يسير، سامحا لما لم يتخثر منها بعد بالتساقط مشكلة خيطا متقطعا من سائل الحياة القاني، لهاثه راح يرتفع وهو غير قادر على إيقاف تلك النشوة التي سكنت فؤاده وباتت تتمدد دون حساب، عيناه تبرقان حماسا فيما قبضتاه تتقلصان لا إراديا كل بضع دقائق، صرخات اليأس والتوسل التي يطلقونها لحظة رفع سلاحه تطربه، حتى اللحظة ما يزال صداها يتردد داخل عقله لتشعل نار قلبه أكثر وأكثر. هو لهم كالموت حاضرا، لألامهم محقق، لتحطيم أحلامهم مقدم ولسلب أرواحهم مسبب، مرأى الخوف والرجاء التي تعكسها حدقاتهم ساعة النهاية لهو أجمل ما رأت مقلتاه، تمنى لحظتها لو استطاع تسجيل هذه اللحظات لكن السرية كانت ومازات الشرط الذي لا يتساهلون فيه أبدا. تنهيدة عميقة حاملة كل حماسه انطلقت مكتومة بسبب القناع الذي يرتديه، يحث خطاه تحت ضوء مصباحه فيما عيناه تجوبان المكان كصقر باحث عن طريدته، أخر ما بلغهم أن من تبقى هو شخص واحد، أحاسيسه المتقده راحت تشير إلى أنه هو، ذلك الشاب الذي تجاوز هجمته المباغتة وتمكن من الإفلات، في داخله أصبح إلى اليقين أقرب، كيف هو واثق لهذه الدرجة ؟ لنقل أنها فراسة صياد قضى سنوات من حياته في هذا الأمر. ابتسامة رقيقة كابتسامة الشيطان تشكلت بين شفتيه، يستطيع بعين الخيال رؤية خصمه وقد تمدد على الأرض، كلا لن يقتله على الفور، هو الطريدة الأخيرة وبالتالي يحق له بعض المرح، سيقوم أولا ببتر إحدى ساقيه وسيتركه يحاول الهرب في يأس وهو يكتفي باللحاق به ومن يدري ربما سيقوم بتمزيق ساقه الأخرى وقتها. ضحكة خاطفة انطلقت من حلقه ليتردد صداها في المكان حينما وصل إلى هذه النقطة، ربت في حنان على الحقيبة الصغيرة المعلقة والمتدلية من حزامه، قبل أن يفتحها في رفق وهو يرمق ما بداخلها، بسمته أصبحت كطفل فخور بألعابه النادرة، تأمل تلك السبابة المبتورة ببراعة، الأنف المجدوع ما يزال محافظا على دفئه بالقرب من تلك الأذن المقلوبة، هذا حصاده أو لنقل تذكاراته التي جناها من عمله الشاق اليوم. أغلق عينيه في ارتياح فيما خلاياه العصبية تتسلى بعرض اللحظات الأخيرة لضحاياه، لم يرق قلبه على ذلك الرجل العجوز الذي تخطا الستين على الأقل، على من سيشكل خطرا ليطلبوا قتله في وحشية هكذا؟ ، لا يدري ولكنه شاكر لأن هذا قد أعطاه الفرصة ليخرج أفضل ما لديه من مهارات شغاف قلبه لم تختلج ولو لثانية أمام توسلات تلك الأم المتوسطة الحال ولم يكترث أنها المعيل الوحيد لأبنائها الخمسة " من يهتم بهذا الهراء؟ لوم الأحمق الذي طلب إرسالك إلى هنا يا مرأة ولا تثقلي سمعي بهذا السخف الذي تصدحين به" تلك كانت إجابته عليها قبل أن ينفذ عمله والحقيقة أنه كان بارعا جدا، واصلت ذاكرته استخراج اللقطات وتقديمها وكأنه عرض سنيمائي ولكن لم تكد صور الضحية الأخيرة تظهر له حتى زم شفتيه في ضيق وهو يهز رأسه في اشمئزاز، توقع أن يستمتع في قتل تلك الشقراء الفاتنة كثيرا، كان بالفعل قادرا على تخيل منظر جثتها الباردة الشاحبة ممدة على الأرضية الباردة، حماسته كانت في القمة وهو يحيط بها في تلك النهاية المقطوعة في هذا المكان العجيب، هنا نطقت شفتاها بأغبى أمر ممكن، البلهاء عرضت عليه الحصول على جسدها لمتعته مقابل أن يتركها دون أن يقتلها. هذا الحديث حول كل شغفه إلى اشمئزاز وقرف، لماذا يخلطون بين حبه العفيف الطاهر لسفك الدماء ومرأى الجثث ويصرون على إدخال هذه الشهوات السخيفة في تلك اللحظة، هو مجرم ولكن ليس وغدا منحرفا وشتان بين الاثنين، طبعا عرفت الفتاة حجم خطائها متأخرا جدا وهي تتأمل أطرافها الأربعة تتركها الواحدة تلو الأخرى، روحها كانت أخر ما غادر فيها بعدما أصبح جسدها أقرب إلى الأطلال، الحق أنها تعذبت كثيرا قبل النهاية. تنهد في أسى وهو يحاول بشتى الطرق إزالة تلك الحادثة التي بدت أشبه بذبابة وقعت في طبق للحساء، صغيرة لكنها قادرة على إفساد الكثير " أتوسل إليك لا تجعل نفسك ضحية سهلة أيها الشاب، قاوم وابذل جهدك عندها قد تحصل على أرحم نهاية ممكنه " همس بالعبارة وهو يترك لنصل سيفه البتار الاحتكاك بالجدران مفرغا ضيقه في مجموعة الأحجار القديمة، في تلك الحظة توقف عن الحركة وقد وصل إلى أذنيه صوت أشبه بمسمع خطوات الأقدام، دار حول نفسه وهو عاجز عن تحديد موضعه بدقه ولكنه كان يقترب وهذا يكفيه ليأخذ حذره، مضت الثوان كالبرق لتضرب أخشاب توتره مشعلة فيها لهيب الحماس، في النهاية لمح الممر المنزوي على بضع أمتار أمامه، صوت الخطوات أصبح إلى الركض أشبه ولم يعد لديه شك بأنه يأتي من ذلك الاتجاه. هم بالتقدم لكنه كان متأخرا إذ سرعان ما اندفع ما بدى له في بادئ الأمر أشبه بالظل من سرعته لكنه خلال لحظات ميز غريمه وأيقن مع الصوت الساخر الذي خرج على الفور " انظروا إلى ما لدينا، الكلب الأجرب، يبدو بأنك لا تكف عن الركض هنا وهناك، ألا يلعب معك سيدك بانتظام يا مسكين ؟ " شعر الرجل بأن الدماء تتصاعد إلى رأسه من الغيظ وتضاعف الأمر مع مرأى الابتسامة الشامتة على وجه ماسارو إلا أنه حاول ضبط أعصابه ما يستطيع وهو يجيب " سأجعلهم ينقشون هذه الكلمات على شاهد قبرك وهم يدفنون بقايا جثتك هذا إذا تبقى منها ما يكفي للدفن، هل من كلمات أخرى يا فتى ؟ " " كلب سيء، ألا تعرف ما يفعلون مع الكلاب الضالة؟ يتخلصون منها بأسرع ما يستطيعون كي لا تؤذي أحدا من البشر، وهذا ما سيحدث لك" " أرغب بأن أراك تحاول، خصوصا وأنك الآن أعزل مما عدا هذا المصباح الصغير بين يديك " في غضب تحدث صاحب السيف وهو يتخذ وضعية مناسبة للإنقضاض " حيوان أحمق، العقل هو أقوى سلاح ممكن وهو ما أمتلكه وتفقده أيها العقور" أنهى ماسارو حديثه وهو يعقد ذراعيه أمام صدره في تحد واضح تردد قناع الكلب في التقدم وهو يمسح المكان ببصره عدة مرات، ابتسامة خصمه الشامتة وثقته الواضحة أطلقت جرس إنذار داخل رأسه ولكنه كان عاجزا عن إيجاد أي شيء يمكن أن يكون فخا، هذا التخوف بدا واضحا حتى أن الشاب عاد يهتف في سخرية " كلب ضعيف، كل ما تجيده هو النباح لا أكثر، حسنا ما رأيك أن أعطيك الدفعة التي تحتاج " أنهى حديثه وقبل أن يستطيع خصمه أن يتساءل، فرد ذراعه اليمنى في سرعة ليلمح جاك متأخرا الحجرة المتوسطة الحجم بين أصابعه ولكن ملاحظته كانت متأخرة جدا لتنطلق الرمادية في سرعة مصيبة هدفها في براعة والذي لم يكن سوى مصباحه الوحيد لتحطم زجاجه وشعلته على الفور صاح الرجل في غضب في حين رفع ماسارو ضوء خاصته معميا إياه للحظات، وصلت خلالها كلماته السامة إلى أّذني غريمه " يا للملل حيلة سخيفة كهذه هو كل ما احتجته، ترى كيف صبر سيدك على فاشل مثلك يا هذا ؟ " أنهى حديثه ليطلق ساقيه للرياح عائدا من حيث أتى، استغرق جاك بضع ثوان ليستعيد توازنه صارخا في غضب هادر قبل أن يندفع خلف فريسته في جنون. استمرت مطاردة الموت بينهما لبضع دقائق، فشل خلالها صاحب قناع الكلب في تقليص المسافة بينه وبين طريدته الأخيرة، وكإمعان لاستفزازه راح مسارو يركض في خطوط متعرجة ومن اليمين إلى اليسار وبالعكس وهو لا يكف عن إطلاق الضحكات الساخرة من أن لأخر اشتعلت شياطين الغضب لدى جاك وهو لا يتوقف عن التفكير في الأمور التي سيفعلها بالشاب لو سقط بين كفيه " سأريك، أقسم أن أنتزع عينيك وأجبرك على التهامهما قبل أن ابتر أذنيك واتركك تهيم في هذا المكان و.. " لم يكمل عبارته وقد عاد مسارو لركضه المتعرج وانتقل إلى الجهة اليسرى من الممر، لم يولي جاك أهمية كبيرة للأمر ولكن وقبل أن يخطو بضع خطوات اصطدمت قدمه بكتلة صلبة أفقدته توازنه ليرتطم بالأرض في قوة " كلب خائب وأعمى أيضا " استفزته العبارة من جديد ليتجاهل الألام التي انتشرت في جسده من أثر السقوط ويجبر نفسه على الاعتدال، حانت من لمحة خاطفة إلى ما ارتط به ليجدها من جديد قطعة صخر أكبر حاجما بمرتين أو ثلاث من سابقتها " متى وجد الوقت الكافي لنقلها إلى هنا ؟ " همس في حيرة وقد أدرك أن خصمه لم يختر هذا الطريق عبثا، دفع هذا الأمر في نفسه شعورا بالتوتر لم يعرفه منذ مدة طويلة لكنه سرعان ما قمعه وهو ينهض واقفا وقد أدرك أنه قد أضاع ثوان ثمينة في مكانه وأنه حتى لم يعد يستطيع رؤية ضوء مصباح الشاب على الإطلاق اندفع راكضا وهو يضاعف جهوده محاولا تعويض الوقت الضائع، لم يفته أن يلاحظ أن الممر لم يعد مظلما كسابقه وخلال مدة قصيرة بدا له من بعيد النور في نهاية الممر، واصل محافظا على سرعته وقلبه يخفق من اقترابه من مصدر الضوء، ولم يكد يعبر نهاية الطريق حتى توقف مبهوتا وهو يدير بصره متأملا الحافة الحجرية الخاوية على عروشها، لم يكن هناك أي أثر لمسارو، تقدم في حذر حتى لم يبقى بينه وبين الهاوية سوى بضع أشبار، ألقى نظرة خاطفة على الأسفل ولكنه لم يستطع رؤية شيء، هنا ضربة فكرة ما رأسه ليتراجع على الفور مستديرا باتجاه مدخل النفق قبل أن يهتف بأعلى ما لديه من صوت " محاولة جيدة ولكنها لن تجدي مع، أعرف أين أنت الآن، بالتأكيد مختبئ داخل النفق في زاوية لم أرها تنتظر أن أرخي دفاعي لتأتي مسرعا وتدفعنِ نحو الأسفل، فكرة قديمة ومستهلكة ولكن سأعطيك جهد المحاولة على الأقل، والآن اخرج من مخبئك قبل أن أتي إليك، هل كلامي واضح؟ " أجابه الصمت البليغ ليثير مشاعر الحنق داخله أكثر، تقدم باتجاه الممر بضع خطوات وهو يصيح من جديد " قلت لك أخرج على الفور، وإلا كان عقابِ أكثر قسوة " " حسنا ها أنا ذا " خرج الهتاف بالصوت الذي توقع، ولكن ما صدمه بأنه قد أتى من خلفه، أجل من اتجاه الهوة السحيقة، حاول أن يستدير في سرعة ولكنه أحس بشيء يحيط برأسه قبل أن تظلم الدنيا أمام عينيه، راح جاك يتحرك في عشوائية حتى أنه قد أسقط سيفه أرضا في سعي يديه لإزلة ما يمنع مقلتيه من الإبصار " وكأن الأمر سيكون بهذه السهولة " هتف ماسارو في سخرية وهو يركل بساقه قدم جاك اليمنى، نفس القدم التي أصطدم بها في الصخرة حينما كان يركض قبل قليل، كان الألم ماضيا حتى أن صاحب رأس الكلب راح يتراجع في تخبط ويداه لا تتوقفان عن محاولة سبب عماه المؤقت،في النهاية نجحت قبضاه في الإحاطة بما بدى له أشبه بقطعة قماش، راح يجذبها بأقصى ما يستطيع من قوة حتى نجح في تمزيقها ولكن وقبل أن تنفرج أساريره لم يشعر إلا بالشاب يصدم به في قوة دافعا إياه إلى الخلف وهو وهو يهتف " وداعا أيها الوغد رحلة سعيدة " لم يفهم المعنى في البداية ولكنه عرف خلال ثوان، أدرك فيما قدماه تطأن الفراغ مندفعا عبر الحافة، وفيما بدأ جسده يهوي نحو الأسفل كان قد أستطاع متأخر جدا انتزاع ما حجب بصره، وفي لحظاته الأخيرة وقع نظره على وجه ماسارو ليرتجف قلبه هلعا وقد أدرك بأنه قد استهان بخصمه أكثر مما يجب انطلقت من حلقه صرخة يائسة وهو يهوي من حالق في حين اكتفى بطلنا بأن بقي في مكانه في هدوء حتى بلغه صوت الارتطام المكتوم وانقطاع الصرخات، عندها فقط تنهد في قوة وهو يسقط على ركبتيه في إنهاك ومتأملا كفيه ومحاولا في نفس الوقت إيقاف الإرتجافة التي أصابت جسده، كانت قطرات العرق البارد تغمره وهو يتمتم " شكرا للرب، لم أتخيل بأن تلك الفكرة البسيطة قد تؤدي إلى مثل هذه النتيجة، سعيد لأنه قد استهان بي وإلا لم أكن لأنجح" استغرق الأمر منه بضع دقائق حتى هدأ جسده، أحس بالبرودة تغمره فضم ذراعيه محاولا إدفاء نفسه " للأسف اضطررت لاستخدام سترتي كي أربطها حول رأسه ولكنِ أفتقدها فهذا القميص لن يكفي على ما يبدو" تنهد في بطء وهو يحاول إزاحة النظرات التي تبادلها في لحظات جاك الأخيرة من رأسه والتي راحت تتكرر داخله دون توقف " كان دفاعا عن النفس فلماذا ينتابني هذا الشعور بعدم الرضا؟ " همس في خفوت وهو يغلق عينيه للحظات قبل أن يفتحهما من جديد لتظهر نظرة باردة عبرهما هذه المرة " من المبكر الاحتفال ما يزال هناك وغدان أخران على الأقل، هذه الفكرة قد نجحت مع هذا الأحمق ولكن ليس بالضرورة أن تنجح مع غيره علي التفكير بغيرها إن أردت النجاة من عرض المجانين هذا " أنهى عبارته وقد حانت منه التفاتة إلى حيث وقف جاك لينعقد حاجباه وقد لمح ما قد أثار تعجبه، نهض مسرعا وفي خطوتين كان هناك " يبدو بأن ذلك الأحمق قد أفادني بأكثر مما تخيلت " هتف في حماس وهو يتأمل ما بين يديه الآن وقد أدرك أن فرص نجاته قد ازدادت كثيرا                                                                                                   

                                  نهاية الفصل .    

شارك الفصل مع أصدقائك
التعليقات
blog comments powered by Disqus