عندما رفع الدب كفّه الضخم، مستعداً لتدمير المقنع، أخرج "صفر" القلادة التي كانت حول رقبته.

كانت من الحديد، مُعلّق بها حجر بنفسجي صغير يلمع بضياء ساحر، وكان على الحجر نقش لجناحين سوداوين.

ما إن رأى الدب القلادة، حتى هدأت نظراته الحمراء وأنزل كفّه، ثم عاد لينام بعمق مرة أخرى، وكأن شيئاً لم يكن.

عبر "صفر" من خلال الجدار المزيف خلف الدب، ودخل إلى غرفة دافئة كانت بسيطة وجميلة. رائحة الكتب القديمة والخرائط تملأ الهواء، وضوء الشموع يلقي بظلال دافئة على المكان."في كل مرة تحاول أن تعبر دون أن يشعر بك، ألم تسأم من ذلك يا صِفر؟"جاء الصوت من فتاة كانت تجلس بهدوء في أحد أركان الغرفة. كانت "رين"، نائبة القائدة، بشعرها الأسود الطويل كالليل وعيونها البنفسجية كالزهرة المتفتحة

رد "صفر" بشيء من التحدي : "هذا ليس من شأنك، يا نائبة القائدة!"

ابتسمت رين بسخرية. "أوه، أترد على من هي أعلى منك رتبة؟ ألا تعرف العقوبة؟

"صمت "صفر" للحظة، مدركاً أنه تجاوز حده.

"هيا، اعتذر." قالت رين بنبرة آمرة.

"هاة.." تنهد "صفر" ببطء، ثم انحنى قليلاً. "...الرقم صفر يعتذر، يا حضرة النائبة."

"وأنا أقبل اعتذارك." ردت رين بابتسامة منتصرة.

"هل اكتفيتما من هذه المسرحية الطفولية؟" جاء الصوت من الظل، بارداً وحاداً كشفرة جليد. ظهرت القائدة فجأة خلفهما دون أن يشعر أي منهما بوجودها.

كانت هالتها وحدها كافية لجعل الهواء في الغرفة ثقيلاً.

"قـ... قائدة!" قال رين وصفر في صوت واحد، مصدومين من ظهورها المفاجئ.

"لو كان شخص آخر، لقتلكما دون أن تشعرا." قالت القائدة بهدوء مرعب.

" نحن نعتذر ، لن نكرر هذا الخطاء مرة اخري! " رد رين وصفر بسرعة في وقت واحد

"توقفا عن إضاعة الوقت واعتبرَا ما حدث تحذيراً."

ثم نظرت إلى صفر: "صِفر، أعدَّ تقريراً حول العملية وفعالية المكعب، وأخبرني بكل شيء بالتفصيل."

"حاضر سيدتي." رد صفر باحترام.

"وأنتِ يا نائبة رين، تعالي معي."

"حاضر يا قائدة."قبل أن تغادر، التفتت القائدة إلى صفر مرة أخرى.

"يا صفر، هل نظفت المكان با الكامل؟"

"أجل يا سيدتي!"

"حسناً. استعدا، فالاجتماع على وشك أن يبدأ."

"أوليس غداً؟" رد الجميع بدهشة.

"إن الاجتماع سيكون مهماً، وسيستغرق الوصول إلى هناك بعض الوقت. أمامكم ساعة واحدة، تذكروا ألا تجذبوا الانتباه."

"أمرك، سيدتي." رد الاثنان، ثم انصرف كل منهما لتنفيذ الأوامر.

كان صفر ما زال يرتدي القناع وبدأ في كتابة التقرير، موضحاً أن الجهاز قد نجح وأن مدى تأثيره كان كبيراً ويحتاج إلى تعديل صغير.

بعد ساعة، عاد ثلاثة أشخاص إلى القاعدة وأعلموا القائدة أنهم جهزوا كل شيء للذهاب إلى الاجتماع.

وبعد أن أنهى كل منهم أعماله، جمعتهم القائدة وأصدرت أمراً واضحاً: "من الآن، يمنع استخدام أي منكم قوته أو لفت أي انتباه غير ضروري. هل فهمتم؟"

"حسناً، يا قائدة." أجاب الجميع في نفس الوقت.

ثم بدأ الفريق بالخروج من القاعدة.

وعندما خرجوا، رفع كل منهم قلادته التي بدأت تشع بضوء بنفسجي، مما جعل الدب الحارس يستيقظ.

فجأة، قام الدب بضرب الأرض بكفّه الضخم، وأصبح الجو شديد البرودة حتى بدأت الثلوج تتساقط بكثافة وتحيط بالمدخل، مما جعله يختفي تماماً.

حتي أصبح من المستحيل العثور عليه وسط هذه الأماكن بسبب الثلج .

بدأ الفريق يتحرك معاً بصمت.

ثم سألت رين صفر: "لماذا مازلت ترتدي القناع؟ هذا سيجذب الانتباه أكثر."

رد صفر بصوت مكتوم من خلف القناع: "منذ أن ارتديته، أقسمت ألا أخلعه إلا إذا أمر القائد بذلك."

"حسناً، افعل ما يحلو لك، فقط لا تعق تقدمنا." قالت رين وهي تدير عينيها.

"....."لكن صفر لم يرد.

وظل الجميع صامتين، لم يتكلم أي منهم مع الآخر، عدا رين التي كانت تحاول تلطيف الأجواء بين الحين والآخر دون جدوى.

بعد فترة من السير، قرر الفريق أن يستريح في نزل قديم على الطريق.

"نريد غرفتين لليلة واحدة وعشاء." قالت رين لصاحب النزل."حسناً، سيكلفك هذا ٤٠ قطعة فضية."

"حسناً، أسرع بإعداد الطعام وأحضره إلى الغرفتين."

"حاضر." رد صاحب النزل ثم أخذ المال.

صعد الفريق إلى الطابق العلوي، وانقسموا بهدوء نحو الغرفتين.

لم يكدوا يغلقون الأبواب خلفهم حتى سُمع صوت طرقات خفيفة.طرق... طرق... طرق...فتح صفر ، الباب ليجد صاحب النزل يحمل صينية خشبية.

"تفضل يا سيدي،" قال الرجل بتهذيب

مدّ صفر يده وأخذ الصينية.

"شكراً لك." رد بصوته المعتاد. أغلق الباب وجلس على حافة سريره.

كان الطعام بسيطاً، لكن ما إن وصلت الرائحة إلى أنفه، وتذوق الملعقة الأولى، حتى تجمد للحظة.

كان طعماً لم يذقه منذ سنوات... طعم الحساء الذي كانت تعده له أمه. دون أن يشعر، تسربت الكلمات من خلف قناعه كهمس خافت: "...كانت أياماً جميلة."رفع رفاقه أنظارهم إليه في مفاجأة صامتة، لكنهم لم يعلقوا.

عاد صفر إلى صمته، وأكمل طعامه وكأن شيئاً لم يكن.

في الغرفة المجاورة، وصل طعام القائدة ورين.

بعد أن أنهتا طعامهما

سألت رين بنبرة من الفضول: "يا قائدة، لماذا لم يخلع صفر قناعه أبداً منذ أن انضم إلينا؟"

" بسبب ........ماضي يلاحقة " إجابة القائدة بهدوء

" أي ماضي ؟ هذا ؟" سألت رين القائدة مرة اخري

أجابت القائدة بهدوء: " لا أستطيع إجابتك كقائدة، يجب أن أحترم خصوصية مرؤوسيي، لتذهبي وتسأليه هو."

"ولكنه لا يتكلم مع أحد حول هذا!" تذمرت رين.

"فلتذهبي للنوم الآن، ستكون الرحلة متعبة غداً."

ذهبت رين إلى سريرها وهي تتذمر ، بينما تجاهلت القائدة تذمرها.في غرفة صفر، كان يغير ملابسه. كان جسده مليئاً بالندوب، ولكن ما يلفت الانتباه حقاً هي الحروق المروعة التي غطت جانبه الأيمن من جسدة بالكامل.

اقترب منه صديقه المقرب ليز، ونظر إلى الحروق بقلق.

"أمازلت لم تعالج هذه الحروق؟"

رد صفر وعيناه تحدقان في الفراغ: "لا، سأتركها هكذا حتى عندما أراها كل مرة، أتذكر ما حدث."

تنهد ليز. "يجب عليك أن تنسى يا صديقي.

""......" لم يرد صفر بل ظل صامتا .

"حسناً،" قال ليز وهو يربت على كتفه، "هيا بنا ننام. سنكمل الطريق في الفجر."

أومأ صفر برأسه ببطء، بينما ظلت آثار الحروق القديمة تحكي قصة صامتة في ضوء القمر الخافت.

.....................

" تفتكر اية قصة صفر ؟ عايز اعرف رأيك با التعليقات "

2025/12/02 · 11 مشاهدة · 909 كلمة
نادي الروايات - 2025