​ساد الصمت لبرهة في القاعة الملكية، ولم يكن يكسره سوى صوت طقطقة البلورات المضيئة. تنفس "زفير" بعمق، وكأن الهواء في الغرفة أصبح فجأة أثقل مما ينبغي. رفع بصره نحو الوجوه المحيطة به، وقال بنبرة حاول جعلها مستقرة:

"حسناً، بما أنكم ترون أنه يجب إعطاؤهم فرصة.. فليكن."

​سكت قليلاً، ثم أردف بصرامة ميكانيكية: "من يرى أنه يجب أن نعطي أبناء القائد السابق فرصة، فليرفع يده."

​كانت الغرفة تكتظ بصوت صمت ثقيل، صمت تسعة رؤوس وافقت على مضض، تارة خوفاً من الانقسام وتارة إجلالاً لذكرى قائدهم. عندما تحدث زفير مجدداً، كانت حروفه تخرج كقطع من الجليد الحاد، رغم أن عيناً دقيقة الملاحظة كانت ستلمح يده وهي ترتعش بخفة تحت الطاولة، محاولاً كبح اضطراب لم يعتد عليه.

​"أنا موافق،" قال لويس بهدوء مخيف، وعيناه البنيتان لا تفارقان الكرسي الفارغ في المنتصف.

"وأنا أيضاً،" أضافت روزليليا، وهي تشبك أصابعها أمامها.

"ولم لا نعطيهم فرصة؟ سيكون من الممتع رؤية ما سيحدث،" قالت ماريا وهي تعبث بخصلة من شعرها الأصفر.

​تعالت الأصوات مؤيدة، حتى استقر الرأي على موافقة تسعة من الأعمدة، بينما فضل اثنان (العمود السابع والثامن) البقاء في منطقة رمادية، معلنين ببرود: "لا نهتم، في النهاية القوي هو من سيفوز.. سنقف مع الجانب الذي يثبت جدارته."

​ضرب زفير الطاولة بخفة، وكأنه يختم القرار: "حسناً، بما أن الأمر هكذا، سأعطيهم مهلة خمس سنوات حتى ينضج كل واحد منهم. هنا تنتهي مناقشة أمر المنصب."

​تحول الجو فجأة من السياسة إلى الحرب. التفتت ماريا نحو روزليليا، وبريق الذكاء الحاد يلمع في عينيها الزرقاوين: "روزليليا، ماذا عن نتائج اختبار الجهاز؟"

​أخرجت روزليليا ملفاً جلدياً ووضعته أمام ماريا: "إنه يعمل، المبدأ صحيح تماماً. لكن المشكلة تكمن في المدى؛ إنه كبير جداً لدرجة تدميرية، والوقت الذي يحتاجه للشحن والتفعيل طويل بشكل يعرض المستخدم للخطر."

​سأل زفير بصوت خالٍ من المشاعر: "وماذا بشأن العملية الأخيرة؟"

​ردت روزليليا بثقة: "لقد نجحنا في تدمير ثلاثة معاقل للعدو. أحدهم.. التهمه الجهاز بالكامل، لم يتبقَ أثر لذرة غبار واحدة هناك. كل التفاصيل في التقرير."

​سحبت ماريا التقرير بنهم، وعلامات الانزعاج ترتسم على وجهها الجميل، وقالت بصوت خافت وكأنها تخاطب نفسها: "يجب تعديل هذا المكعب. المدى يحتاج لتصفير دقيق، ووقت التفعيل يجب أن يتقلص. أريد تحويل هذا السلاح من زلزال عشوائي إلى رصاصة جيب، تخترق قلب الهدف دون أن تخدش حلفاءنا الواقفين بجانبه."

​خيم الصمت مجدداً، قبل أن يقف زفير منهياً الاجتماع: "حسناً، حتى يحل موعد الخمس سنوات، سيظل كل منا يرعى منطقته الخاصة. ابقوا أعينكم مفتوحة."

​أرادت روزليليا أن تفتح موضوعاً أخيرًا: "بشأن الأبناء، هل سنبدأ بـ.."

​"ممنوع التدخل في تدريب أبناء الرئيس السابق، مفهوم!" قاطعها لويس بغلظة، وهو يضغط على شفتيه بقوة حتى ابيضت الدماء فيهما، وكأنه يبتلع غضباً قديماً أو يفي بعهد يمزقه من الداخل.

​حاولت روزليليا الاعتراض: "ولكن لويس، إنهم يحتاجون لتوجيه، العالم من حولهم قاسي و.."

​"كفي!" صرخ لويس، ولم تكن نبرته مجرد تحذير، بل كانت أشبه بصرخة ولاء مقدس لقائد غائب لكنه ما زال يحكم قلوبهم. "أنتِ تعلمين الوصية يا روزليليا. الرئيس أمرنا ألا نتدخل، ألا ندربهم، وألا نقترب منهم حتى يكونوا أقوياء بما يكفي لانتزاع المكانة بجهدهم."

​ساد صمت مطبق بعد ثورة لويس. نظر الجميع إلى الكرسي الضخم المغبر بنظرات تائهة. وفي زاوية الغرفة، تمتم أحد الأعمدة بصوت مسموع:

"حسناً، إنهم في النهاية أبناؤه، سيكونون بخير.. فلا يمكن للأسد أن ينجب إلا وحشاً مثله."

​​انصرف الأعمدة واحداً تلو الآخر، وبقيت القاعة غارقة في ظلالها. ظلت روزليليا واقفة وحدها للحظات، تحدق في الكرسي ذو النجمة السوداء وكأنها تستحضر طيف صاحبه الغائب. فجأة، وبحركة خاطفة، التفتت نحو زفير؛ كانت عيناها حادتين كالنصال، وكأنها اخترقت جدار بروده لتلمح ما يخفيه خلف قناعه الجليدي.

​​"هاه..." تنهدت بمرارة، زفرة قصيرة حملت معها شكوكاً لم تبح بها، ثم استدارت وخرجت هي الأخرى بخطوات سريعة، تاركةً خلفها صدى كعب حذائها يتلاشى في الممر الصخري.

​الآن، لم يبقَ في القاعة المهيبة إلا زفير.

​تغيرت ملامحه بالكامل؛ اختفى الوقار المصطنع، وظهرت في عينيه نظرة طمع وجشع لا ينتهي، إصرار مرعب لا ينضب على امتلاك ذلك الكرسي الأضخم. رفع يده ووضعها على وجهه، ليخفي خلف أصابعه ابتسامة خبيثة ارتسمت على محاياه، بينما كانت يده الأخرى تنقر بإيقاع منتظم ومستفز على مسند كرسيه الخاص.. نقرة.. نقرة.. نقرة.. وكأنه يعد التنازلي لسقوط الجميع.

​وبعد لحظات من الاستمتاع بتخيل عرشه القادم، نهض هو الآخر ببطء، وهمّ بالذهاب بزهو المنتصر قبل أوانه.

........................................

" هذا الفصل الخامس "

" اتمني قراء ممتع للجميع🙂🙃 "

" أسف علي التأخير بس كنت في امتحنات في الكليه😅😅 "

" عايز اعرف رايكم بخصوص زفير في التعليقات وتفتكر له ادي المدة الطويله دي 🤔🤔🤔؟"

2025/12/17 · 6 مشاهدة · 706 كلمة
نادي الروايات - 2026