أغلق زفير الباب خلفه، وسار في الممر الحجري الطويل بخطوات تبدو واثقة، لكن قلبه كان يرقص على إيقاع طموحه الخاص. لم يستطع كبح تلك الابتسامة العريضة التي شقت وجهه. يده اليمنى كانت تضغط بقوة على جانبه الأيمن، وكأنه يتحسس جرحًا قديمًا يذكره بأهمية ما يصبو إليه.
لم يكد يبتعد عن القاعة حتى برزت من بين الظلال فتاة، كانت ملامحها هادئة لكن نظراتها ثاقبة. ما إن وقع بصرها عليه حتى انحنت انحناءة صغيرة تدل على الولاء المطلق.
"مرحبًا يا سيدي،" قالت بصوت خفيض يكاد لا يُسمع.
توقف زفير، واقترب منها حتى لفت أنفاسه وجهها، وهمس بصوت مشحون بالترقب: "هل أحضرتِ ما طلبتُ منكِ؟"
أخفضت الفتاة عينيها أكثر، وردت بسرعة: "أجل سيدي، كل شيء جاهز كما أمرت."
لمعت عينا زفير ببريق شيطاني، وتمتم: "أحسنتِ... هيا بنا لنغادر هذا المكان أولاً، الجدران هنا لها آذان."
"كما تأمر،" ردت الفتاة وتبعته بخطوات صامتة كأنها طيف، متلاشين في أعماق الممرات المظلمة.
على الجانب الآخر من الكهف، كانت روزليليا قد وصلت إلى حيث تنتظرها نائبتها رين. كانت ملامح القائدة متجهمة، تفكر في ما يجب عليها فعله تجاه نعل القائد – ذلك الشيء الذي يمثل السلطة والخيانة معًا. لم تلتفت خلفها، بل تابعت سيرها نحو مدخل الكهف حيث كان صفر وبقية الفرقة ينتظرون بأسلحتهم وجاهزيتهم العالية. كانت رين تسير بجانبها بخطوات مترددة قليلاً، كأنها تشعر بالتوتر الذي يخيم على روزليليا.
"صفر... هيا بنا،" قالت روزليليا باختصار، نبرة صوتها لم تكن تسمح بأي سؤال.
"أمركِ يا قائدة،" رد صفر بجدية، مشيرًا للبقية بالتحرك.
بدأ الجميع في الخروج، تاركين خلفهم قاعة الأعمدة وصراعاتها المخفية. وبينما كانت روزليليا تسير، كانت تنظر إلى الأفق البعيد وهي تفكر بما هو قادم – هل سيكون نعل القائد مفتاح النصر، أم مصدر لمزيد من الخسارات؟
وفي الوقت نفسه، من الناحية الأخرى، كان زفير والفتاة قد خرجا أيضًا. لم يلتفت زفير للخلف وهو يسأل بصوت جاف: "إذن... ماذا وجدتِ؟"
كانت الفتاة تسير خلفه بخطى رشيقة، وكأنها تطفو فوق الأرض. ردت بهدوء وهي تخرج لفافة جلدية قديمة مختومة بالشمع الأسود: "حسنًا، كل المعلومات التي طلبتها مني موجودة هنا."
توقف زفير للحظة، استلم اللفافة، وارتسمت على وجهه ابتسامة غامضة. "أحسنتِ... والآن، لنرَ ما الذي تخفيه هذه السطور."
في تلك اللحظة، لم يعد زفير والفتاة مجرد شخصين يسيران؛ بل انطلقا بسرعة برقية، تحولا إلى ظلال باهتة تمزق سكون الطريق. لم يكن بمقدور أي عين بشرية عادية أن تدرك حركتهما، كانا مجرد "وميض" يعبر المسافات، حتى وصلا أمام قصر مهيب، جدرانه تحكي قصص العظمة الغابرة.
دخلا القصر، وعبرا ممراته الطويلة بصمت، حتى وصلا أمام باب خشبي ثقيل، نُقش عليه بروعة وإتقان رمز غراب أسود باسط جناحيه. أشار زفير للفتاة بيده أن تذهب، فاستدارت واختفت في الظلام دون كلمة.
فتح زفير الباب ودخل.
لم تكن الغرفة عادية؛ كانت مكانًا معزولاً تمامًا عن العالم، بلا نوافذ، يضيئها وهج خافت ينبعث من جواهر وتحف ثمينة مبعثرة بدقة.
على الجدران، كانت هناك لوحات ونقوش ذهبية تخطف الأبصار، لكن أكثر ما كان يشد الانتباه هو سيف معلق، بلون أزرق وأبيض نقي، يشع منه ضوء غريب وكأنه يتنفس.
تنهد زفير بعمق، وجلس خلف مكتبه الضخم.
ببطء شديد، كسر الختم وفتح اللفافة، وعيناه تلتهمان الكلمات باهتمام مرعب:
التقرير السري:
الاسم: راديان (الحالة: ميت رسميًا).
الرتبة: جنرال (القائد الأعلى السابق للمنظمه ).
المصير: اختفى بعد نهاية الحرب العظمى، وبُني له قبر فارغ لعدم العثور على جثته.
العائلة: زوجته السابقة طلبت الطلاق بعد اختفائه، ثم تزوجت من أحد النبلاء.
الأبناء: للجنرال ابن واحد فقط منها.
وفتاه كانت الزوجه حامل به قبل ان تتزوج منه أما الأبناء الاثنان الآخران (ولدان ) فهم من النبيل.
ملاحظة خطيرة: تم التأكد عبر شهادة سرية من أحد الخدم القدامى أن الزوجة كانت تخون الجنرال مع هذا النبيل قبل الطلاق.
ضحك زفير ضحكة مكتومة، ضحكة خبيثة هزت أرجاء الغرفة الصامتة. "إذن... الأسد كان يربي في بيته زوجه مثله وهو لايعلم ؟"
" يا له من زوج مخدوع ،كم أشعر بالحزن عليه ؟"
وضع زفير يده على ذقنه، وعيناه مثبتتان على جملتي "كانت حامله با الفتاه قبل الزواج " و" كانت تخونه " . ثم همس: "اذا لا يوجد إثبات ان كانت الفتاه من نسله اما لا ."
ثم أكمل القراءة:
الفتاة: نيف (بعمر الثانية عشرة).
الحالة: تم زراعة الجوهرة، والمحتمل أكثر أنها ستكون من فصيله الصياد.
ملحوظه : مشهورة ومعروفه بعبقريته وجماله
.....................................................
الولدان: زير وريل (بعمر العاشرة).
الحالة: تم زراعة الجواهر منذ أسبوعين.
ملحوظه : مشاغبان ويحبان اثارة المشاكل
ّ.............................................
الولد: رافيوس (بعمر الرابعة عشرة).
الحالة: لم يتم زراعة الجوهرة بسبب حالته المادية، ويُعتبر الآن أنه من المستحيل زراعة الجوهرة مرة أخرى بسبب سنه (أي مجرد إنسان عادي).
ملحوظه : يعيش الان في كوخ صغير مهجور في الريف لوحده بعيد عن العاصمه في الأطراف الشماليه للمملكه .
ما صدم زفير وجعل عينيه تأخذ تلك الجملة ذهابًا وإيابًا مرة أخرى .
"ماذا... كيف، لماذا؟"
"أهو مجرد إنسان عادي؟"
"هاهاهاها، يا له من حظ!"
" يبدو أن كل شئ يسير و يخدم خطتي حتي أن ابنه مجرد إنسان عادي !"
"حسنًا، بما أن الفتاة لا يوجد إثبات عن كونه ليس من الوراثة، لابد لي من استغلال هذا."
ثم أخرج من يديه لهبًا أزرق دمر اللفافة، ثم ترك مكتبه وذهب أمام مكان السيف المعلق ومد يده وأمسكه، وأخذ يضحك بهيستيريا وهالته تهز أركان الغرفة.
في تلك الأثناء، في قرية ريفية غارقة في صمت الليل، كان هناك كوخ كبير نسبيا يقف وحيدًا كأنه منبوذ من الأرض.
بالداخل، كان الفتى يجلس على الأرض الباردة، يضمد جرحًا عميقًا في يده ناله من الفأس أثناء العمل في الحقول.
لم يكن يرتدي سوى قميص ممزق، لكن جسده كان مشدودًا كوتر قوس مستعد للإطلاق.
نظر إلى رغيف الخبز الجاف أمامه، وتذكر تلك اللحظة قبل سنتين: لوم أمه، سخرية "إخوه" غير الشقيق، ونظرة الاحتقار في عيون النبيل وهو يأمر الخدم بطرده ككلب أجرب.
قبض يده المجروحة حتى سال الدم من بين الضمادات، ولمعت عيناه البنفسجيه بسواد أشد سوادًا من الليل.
لم يكن يبكي، فالدموع جفت في عروقه منذ زمن، وحل محلها يقين بارد – يقين بأن اليوم الذي سيعيد فيه ترتيب العالم ويقف علي قمته قادم لا محالة.
ّ......................................
" ممكن حد يقول رأي في التعليقات علي الفصل كده🙂🙃 ؟"
" قراء ممتع للجميع 😊"