خاطِرَة عابِرة مرّت بذهن شو تشيان، مُبهَمة، تدقُ ناقُوس الخَطر...لكنّها لم تُكشَف لها كليّة.
بشكلٍ ما، بدت حقيقيّة.
كانت مغيّبة في أفكارِها، عندَما سحبَها يو تاو فجأة إلى الواقعِ بكلماتِه.
"شو تشيان، هل سمعتِ مسبَقًا بقصّة إله الموت؟" مانت نبرته غامضة.
"ما هي القصّة؟" سألَت شو تشيان مشوَّشة.
"يُحكَى أنّ إله الموتِ أراد أن يقتُل أحدا ما ذات مرة، فترّجاه ذلك الشخص ليصفَح عنه. و في النّهاية، وافَق إله الموت بشرطِ أن يراهِنَه؛ يتّصل بثلاثة أشخاص، و يطلُب منهم المجيء فورًا دون أن يُسمَح له بإخبارهم عن السّبب. إذا أتى أحد هؤلاء الثلاثة الذّين اتّصَل بهم، فسيعفو عنه إله الموت، و إن لم يحضر أحد، كان مصيرُه الهلاك."
ظل يثرثر دون توقف، بينما كانت شو تشيان غارقة في أفكارها، لا تصغي لما يقول.
بأنّها كانت في تلك اللّحظة، شاخصة ببصرِها في ذراعِه الشّاحب تحتَ ضوءِ مصباحِ الشّارع.
انجلت الفكرة الضبابيّة التي راودتها فجأة، واتضحت في ذهنها بجلاء.
إنّها الوحمة!
نفسُ الوحمة التّي رأتها في ويبو على ذراعِ حبيبِ الفتاة المنتَحرة من الجامِعة المُجاوِرَة.
هل هذه صدفة؟
من سابع المستحيلات أنّها كذلك!
من النّادر جدًّا أن تتخذ الوحمة شكلًا كهذا.
هل هذا يعني أنّ...؟
لم تر وجهه حتّى، لكنّ القشعريرَة سرت في جميع أطرافِها حتى وقَف شعرُ جلدِها.
"يو تاو، ما هذا الهراء الذّي تتحدّث عنه؟ السّكن قريبٌ من هنا على كلّ حال، لستَ في حاجَةٍ لإيصالي لأبعدَ من هنا. أشكرُكَ اليوم حقًّا."
تمتمت و أسرَعت تتقدّم سيرًا.
لكن حالَما لامسَته، حتّى أقبَض يده عليها.
يدهُ كانت باردة جليديّة، عكس البشرِ العاديّين.
فزعِت حتّى كادت تفقِدُ صوابَها، و حاولت الإفلات منه، غير أنه أمسك بها بقوة و دفعها بعنف نحو عمود الإنارَة.
"شو تشيان، إلى أين تخالين نفسكِ ذاهبة؟ كنتُ أخطّطُ لأحظى ببعضِ المرَحِ معكِ، هل تتذكرّين لعبَة الهاتف التّي أخبرتُكِ بها للتو؟" قالَ ساخرًا بنبرَة بارِدة و ابتسامَةٍ جانبيّة مختلّة.
يو تاو الذّي كان واقفًا أمامَها الآن لم يكن الفتى المرِح الدّافئ بعد الآن؛ عيناهُ كصقيعٍ باردٍ ترمِي نظراتٍ حادّة كالسهام، تشبه وحشًا ضاريًا يوشك على الانقضاض.
كانت خائفة للغاية، لذلك ركَلَته لكن عبثًا، كأنّها ركلت الهواء، لم يبدُ عليه التأثر على الإطلاق.
بكلّ بساطة، أخذَ الهاتِف الذّي أعطاه إياها من جيبِها و وضعَه بجانِب أذنِها.
"اتّصلي بثلاثةِ أشخاص، من غيرِ المسموحِ لكِ أن تخبريهم عن السّبب، فقط اسأليهم بأن يأتوا إلى هنا."
ابتَسمَ بشرّ ابتسامَة مخيفة.
"إذَا أتى أحدُ الذّين تتصلِين بهم، سأدعُكِ و شأنَكِ. إذا لم يظهر أيّ منهم... حسنًا، سترافِقِين شو يين." قال بضحكة ساخرة.
"أنتَ الذّي قتلتَرين يينغ!" صاحَت فيه مصدومَة و الرّعب يتملّكها.
ارتفعت شفتاه في شبهِ ابتسامة متهكّمة تنذر بشيء مريب.
"هذا صحيح، لم يكن لديها أي أصدقاء، و لم يهتمّ أحدٌ بأمرِها، كانت الفريسَة المثاليّة. لكن بالتأكيد، أنتِ نفسُكِ لستِ بذاكَ السّوء. فتاةٌ متبَنّاة لا يُحبُّها والدَاها. ليسَ لديك أدنى فكرة عن مدى حماسِي لرؤية من ستتصِلِين بهم."
استهزاؤه بها بعث فيها رعبًا هزّ جسدَها دونَ وعيِها.
الآن أدركت أخيراً لماذا قالت رين يينغ أنّها السّببُ في موتِها.
في اللّيلَة التّي ماتت فيها، أجبَرها يو تاو على لعبِ هذه المُراهَنة، و كانت شو تشيان واحدة من الأشخاص الثلاثة الذِّين اتّصلَت بهم رين يينغ.
لو أجابَت الهاتِف حينَها و أسرَعت إليها، ما كانت رين يينغ لتموت...
"كفى تراهاتٍ الآن! هيا، اجري الاتصال فورًا!" زمجر بصوتٍ غاضب.
"لن أفعل!" ردّت بيأس صوتٍ مرتعش.
ذكَر رونغ تشي مسبَقًا أنّ رين يينغ ماتت بسببِ توقِيعِها لعقد.
لا بدّ أن العقد الذي قصدَه هو لعبة الهاتِف هذه.
رغم أنها لم تكن متأكدة من ماهية يو تاو بالضبط، إلا أنه من المُؤكّدِ أنه يخشى العقاب، لذلك لا يجرؤ على ارتكاب جريمة القتل بنفسه.
لهذَا السّبب، صُمم هذا النّوع من الألعابِ كعقد.
و بالتالي، ما دامت لم توافق على هذه اللعبة، فلن يملك أي حق في قتلِها!
بدا و كأنه قرأ ما يدور في ذهنها.
ازدادت سخريته جفاءً و برودًا.
"شو تشيان، هل تعتقدين أنّه لديكِ حقّ الاختيار في التّملصِ من هذه اللّعبة؟ العقد تم توقيعُه من اللّحظة الأولى التّي قبلتِ فيها أخذ الهاتف."
شح وجهها فجأة، وكأن الخوف امتصّ دمها.
هذا يعني أن منحها هاتفه لم يكن كرَمًا منه، بل خطوة محسوبة منذ البداية!
ركل ساقها و قال ببرود خالٍ من الرّحمة "اتصلي الآن. إن امتنعتِ، فهذا إعلان صريحٌ عن انسحابكِ، و لن تنالني أي عقوبة حتى لو قتلتكِ في الحال!"
كانت تعلم أنه لا يكذب.
إن لم تُجرِ تلك المكالمة، فمصيرُها الموتُ على يديه.
لم يكن أمامها خيار سوى أن تلتقط الهاتف بيدين مرتجفتين رعبًا.
من الذّي ستتصلُ به؟
من سيهرع لنجدتها دون أن يفكر مرتين؟
بيدين ترتعشان، بادرت إلى الاتصال ب لوو هان أولاً.
طيط—
طيط—
طيط—
كانت خط هاتِفِها مشغولًا.
"ضاعَت فرصتكِ الأولى" همس يو تاو بصوتٍ مفعم بالخبث و الشّر.
حتى في ذلكَ الجوّ الحار، أخذت تتصبب عرقًا باردًا يسيلُ من جبهتها و على وجهها.
تردّدت لبعض ثوانٍ قبلَ أن تتصل برقمِ والدتِها بالتّبَنِي.
بعدَ رنات عديدة طويلة مرّت كأنّها دهر حُبست فيه أنفاسَها، ردّت والدَتُها أخيرًا.
"مرحَبًا؟ شو تشيان؟"
بلهفَة و ارتباك، تمتمت بسرعة "أمّي...أ-أنا في ورطة الآن...هل-هل بإمكانكِ القدوم إلى المدرسَة فورًا الآن...؟"
"ما الأمر شو تشيان؟ هل الأمر طارئ؟ أختُكِ تقوم بتصوير إعلان مهم، و أنا أرافِقهَا الآن."
"أنا في مأزق حرجٍ الآن، هلَّا أتيتِ رجاءً؟" قالت بصوتٍ مكسور، بالكاد تنهار بكاءً.
"ما الخطبُ تحديداً؟"
رمَقَها يو تاو بنظراتٍ موحشَة تهديديّة.
كانت تعلم أنه وفقًا للعقد، لم يُسمح لها بشرح السبب.
"أنا-أن-..."
عندمَا لم تتحدث شو تشيان و لم تخبرِها عمّا بها، بدأ صبرُ والدتِها بالتّبني ينفذ على الجهة الأخرى من الخط.
"حسنًا الآن شو تشيان، لا يمكنني الحديث أكثر من هذا، لا وقت لديّ الآن. شقيقَتكِ الآن تصلح مكياجَها و عليّ أن أحضر لها بعض المشروبات."
بهذه الكلمَات، أنهت المكالمة دون أن تعبَأ حتّى بسماعِ إجابَتِها...
وقَفَ يو تاو جانبًا، يضحَكُ ضحكة ساخرًة مستهزئا بها.
"تئ تئ، يا لها من أمٍّ قاسيَة! لماذا لا نُخمِّن، لو كانت أختك الصّغرى هي التّي اتّصلت بها اليوم، هل كانت والدتَكِ لتأتي؟ أنا أخمّن أنها كانت لتفعل ذلك. ففي نهاية المطاف، واحدة هي ابنتها البيولوجية و الأخرى ابنتها بالتّبَني، واحدة هي نجمَة معروفَة وطنيًّا، بينما الأخرى... مجرّدُ طالبَة جامعيّة بالكادِ يعرِفُها أحد. بالنّسبة لها، لا يحتاج الأمر إلى تفكيرٍ ثانٍ حتى تقرّر من تحبّ أكثر."
أطبَقت على فكيّها بقوة، بالكادِ تحبِس دموعَها عن الانهمار، لا تتفوّه ببنت شفة.
هذا اللّعين لم يدّخر جهدًا و لا وقتًا في التّحري عن خلفيَتِها بعمق.
"حسنًا الآن." اختفَت ابتسامتُه اللّعينَة "هذه فرصتُكِ الأخيرة، بمن ستتصلين الآن؟"
حدّقت في الهاتف المحمول، و أطرافها كلّها تنملت.
هذه فرصتها الأخيرة في النّجاة.
إن لم تنجح، سيكون الموتُ قتلًا نهايتَها.
تنقلت بإصبع مرتجف عبر قائمة جهات الاتصال، حتّى استقرّت أنامِلُها أخيرًا عند اسم ذلك الشخص.
هل سيأتي لنجدَتِها؟
عضّت على أسنانها بقوة، ثم بحزمٍ مرتجف، ضغطت زر الاتصال، لك يكن لديها خيار آخر.
رنّة، رنّتان-
"مرحبًا."
صوتٌ مألوفٌ تردَّد عبر الهاتف، كانت مرتِبكَة لدرجة أنّها أحسّت بقلبِها يكادُ يخرجُ من محلِّه إلى حنجرتِها.
"زيهاو..."
و ما فتحت فمها شفتاها بالكلام، حتى انهمرَت عبراتُها دون توقف، غير قادرة على كبح نفسِها.
"لديّ أمر عاجل في المدرسة الآن، هل يمكنكَ الحضور؟"
تبع ذلك صمتٌ ثقيلٌ مهيب في الهاتِف لبعضِ لحظات، خنق أنفاسها بينما انتظرت بتلهف و رجاء إجابَته، حياتها كانت معلّقة به.
بعد بريهات، ردّ ليو زيهاو "شو تشيان، ألم تستسلمي بعد؟ لقد وضحت كل شيء لك مسبَقًا. أنا معجب بأختكِ الآن، هلّا توقّفتِ عن إحراجِي؟"
سقطت دموعُها مع كلماتِه التّي صفعتها كالصاعقَة.
لم تعلم حتى إن كانت تلك دموع الخوف، أم دموع خيبة ظنِّها؟
"أنا أعلم ذلك، لكن الأمر لا يتعلّق بما حصل. لديّ مسألة طارئة هنا، هل يمكنكَ من فضلكَ..."
وقبل أن تُكمل حديثها، كان ليو زيهاو قد بادرها بمقاطعة جافة تنضح نفاذًا في الصبر.
"شو تشيان، ما كان بيننا قد انتهى و هو من الماضي الآن. أرجو حقاً أن تفيقي من أوهامك بأسرع وقت، و ألا تتدخلي بيني و بين شو يين و تفسدي علاقتَنا. على أي حال، شو يين هي أختكِ الصغرى، و بصفتكِ الأخت الكبرى، كيف لكِ أن تكوني أنانية إلى هذا الحد؟"
انقبَضَ صدرُها على حين غرَّة، شعرت و كأنّها تختنق بكلماتِه التّي رمَت الخناجرَ في قلبِها.
لقد سُلِبَ حبيبها العزيز منها على يد أختها نفسها، و الآن تُتَّهَم بأنها أنانية؟
من كانت الأنانية هنا؟
بدّدَت عن قلبها آخر خيوط الأمل الواهية في أن ينقِذها ليو زيهاو.
ولئلا يختنق صوتها بعبرتها، أخذَت نفسًا عميقًا.
"ليو زيهاو، كنتُ عمياء البصيرَة عندمَا أحببتُ شخصًا مثلك سابقًا."
أغلقت الخط مبَاشرة دون أن تنتظر منه ردًّا.
راح يو تاو يضحك ضحكًا مختلًدًّا هستيريًّا.
"شو تشيان... آآه شو تشيان، لا يحبُّك والداكِ، و لا يكترثُ لأمرِكِ حبيبُكِ السّابق... لم تخيّبي أملي بكِ قط!"
وقفت بلا حراك، محبطة، دون أن تكلف نفسها عناء الرد عليه...كانت شو تشيان وحيدًة بالفعل، ما قاله يو تاو صحيح.
نفذ صبرُه الآن.
"حسنًا الآن، شو تشيان. بما أن البقاء على قيد الحياة عديمُ المعنى لكِ. فلماذا لا تدعينني أمتص جوهركِ الرّوحي؟ صدّقيني، لن يؤلمك الأمر على الإطلاق."
قال باستهزاء و مكر و نظراتٍ حادّة كنظراتِ وحشٍ على وشكِ أن يمسكَ بمخالِبِه فريسته المنتظرة طويلًا، ثمّ انقضّ عليها محاولاً الانقضاض على رقبتِها.
داهمَتها هبّة هواء بارد، فأغمضت عينيها مستسلمَة بيأس.
و عندَها، صوتٌ عذبٌ باردٌ تناهى إلى مسامِعِها أمامَها.
"كنتِ في منتهى الغرورِ عندما صدَدْتِني، لكنّ الأمر انتهى بك لتكوني وجبة لزومبي؟ أنتِ مذهلة فعلًا شو تشيان."