"هيَّا بنا زوجتِي، فلنذهب إلَى السَّرير."
الرَّجلُ أمامِي كانَ مكسوًّا بثوبٍ قرمزِيّ، قامتُه رفِيعة، كتفَاه عريضتان، و خصرُه نحِيل.
بشرَتُه فاتِحَة، و جميعُ ملامِح وجهه بدَت و كأنَّها عملٌ فنيّ في غاية الوَسامَة، لا متناهٍ في الدِّقة و الإتقَان، لا عيبَ فيه.
كانَت خائفة في حضرَة شخصِ بارعِ الجمال كهذا.
أينَ هذا المكان؟
لماذا يبدو كأنه قاعة حفلِ زفاف من الطراز القديم؟
لنذهب إلى السَّرير؟
ما الذِّي تقصده بهذا الكلام؟
أنا لا أعرِفُ من أنتَ حتّى!
كانَت مرعوبَة و تريد الهرَب، لكن جسَدها بدَا و كأنَّه مشلولٌ عن الحَركة بفعلِ قِوى غير مرئيَّة، غيرَ قادرَة عن التحرُّك إنشًا واحدًا.
حينَها ابتسم الرَّجلُ الوسيمُ في الثَّوبِ أمامَها ابتسامَة خفيفَة.
"حسنًا، زوجتِي، كل دقِيقةٍ في لَيلة الزِّفاف مهمَّة، علينَا ألا نضيِّع وقتَنَا."
تردَّد صوتٌ عميقٌ رخيمٌ في أذنيها بينمَا المشهَدُ الأحمرُ أمامَ ناظِرَيها أصبحَ ضبابيًّا فجأة.
الظلَّام عمَّ كيانها دُفعَة واحدة.
البرد.
البرد قارص.
شعرت و أن جسدها بأكمله غرِق في كهف جليديّ.
صوتٌ جامِد رنّ في مسمَعها بينما كانت في حالتِها المُشوَّشة.
"هل تحاول عائلة رونغ التَّلاعبَ بي؟ هل أحضروا لي فعلًا فتاة شابَّة خرقاء؟"
كان الصوت شجيًّا و مُحبَّبًا للاستِماع، لكنَّه بدا ساخطًا من نبرتِه.
من كان هذا؟
من الذّي يتحدث في أذني؟
عانَت لتفتحَ عينيها، لكنّ جميع محاولاتِها باءت بالفشل، أحسّت بأنَّ جسدَها لم يعد ملكا لها.
لم تستطع تحريك طرفٍ واحد حتى.
"حسنًا إذن، على الرّغم من أنَّك لستِ جذَّابة بالتحديد، لازلتُ أعتقدُ أنَّك تفينَ بالغرَض."
تردّد الصوتُ في مسامعها مجددا، لكن هذه المرة، بشيء خفيف من المرح في نبرتِه.
فجأة و بدون سابِق إنذار، غمَرت البرودة شفتيها قبل أن تستوعِب ما قاله حتّى.
كان الإحساس غريبًا و باردًا، كنسمة ليلية تلامس وجهها.
شعرت بأنفاس باردة تقترب، ثم ابتعدت ببطء.
ارتعش جسدها قليلاً من شدّة البرودة المفاجئَة.
سلسلة من القهقهات طرقت أذنيها، و كأنّ الشخص الآخرَ وجد ردَّة فعلها مبعَثَة للضَّحك.
"حسّاسة للغاية."
كان هناك بردٌ غريبٌ حول خصرِها كذلك، كأنه ملمَسُ يد عابرة.
على الرغم من أنها كانت غارقة في النَّوم، إلا أنها أحست بأن هنالك خطبا ما هذه المرة.
حاولت المقاومَة بعضَ الشيء، غير أن اليدَ حول وسطها كانت مسيطِرة، حتى أنّ قبضتها زادت إحكامًا عندما أحست بمقاومتها.
كانت غير قادرة على الحركة البَتّة.
بعد ذلك، خفَّ الإحساس تدريجيًّا، و ظلَّت البرودة تحيط بها كما لو أن ظلاً يطوِّقها.
على الرغم من برود اللمسة حول وسطِها، إلاّ أنها أحست بحرارَة جسدِها ترتفِع تدريجيّا على غيرِ المتوقّع.
لوهلة وجيزَة، تجمدت بالكامل من اللمسة الجليدية على جسدها.
أحست باجتياحٍ طاغٍ يعصف بجسدها دفعة واحدة، كأن شعلة باردة كانت تحرِقها.
مضَت الليلة أطول من المعتاد.
لم يكن لديها أدنى فكرة عن الوقت الذي استغرقه الأمر حتى ينتهي.
كانت تلهث للأوكسجين عندما أحست ببرودة خفيفة قرب وجهها و بالصوت العميق يقول لها مجددا "سأعود إليكِ عندما أنتهي مع عائلة رونغ."
فورما أنهى كلماته، انسحبت تلك البرودة دفعة واحدة من جسدها.
"آآه!!"
صرخت و هي تنهض مذعورة من السرير.
كان الضوء الأبيض قويّا حتى كاد يعميها.
المنظر المألوف لغُرفة السّكن تحرك أمام عينيها.
"ما خطبكِ، شو تشيان؟"
تناهى إلى أذنها صوتٌ مألوف ممزوج بنبرة من القلق.
عندما جالت بنظرها في الغرفة، سقطت عينُها على زميلتها في السكن، لوو هان، تناظِرها بقلق.
استغرقت عدة ثوان لتستوعب ما حصل.
كان ذلك كابوسا إذا.
لم أحلم فقط بالزواج من رجل وسيم، بل حلمتُ أيضا بأنّني أشارِكُه الفراش؟
يا إلهي شو تشيان، ما الذي تفكرين به؟
قرصت نفسها بضع مرات قبل أن تبتسم لرفيقتها.
"لا داعي للقلق، كان كابوسا مزعجا فقط، هل أخفتُكِ؟"
أماءت لوو هان برأسها، مصدقة ما قالته شو تشيان.
نهضت من السرير لتغتسل، لكن حالما وقفت، فقدت توازنها و بالكاد سقطت على الأرض.
ألم لاذع أتى من بين ساقَيها، ما تسبب لها في الارتماء على السرير.
أحست بالذهول.
ما الخطب معي؟
ألم يكن مجرد حلم؟
هل يعقل أن الأحلام بتلك الأشياء يسبب الألم في الواقع أيضا؟
كيف حدث كل هذا؟
شدَّت على أسنَانها و أزاحت لحافَ السرير، لكن حالَما رفعته، تسمَّرت مكانها.
غطاءُ فِراشُها الأزرق السَّماويّ كان عليه بقعة دم...
"هل أنتِ في دورتِك الشهريّة؟"
سألتها لوو هان بهدوء عندما لاحظت لطخة الدَّم.
ظلَّت ساكنة لا تتحرك، و لم تُجب أيضًا على سؤالها.
دورتِي الشهرية حتمًا انتهت قبل بضعة أيَّام!
لماذا عادت هكذا على حين غرَّة؟
و الألمُ بين ساقيّ...
صوتُ لوو هان تردّد مجدّدًا قبل أن تسنح لها الفرصة بأن تفسر ما حصل.
"أسرعي شو تشيان! لدينا محاضرة عند جيانغ، ستعاقِبنا الخبيثة إن تأخرنا!"
عادَت إلى الواقع على نحوٍ مُباغِت.
"مهلًا، ما الوقتُ الآن؟"
"إنَّها الثامنة و النصف!"
"تبًّا!"
أسرعت نحو الحمّام دون أن تفكر بأي شيء آخر.
و بعد أن اغتسلت، أمسكت حقيبتها و هرَعت نحو مبنَى الصفوف مع لوو هان.
لكن حالما وصلتا إلى المبنَى، رأتا جمعًا غفيرًا أمامه.
بدا الجميعُ كأنهم ينظرون ناحية شيء ما، معيقين الدّخول إلى بنايَة الصفوف.
"ما الذي يجري هنا؟ أليس من المُفترض بكم أن تكونوا في صفوفكم الآن؟"
لم يَسعهُما سِوى التذمر لمَّا لم تقدرا على الدفع بين الزّحام، على الرغم من محاولتهما لذلك.
"شو تشيان! الرئيسة لوو!"
تردَّد صوتٌ مألوف من مقدمة الحشود.
نظرت شو تشيان مصدرَ الصوت لترى واحدَة من زميلاتِها في السّكن، شياو مين، تدفع بين الجموع لتجتمِع بهما.
لاحظَت شو تشيان أن وجهها كان شاحبًا كالورَقة البيضاء عندما التقت بهما بعد أن شقت طريقها إليهما بصعوبة بالغة.
"ما الذي حصل في الأمام، شياو مين؟"
أجشهت بالبكاء "رين يينغ... يينغ انتَحرت بالقفز من أعلَى المبنَى!"
شيء ما اندَفع إلى رأس شو تشيان، جعلَ ذهنَها مُغيَّبا عن التفكير.
ثلاثتهن وصلنَ إلى مقدِّمة الجموع الغفيرة بعد أن زاحمن الحشود بجُهدٍ جَهيد.
جثَّة امرأة هناك كانت غارقَة في بركَة من دمائها على الأرض مقابِل مبنى الجامِعة.
على الرغم من أنَّها كانت ملفوفَة بفستان أبيض طويل، إلَّا أن ملامح وجهها الرَّقيق الجذّاب، كانتَ لا تزال تُميَّز، و إن بصعوبة.
بَهَت لونُ وجه شو تشيان.
كانت بالفعل رين يينغ، زميلتهن الرابعة في غرفة السكن.
عندمَا رأى الطَّلبة الآخرون جُثمانَها، تعالَت صرخاتُ الذُّهول من أفواههم مرارًا و تكرارًا.
حتَّى إن بعض الفتيات المتحفظات انفجرن باكيات لرؤية المَشهد.
موتُها كان مأساويا، بشهادة شو تشيان.
جثتُها مُلقاة على الأرض، أطرافُها ملتوية بشكل مرعب، و كلُّ عظَامها مكسورة.
حتى أن إحدى مُقلتَيها قد خرجت من محجَر جُمجُمَتِها.
تفرَّق الحشدُ سريعًا حالمَا وصلت الشرطة لعينِ المكَان.
كذلك، كانت جميعُ المُحاضرات مُلغاة لذلك اليوم، لذا عادت شياو مين، لوو هان، و شو تشيان إلى غرفتهن.
اليوم، شخصٌ كان مفقودًا من غرفة السَّكن الدّافئة عادةً.
بعثَ هذا الفقدٌ شعورًا عميقًا بالحزن حياله.
قررت شياو مين و لوو هان العودَة إلى منزليهما من شدة الرُّعب الذي تملّك كلًّا منهما، كذلك، لم يكن هناك أي محاضرات لصباحِ الغد.
"شو تشيان، هل أنتِ متأكدة من أنّك لا تودين العودة إلى منزلك؟"
سألت شياو مين باستغراب بعد أن لاحظتها جالسة لا تحرك ساكنًا على سريرها.
هزَّت شو تشيان برأسها أن 'لا'.
"أنتِ شجاعة بالفعل." قالت متنهدة.
ابتسمت شو تشيان ابتسامة مُرّة.
لستُ شجاعة.
أنا فقط لا أريدُ العودَة إلى المنزل.
لوو هان كانت أقربهن إلى شو تشيان، لذلك كانت على درايَة بمعاناتها.
"لا تقلقي شو تشيان، سنذهب لليلة واحدة فقط و نعود غدًا."
أومأت برأسها.
...
استلقت شو تشيان على السرير لوحدها في الغرفَة خلالَ الليل، غير قادرةٍ على النَّوم، تتقلَّب يمينًا و يسارا.
تدريجيًّا، بدأ النُّعاس يغشاها شيئًا فشيئًا، حتى عندما كادت تغفو في نومٍ عميقٍ، دوّى صدى طرقٍ على الباب في الغرفة.
دق!
دق!
دق!
هبَّت من غفوتِها فجأة.
مدَّت يدها بسرعة تلتقط هاتفَها، لترى أن السَّاعة كانت الثانية عشر ليلا.
شعرت بالقشعريرة تسرِي في عمودِها الف
قري.
من ذا الذي قد يأتي و يطرقُ البابَ في منتصفِ اللَّيل؟
هل أنا أهلوِس؟
دق!
دق!
دق!
تتابعت سلسلة من الطرّقات الثابتة خارج الباب هذه المرة.
تأكدت بأنها لا تتخيل ما تسمع هذه المرة.
"من هناك؟"
صاحت منادية، صوتها يرتعش، مستجمعة كل شجاعتها.