لوَهلَة، سادَ الصَّمتُ خارجًا.

بعدَها، تردَّد صوتٌ مألوف من وراء الباب.

"شو تشيان، إنها أنا، رين يينغ."

شعرت شو تشيان بقشعريرة باردة تسري من أخمص قدميها إلى أعلى رأسها.

رين يينغ؟

ريين يينغ التي انتحرت اليوم، تطرق على باب غرفتي في منتصَفِ اللَّيل؟

أخذت تتصبب عرقًا بارِدًا.

"كفي عن هذا المزاح الثقيل."

حاولَت قدر المستطاع أن تنطق هذه الكلمات دون أن يرتجف صوتُها.

"من أنتِ تحديداً؟"

حلَّ صمتٌ آخر، أثقلُ من سابِقه.

ثم بعد ذلك، نادى نفسُ الصّوت مجدّدًا.

"شو تشيان، ما خطبُكِ؟ إنَّها أنا، لقد ذكَّرتُك مسبقًا أن تتركي باب الغرفة مفتوحًا، هل نسيتِ؟"

أحسَّت بالدَّم يتجمد في عروقِها بغتة.

بدأت رين يينغ بالمواعَدة الشَّهر الماضِي، و غالباً ما كانت تعود في وقتٍ متأخر من اللَّيل.

كانت تُكثِر من السهر حتى عُرفَت بكونِها بومَة السَّكن.

لذلك، كانت كثيرا ما تطلب من شو تشيان أن تترك الباب غير مغلق من أجلِها.

علاوَة على ذلك، الصوت خارجَ الباب بالفعلِ يماثل صوت رين يينغ!

كل شيء بدَا معقُولاً— و هذا بالذَّات ما بثّ في نفسِها الرُّعب!

لأن رين يينغ ميِّتة!

انكمشت تحت البطانيّة مختبئة، تهتز خوفًا، و في اللَّحظة التي همَّت فيها بالتّفكير فيما يجِب عليها فعله، تكرر الصوتُ يناديها مجدَّدا بنبرةٍ من الفرح.

"هاي، شو تشيان، لم تغلقِي الباب، لذلك سأدخل."

أحست و كأنَّها سقطت في بركة جليديَّة، القشعريرة زحفَت إلى جميع أطراف شو تشيان.

يبدُو أنها بالفعلِ نسيَت إغلاقَ البابِ هذه الليلة.

قبلَ أن يتسنَّى لها الوقتُ لتلعَن عدم اكتراثِها، سمِعت صريرَ الباب يُفتَح.

حين تسلّل ضوء القمر إلى داخل الغرفة، بدت في العتمة عند باب غرفة السَّكن... امرأة بفستان أبيض ملطَّخ بالدم، و جسدٍ مشوّه بطريقة مُروِّعة.

حاوَلت كل ما في وِسعِها لتكبَحَ رُعبَها و لا تصرخَ ملء حنجُرتِها.

إنها بالفعل رين يينغ!

بدت بالضَّبط كالجثّة التي رأتها شو تشيان مسبَقا خلال النهار.

و كان الفرقُ الوحيد أنَّها لاحظت أنّ رين يينغ لا أقدام لها أسفَل فستانِها الأبيض، و جسدُها بدا ضبابِيًّا إلى حدًّ ما تحت ضوء القمر.

لم تكن بشرًا— بل شبحًا!

لم يظهر على رين يينغ أنَّها تلقي بالًا للرُّعب على ملامح شو تشيان، إذ أنها توجهت نحوَ مكتبِها، جلست ثم أخذت ترتِّب أشياءها.

كما كانت تفعل مسبَقًا بالضبط.

جمدت شو تشيان مكانَها في السَّرير، لا يصدرُ منها سوى ارتعادها خوفًا.

انتبهت رين يينغ أخيرا لتصرفاتها الغريبة، و استدارت لتنظرَ إليها.

وجهُها كُتلَة من اللحم الدامي، تتدلى منه مقلةُ عينها من محجرِها.

منظرُها كان صدقًا رعبًا يفوقُ الوصف.

إلَّا أنَّها و رغمَ ذلك، بدَت غير مُدركة تمامًا لما حلَّ بمظهرِها.

سألتَها "شو تشيان، لماذا تستمرِّين بالنظر إلي؟ هل أبدو غريبَة؟"

كانت على وشك أن تهتِف ب"نعم"، لكنها تراجَعت عن ذلك لحسن الحظ.

أخذت بضع أنفاس عميقة بصمتٍ، قبلَ أن تتمالك روعَها و تهدئ نفسَها.

كانت قد قرأت في قصص الأشباح مسبَقًا، أن أرواح بعض الناس بعدَ موتِهم يكونون غير مدرِكين أنهم ميتون، و يستمرون بعيش حياتهم الطبيعية.

رين يينغ هي واحدة من هؤلاء.

لكن، ما جعلَها تستغرِب فعلاً هو: ألم تنتِحر رين يينغ بالقفزِ من أعلى البناية؟

ألا تُدرِكُ أرواحُ المُنتحرين أنَّهم موتى بالفعل؟

بينما كانت شو تشيان في خضم أفكارها، خاطبَتها رين يينغ مجدَّدا.

"أين هي شياو مين و لوو هان؟ لماذا ليستا في السَّكن؟"

أرغَمت شو تشيان نفسَها على الإجابة بهدوء و هي تنظرُ إلى وجهها المشوَّه.

"عادتا إلى منزليهما للقيام ببعض الأمور اليوم."

تذَّكرت من قصص الأشباح أن هؤلاء الأشباح الذين لم يعرِفوا بموتِهم بعد، سيغيّرون من طبيعتهم و يخرجون عن السيطرة إذا ما علموا بذلك فجأة.

لم تجرأ شو تشيان على المخاطرة في موقف كهذا.

"أوه." ردَّت رين يينغ قبل أن تشرعَ في تنظيم حقيبتِها لمحاضرات الغد.

بالكاد وقفت شو تشيان من فراشِها و الرعشة تهزّ كيانَها، و سارت نحو الباب.

على الرَّغم من أنّ شبحَ رين يينغ لم يشكل أي خطر حاليًّا، إلا أنَّها كانت كالقنبلة الموقوتة.

لم ترغب في البقاءِ لوحدها معا في الغرفة.

"الوقتُ متأخر، إلى أين أنتِ ذاهبة، شو تشيان؟"

كان مكتَبُ رين يينغ بمحاذاة الباب.

استدارَت إليها و سألتَها عندما كانتَ على وشكِ أن تفتحَ الباب و تهمّ بالرحيل.

مقلة عينِها المتدليَّة كانت تتأرجح و لم تستطع شو تشيان حتى أن تنظر إلى عظمها المكسور الذي يخترق ذراعَها عندما حدَّقت عن كثب.

كبحت رغبتها في التقيؤ هناك و آنذاك، و ردَّت بصوتٍ متهدج "س-سأُجرِي مكالمة هاتفيّة خارجًا."

أرادت الخروجَ سرِيعًا، لكنّ استعجالها جعلها ترتطم خطأً بمكتبِ رين يينغ، مما تسبب في وقوع مرآتها من المكتب على الأرض.

"شو تشيان، لماذا أنتِ قليلة الاكتراث هكذا."

تذمرت رين يينغ بينما تنحني لتلتقط المرآة.

و فجأة، أدركت أن أمرا ما ليس على ما يرام، و مدَّت يدها لتتناول المرآة.

"كلَّا!"

صاحت بِها شو تشيان، لكن الآوان قد فات.

رين يينغ قد التقطت المرآة بالفعل.

و بمجرد أن أمسكت بالمرآة، وقعت عيناها على انعكاس وجهها المشوه.

و في اللحظة المُوالية، رأت شو تشيان جسد رين يينغ يتسمَّر مكانَه، و في تلك اللحظة بالذَّات، تبادر إلى ذهنها أسوأ ما كانت تتوقع.

كلَّا!

مدت يدها تتحسَّس مقبض الباب بذعر، تبحث عن المفر بأقصى ما لديها من سرعة، لكن رين يينغ سرعان ما وقفت بغتَة و أمسكتها من ذراعِها.

ملمَس يدها الباردَة كالجليد أيقظ في جسدِها رجفَة غمرت عظامَها.

حاولَت التَّنصل من قبضتِها لكن وجهها الممسوخ قابلَ مرآها على حين غرَّة.

رائحة الدماء المقزِّزة انبعثت منها و ملأت أنف شو تشيان.

"شو تشيان! ما الذي حلّ بي؟ لماذا أصبحتُ هكذا!؟"

صرخَت بها رين يينغ كمن فقدَ عقله.

و بينما هي تصيح، سقطت منها عينُها المتدلية على الأرض.

حاولت شو تشيان جاهِدة الانفلاتَ منها، و بينما هي في أوجِ محاولاتها، داست قدمها على شيء ما فجأة.

طَقْ.

أخفَضت بصَرها نحو قدمَها و هناك جاءتها لحظَةُ الإدراكِ، كان الأمرُ شبيهًا بطرقة داخليَّة هزَّت عقلها.

مقلَة رين يينغ التي سقطت منها تفتت تحتَ قدمِها إلى قطعٍ صغيرة.

اهتزت شو تشيان ارتعاشا أكثر بعد أن رأت مقلتَها قد سُحِقت.

"شو تشيان! كيفَ تجرؤين على دهسِ مقلةِ عيني! سأقتُلُكِ! سأقتلك!"

أصبحَ وجهها مشوَّها أكثر.

و بينما هي تزمجر، أمسكت بكلتا يديها برقبَةِ شو تشيان، صارت قويَّة بشكلٍ مخيف بعد أن تحولت إلى شبح.

شَحُب وجهها بينما رين يينغ تخنقها، و لم تستطع أن تَدفعها بعيدًا عنها رغم محاولاتها اليائسة.

قابلت شو تشيان رين يينغ وجها لوجه.

محجرُ عينِها الفارغ بدا كحُفرَة داميَة، بينما عينُها الأخرى كانت حمراء قانية.

و بينما كانت تفقد الوعيَ شيئا فشيئًا نحو العتمَة، ظلّت فكرة واحدة تتردد في ذهن شو تشيان، كآخر شرارة من وعي باهت.

فلينقذني أحد ما... رجاءً..

و في اللحظَّة التي كان سيُغمَى عليها فيها، بدا أنها أحسَّت بلفحة ريحٍ باردَة قويَّة هبَّت من خلفَها، كأن رجاءَها قد أُجيبَ لحظَتَها.

عندَها، تغيَّرت تعابِير رين يينغ أمامَها، إلى خوف و ذعر شديدَين، و تركَت قبضتَها على رقبة شو تشيان.

استغلت شو تشيان الفرصة لتنفلِت منها.

كانت على وشكِ أن تهرب من الغرفة، لكنّها أحست ببردٍ قارص فجأة على كتفِها.

ارتجفت، و قبل أن تبدي أي ردة فعل، انجذب جسدُها إلى حضنٍ بارد يحيط بها بحماية واضحة.

"زوجَتِي، أنا هنا لأنقذَكِ."

قالَ صوتٌ شجيّ بارد.

كتمت أنفاسها تلقائيًا لثانية قبل أن تستدير إلى الوراء.

كان هناك رجلٌ يقِف خلفَها، ذو شعرٍ طويل حالكِ السواد مثل الحبر، يرتدِي ثوبًا أسودا، يفوقُها طولا بكثير.

رفعَت رأسها و لمحت وجهه الوسيمَ ذو الملامحِ الآسرة، يعلوه شحوب خفيف.

زوجُ أعين بسواد كاحل قاتم، كبركة باردة لا قرار لها في ليلة مظلمة حُلكاء ليس فيها ضوء قمر.

كان يحدِّق بها كما لو أنَّه يستطيع النظر خلالها.

أصبح قلبُها بحرًا هائجا تتلاطمُ فيه الأمواجُ بلا هوادة.

من هذا الرّجل؟

و كيف ظهرَ فجأة في غرفة السَّكن؟

و لماذا... يبدو مألوفا قليلاً؟

ظلَّت تحملقُ في الرجل، تبحثُ جاهدة في رفوفِ ذكرياتِها عنه، لكنه توقف عن مبادلتِها النظر، و التَفتَ إلى رين يينغ أمامَهُما.

رمقها بنظرات حادة بعينيه السوداويتين.

"اخرجي من هنا."

خرجت الكلمات من شفتيه الرقيقتين بكل رصانة و سلاسة و حزم، كهبّة هواء بارد لذعت وجهها.

أطلقت رين يينغ صرخَة حادة و أسرعت تجرِي بهلع خارج الباب.

و هكذا فجأة أصبحَت شو تشيان لوحدها في الغرفة مع الرَّجل الوسيم في الثياب العتيقَة.

ولمّا لاحظ أنها ما زالت تحدّق به، أطرق بعينيه ناحَها قليلاً، و ارتفعت زاوية شفتيه بابتسامة بالكاد تُرى، و ملامح وجهه الباردة صارت لعوبة بعض الشيء.

"زوجتي، بعد التمعن فيَّ لوقتٍ طويل، هل أنتِ راضيَة عن مظهر زوجِكِ؟"

2026/02/28 · 3 مشاهدة · 1289 كلمة
لونــا
نادي الروايات - 2026