"ما الخطبُ مع رين يينغ؟"

جعلت شو تشيان بتصرّفها ذاك شياو مين و لوو هان مرتبِكتين قليلا.

"لا...لا شيء..."

أجَابَت بتلعثم ثمَّ استدرَات بسرعَة لترَى أن رين يينغ -التي نهضت من الأرض لتوّها- قد اختفت.

هل كان ذاك مجرَّد وهم؟

قبل أن تلبث تحلِّل ما حصل، لمَحت فجأة ظلًّا أبيض يقفِ عند درجِ المبنى خلف بناية التدرِيس.

إنها رين يينغ!

اجتاحَها الذّعر، قلبُها يخفِق بشدة حتى شعرت به يكادُ يخرجُ من فمِها.

تعلَّمت الدَّرس هذه المرة و آثرت ألا تصرخ.

و في رمشَة عين، تحرَّكت رين يينغ من أسفل البناية إلى أعلاها بسرعة البرق.

دونَ سابِق إنذار، طيفٌ أبيض سقط من عليّ قبل أن تستوعبَ ما حصل!

"ااه!"

رغم مجهوداتِها للتهدئة من روعِها، لم يكن بحيلتِها سوى الصراخ مجدَّدًا.

لكن لحسن حظِّها هذه المرّة، كتمَت صرخَتها في الوقتِ المناسبِ لألَّا تجذِب انتباه رفيقَتيها.

ثم للمرة الثانيّة، بحلَقت في جثّة رين يينغ الهامدة على الأرض!

و على حين غرة، داهَمها إدراك الحقيقة.

رين يينغ نهضت مجدَّدا و هرعت أعلى السّلالم مجدَّدا و قفزت قفزة أخرى!

كان هنالك على الأرض خط من الطبشور رسمَته الشرطة يوم الواقعة، يجسّد هيئة جثة ممدّدة، عند قفزِها من جديد، استقرَّ جسدها على الخط الطباشيري تمَاما.

لم تكد أنفاسها تهدأ حتى رأتها تتحرك من الأرض شيئا فشيئا، في هيئتِها المشوهة.

جسدها بأكمله اهتزّ لشدّة رعبِها.

و للمرة الثالثَة على التَّوالي، هرعت رين يينغ أعلى درجِ البناية و رمت بنفسها، في لمحِ البصر.

و هكذا، مرَارًا و تكرَارًا.

تحرّكت رين يينغ بسرعة فائقة لدرجة أنَّها كرَّرت مشهد سقوطِها في طرفةِ عين.

شو تشيان وقفت هناك مذهولَة بلا حراك، شاحِبَة الوجه.

هل رين يينغ تُعيد موتَها باستمرار الآن؟

ألم تُدرِك بعد أنّها ميّتة؟

لم ترَ لوو هان و شياو مين هذا المنظَر الفظيع، كان همّهما الوصولَ إلى المحاضرَة في الوقتِ و حسب، ناداتا عليها.

"تشيان! أسرعي، المحاضرة على وشكِ البدء."

"تبًّا!"

اصفرَّ لونُها و تمالكَت أعصابَها قبل أن تذهب معهما.

كنَّ متجهات ناحية الدّرج الذّي ظلت رين يينغ تصعد إليه.

و بسرعتها الهائلة، لا مفرّ لهن من الاصطدام بها حتمًا.

نظرَت إليها صديقتَاها باستغراب، و لم تعرف كيف يمكِن لهَا أن تشرح لهما.

كانت فقط تعاينُ رين يينغ التي لا تزال تقفزُ من أعلى البناية.

كانت هذِه المرّة العاشرة التّي تنهضُ فيها من الأرض، لكن على غرار المرَّات السَّابقة، بدا و كأنّ رين يينغ قد لاحظت أنّ شو تشيان تنظر إليها.

أبصرَتها شو تشيان رقبَتها تلتف ببطء، فيما كانت عينُها الوحيدَة الباقيَة تحدّق نحوَها.

حاولت أن ترِغِمَ نفسَها على أن تزيح ببصَرِها في اتجاه آخر، إلَّا أن جسدَها خذلها، إذ تجمَّد بالكامل في مكانِه كأن الحياة سُحِبَت منه.

قبل أن تقعَ عينُها في عينِ رين يينغ، امتدت يد رفيعَة فاتِحة، و غطّت عينيها فجأة.

انطفأ بصرها و غرقت في صمت ثقيل للحظة خاطفة، حبسَت أنفاسها.

"لا تنظري." لامسَ همسٌ خافت أذنيها، بصوتٍ عذب غير مألوف.

التفَتَت دفعَة واحِدة لترى شابًّا وسيما طويلاً يقِفُ بمحاذاتِها.

صاحت شياو مين التّي كانت بجانبِها بذهول مبالَغ فيه " رونغ تزي!"

تجذرَت قدماها في مكانِها.

الشّابُ أمامَها، رونغ تزي، كان الأول في الجامِعَة، أكثر شخص معروفٍ و مشهورٍ في جامعتِهم.

كان وسيمًا للغايَة، لافِتَ الوسامة، لذلك لم تتردد الفتيَات قط في اختيارِه كفتى أحلامهن.

و الأهمّ من ذلك، كان وريثَ عائلة تشو، العائلة التي تمتلك أكبر مجموعة اقتصادية في البلاد.

بلفظٍ آخر، كان أمير الجامعة.

على الرَّغمِ من ذلك، لم تكن في وضعٍ يسمَح لها بالتصرف كواحِدة من معجباتِه.

حاولَت تهدئة قلبِها الذّي كان يقرعَ الطُّبول داخلِ صدرِها، ثم سألتُه بصوتٍ خفيضٍ محتار "رونغ تزي، هل...هل تستطيع رُؤيَتها أيضا؟"

"نعم" أجاب بنبرة خافتة، "لديّ العينُ الثّالثة."

خيَّمت عليها الصّدمة و تركتها مذهولة.

الناس الذّين لديهم العينُ الثَّالثة يرون الأشباح.

لكن ماذا عنها؟

لم تشهد طوال سنواتها الواحدة و العشرين شيئًا خارجًا عن المألوف.

لماذا بدأت ترى تلك الأمور المرعبة منذ البارحة؟ ما الذي تغيّر فجأة ليخترق حجاب الواقع الذي اعتادت عليه؟

"ما كان ذاك بالضّبط..."

سألتُه بصوت مهتز.

"شبحُ رين يينغ."

مُقَارنةً بحالةِ شو تشيان المذعورة، كان رونغ تزي هادئًا.

"بعد زواجكِ من السَّيّد الشبح، أصبحَ جوهره الروحي عالِقًا بكِ، مما منحكِ العين الثالثة، و لهذا صارت لديكِ القدرة على رؤية الأشباح."

اتضح أنّ كل هذا بسبب الرجل الشّبح.

كانت ستشكرُه على إخبارِها بهذا، لولا أن داهمها إدراكٌ مفاجِئ.

"كيف عرفتَ عن زواجي بالشَّبح؟"

تطلَّعت إليه بعينين مشُوبَتين بالشّك.

ومَضت على وجهه لمحَة من الإحراج.

عندمَا كان على وشكِ أن يجيبَها، صوتٌ أنثويٌّ ناعمٌ أتى من خلفه فجأة.

"رونغ تزي، هل أنهيتَ مشاغِلك؟ أريدُ الذّهاب."

ألقت نظراتِها خلفَ كتِفه، و رأت شابّة طويلة، جميلة، تقفُ خلفه على بعد بضع خطوات.

كان معروفًا بكونِه زير نساء لعوبٍ و كثيرَ المُغازلَة في الجامعة، بل في المدينة بأسرِها حتى.

كان يغيّر حبيبَاتِه أسرَع من تغييرِه غيار الجوارِب، لا تدوم علاقته أكثر من غيمة صيف.

شو تشيان كانت تعرِف هذه الفتاة الجميلَة قبل أن تُصبحَ عارِضة مشهورَة جدًّا مؤخّرًا.

على الأرجح أنَّها حبيبَتُه الجديدَة.

في الوقتِ عينِه، كانت العارضَة ترمُق شو تشيان بنظرَات يتطايرُ منها الشّرر.

لم تلحظ إلا الآن أن الأمر لم يقتصر على تلك العارِضة وحدها، بل إن العديد من المارّة أيضًا كانوا يرمقونها هي و رونغ تزي بنظراتٍ فضولية، و هم يهمسون بلا انقطاع فيما بينهم.

لمعَ الإدرَاك في رأسها فجأة-الطريقة التي كانا يتهامسان بها بدت قريبة أكثر مما ينبغي.

و يبدو أنّ هذا جذبَ لهما الكثيرَ من سوء الفَهم و الانتباهِ غيرِ المرغوب فيه.

"أعتذر، سوف أكلِّمُك عن التّفاصيل لاحقاً."

بادَلها ابتسامة مُحرَجَة قبل أن يهم بالرَّحيل، و لم ينسَ تذكيرها "تذكّري، لا تنظرِي إلى الشبَّح مباشرَة في العينَين، إذا اكتشفت أنكِ تستطيعين رؤيتَها، ستُلاحِقك إلى حتفِك."

"انتظر لحظة!"

مشَى سريعًا مُبتَعدًا عنها، و كأنَّه يفرّ منها.

أرادت اللَّحاق به بحثًا عن الأجوِبة التي تشفِي بالها و تُريحه من كلّ هذه التّساؤلات، لكن كان هنالك الكثيرُ من النَّاس حولهم، و الجَري خلفه سيكون أمرًا مثيرًا للريبة.

اختَفى رونغ تزي و حبيبَتُه بينَ حشودِ النَّاس في وقتٍ قصير.

لم يكن أمَامها خيارٌ آخر سوى التّوجه نحو الدرج مع لوو هان و شياو مين.

لم تجرؤ على النَّظر إلى شبحِ رين يينغ مجدّدا بعد وصيّة رونغ تزي.

"سو، ما الذِّي حدَث بينكِ و بين رونغ تزي؟"

بمجرد أن صعدت لوو هان و شياو مين الدرج، انطلقت ألسنتهما بالثرثرة عمَّا حصلَ للتّو.

"لا شيء، فقط سألتُه عن شيء ما."

لم تشعر بالارتياح إلا عندما جلست في الصّف أخيرًا.

لكن للأسف، شعورُ الارتياحِ هذا لم يدم طويلًا.

الأستاذة المُحاضِرة لهذه الحصّة كانت أستاذة مُساعدة جديدة و لقبُها 'ني'.

كانت يافِعة، جميلة جداً، و مشهورَة في أوساطِ الطّلبَة.

اعتَادَت على الاستمتاع بهذه الحصة، غيرَ أن لونَ وجهها تبدّد فورَ رؤيتِها للآنسة ني اليوم.

لأنها رأت شخصًا صغيرًا في كتلة دمويّة يتبَعُ خلفها.

كان صغيرَ الحجم، كأنّه رضيعٌ حديثُ الولادة.

كان يتبعُ الآنسة ني و يتعثَّرُ خلفَها، يصرخُ مردِّدًا بصوتِه الطفوليّ و نبرة مؤلمة "ماما...ماما...لماذا لا تردينَني..."

ارتعَبت خوفًا حتّى أنها قامت فجأة من مقعدِها دون قصدٍ منها.

استغرَبت الآنسة ني تصرّفها و سألَتها مقطِّبة حاجِيبها "ما الأمر شو تشيان؟"

"معدتي....معدتي تؤلمني، أريد الذَّهاب إلى الحمام."

كذَبت كذبة شنيعة و خرجَت من الصفّ سريعًا عبرَ البابِ الخلفي و هرَعت نحو دورة المياه.

غسلتَ وجهها بالماء البارد مرارًا حتى هدأت أنفاسُها.

رؤيَتُها لجميع الأشباح دليل على أنَّها اكتسبت بالفعل العين الثالثة.

بالتفكير في هذا، شعرَت بالمزيد من الكره و المقت ناحيَة رونغ تشي، الرَّجل الشَّبح.

كلّ هذا بسببه!

لم يكتفِ فقط بالارتباط بها قسرًا، بل تسبَّب لها أيضا في رؤية هذه الأشياء المروعة إلى الأبد!

لم تستطع رغم ما حلّ بها تفويت الحصص، لذلك كان عليها العودة إلى الصّف.

لكن فورما خطَت الخطوة الأولى خارج المرحاض، تسَّمرت مكانها.

رأت هيئَة بيضاء مشوَّهة تقِف عندَ النّافذة في الممر.

اصفرّت و أحسّت بالأرضِ تدور من حولِها.

"تبًّا!"

كيف لها أن تنسى أن رين يينغ انتَحرَت من هذا الطَّابق في البناية...

2026/02/28 · 1 مشاهدة · 1217 كلمة
لونــا
نادي الروايات - 2026