عادَت لوو هان من مقرّ الشّرطة في نفسِ الوقت الذّي رجعت فيه شو تشيان إلى المهجع.
"لم أتحصل على أيّ معلوماتٍ مفيدة." قالت لوو هان بإحباط.
"فتّشوا الأشياء التي ترَكَتها رين يينغ، لكن لا شيء مثير للرّيبة. الأمر الغريبُ الوحيد هو أنّ هاتِفها مفقود."
"هاتِفها مفقود؟" قالت شو تشيان بانبهات.
"أجل، محفظة نقودِها و أشياؤها الثّمينة كانت كما هي، لكن هاتفَها هو الوحيد الذّي لم يُعثَر عليه."
قطّبت شياو مين حاجَبَيها.
"أليسَ ذلك لأن هاتِفها من أحدث طراز؟ إن لم تخنّي ذاكرتي، أهداهُ إيَّاها يو تاو."
لم تتّفِق شو تشيان مع شياو مين.
حتى لو كان أحدثَ طراز، لو كانت السّرِقة هي الدَّافع ورَاء جرِيمة القتل، كان من المُستحِيل أن يأخذ السّارقُ الهاتف و يدَع المال.
أضافت لوو هان بتردد "ثمّة أمرٌ آخر...لا أعلمُ إن كان اكتشَافا، لكن الشّرطَة قالوا أنّ فتاةً أخرى من الجَامِعة المُجاورة انتحرَت كذلك بالقفزِ من أعلى البنَاية الشّهر المُنصَرِم..."
"ماذا؟"
"ليسَ هذا و حسب...الأغربُ من هذا أنّ هاتِفُها اختفى أيضًا قبل وفاتِها."
أحسّت شو تشيان بالدّم يتجمد في عروقها.
ألم تكن هذه الصُّدَف متوافِقة إلى حدٍّ مثيرٍ للرّيبة؟
"سألتُ عن اسمِ الفتاة و عثرتُ على حسابِها في ويبو." قالت لوو هان ثمّ فتحت هاتفها تريهما الحسَاب.
حسابُ الفتاة على ويبو كان مليئًا بصُوٕر السيلفي و الطّعام؛ كأيّ فتاة عاديّة أخرى.
لم يكن في حسابها ما يلفت الانتباه سوى صورة لها برفقة شاب آخر.
على الأرجحِ أنّه حبيبُها، لكنّ الغريبَ حيالَه هو أنّ وجهَهُ بالكامِل كان مُضبَّبًا و مُظلَّلًا، كان غير واضحٍ على الإطلاق.
لم يكن ظاهرًا من هيئته سوى طولِ قامتِه و بشرته البيضاء، كان يرتدِي قميصًا قصير الكمّ، و بدَت على ذراعه المكشوفة وحمة على شكلِ فراشة.
لم يستطعن إيجاد أي دليل آخر في ويبو، لذلك استسلمن.
عندَ حلولِ اللّيل، نثرَت شو تشيان الزنجفر بحذرٍ عند عتَبة البابِ كما أخبَرَها رونغ تزي، و أعطت القليل منه إلى لوو هان و شياو مين، قبل أن تتجَمّع الثّلاثة معًا على سريرٍ واحد.
كانَت اللّيلَة هادئة على غيرِ العادة.
عندَ منتصفِ اللّيل، و عندَما كادت الثَّلاثة يسقطن في شباكِ النّومِ العميق، تناهَى إلى أسماعهن فجأة صوت خطوات تقترِبُ من الباب-
تيب تاب، تيب تاب.
استيقظن مفجوعاتٍ في ذعرٍ التممن ببعضِهن في هلع.
أخذ صوتُ الخطواتِ يعلو شيئا فشيئًا، يزدادُ وضوحًا و ثِقلًا، و توقّفت الخطواتِ عندَما وصلَت إلى عتبَة الباب في صمتٍ رهيب.
"ها...ها..."
انطلقت قهقهَة غريبة مفاجئَة خارجَ الباب، بدَت مكتومَة، و كأنّ صاحبَها مخنوقٌ من عنقه.
عرِفت شو تشيان أنّها رين يينغ من ضِحكَتِها الغريبَة المخيفة.
اختبأت ثلاثتُهن تحت الغطاءِ، يحبِسن أنفاسَهن، لم يكن باليدِ حيلةٌ سوى الرّجاءِ أن يكون زنجفر رونغ تزي فعَّالًا لردعِ رين يينغ.
طق طق!
أخذَت رين يينغ تطرُقُ البابَ بعنفٍ مرارًا و تكرَارًا كأنّها ستحطّمه في أي لحظة، بقوَّة أكبر من البارِحة، حتى ظهرَ شقٌّ في خشبِ البابِ لشدّة طرقِها.
و مع ضربة أخرى، كادَ الباب يُخلَع من موضعه....لكن فجأة... انبعث أنينٌ مؤلم من وراء الباب.
بعدَها مباشرَة، حلّ صمتٌ ثقيل رهيبٌ، بالكادِ يُسمَع فيه دبيبُ نملة.
بعد مضيّ بُرهة، تنفَّسن الصُّعداء.
"رائع! زنجفر رونغ تزي فعَّالٌ حقًّا!" قالت شياو مين، تحاولُ جاهدَة التهدئة من روعِها.
على الرّغم من الهدوء الذِّي سادَ المكان، لم تتجرأ أيٌّ منهن على النّوم.
عندَما لم تظهر رين يينغ بحلولِ 3 صباحًا، تمكَّن النعاس منهن و غَفين في نومٍ عميق.
و بينمَا هنّ غارِقَات في النّوم، أفاقَت شو تشيان على صوتِ قرع خافتٍ.
طق طق.
هبّت مذعورَة من نومِها.
نظرَت مباشَرة نحوَ البابِ لكنّه كان ساكنًا لا يتحرك، لا يوجد عليه أيّ أثرٍ آخر للضَّرر.
هل كان ذلك حلمًا؟
عندمَا كانت في حيرَتِها تلك، طرقَة أخرى سقطَت على مسامِعها.
بام بام.
انتفض جسدها في اللحظة ذاتها، و قد وقف شعرُ جسمِها هلعًا.
الصَّوت كانَ واضِحًا للغايَة، لكنَّه لم يكن من جهَة الباب—بل من خلفِها.
أتَى من النَّافذَة.
استدَارت إلى الخلفِ مرتجفَة.
لما خيم الظلام على السكن بعد انطفاء الأنوار، و لخوفهنّ من الظّلام، كانت شو تشيان قد سحَبَت الستائر ليدخُل شيء من نورِ القمر و أضواءِ الشَّارع و تُضاءَ الغُرفَة قليلاً.
لكنّها ندمت ندمًا شديداً و اللَّعنة.
كانت الآن تستطيعُ أن ترى بوضوحٍ يدًا شاحبَة تطرقُ على زجاج النَّافذة الشّفاف.
بام بام!
بام بام!
كل طرقَة أقوى و أعنَف من سابقتِها.
"هان...مين..."
حاولَت إيقاظهما و جسدُها يرتعِد من الخوف، غير أن نومهما كان ثقيلاً كأنهما في غيبوبَة.
لم تدرِ كم مضى من الوقت و اليد تطرق النافذة بإلحاح، حتى خيّم الصمت فجأة.
ثم بعدَ ذلك، أخذت تخدشُ الزجاج رويدًا رويدًا، مُطلِقة صريرًا حادًّا اخترَقَ أذنَيها.
ما إن تلاشت اليد من أمامها، و قبل أن تلتقط أنفاسَها، حتى ظهرَ وجه شاحبٌ تغمره الدماء خلف زجاج النافذة فجأة!
رين يينغ!
"آآه!"
مرعوبَةً حتى الموت، ظلت تتراجع على السرير و هي تصرخُ هلَعًا.
بدَأت رين يينغ تقهقهُ خارجَ النّافذَة لرؤية شو تشيان في حالةِ الرّعب تلك.
و في الحين، تكوّمت يدُها الشّاحبة في قبضَة و ضرَبَت بقوّة النّافذة!
تفتّت الزُّجاج إلى أشظاء متناثرة في كلّ مكان!
زحفَت بجسدِها الملتوِي إلى الدّاخل.
"هان! مين!"
صاحَت شو تشيان و هي تهزّهما بيأس، و لكنّما لم تحرِّكا ساكِنًا.
أدركَت أخيراً أنّ هنالك خطبًا ما.
مهما كان نومهما عميقًا، فمن المستحيل ألّا تستيقظا وسط هذه الجَلبَة!
كانت رين يينغ الآن قد زحَفَت إلى حافّة السَّرير.
عينُها الوحيدة المتبقيّة حدّجت بشو تشيان، و يدُها الباردَة امتدّت إليها، و هي تصرخ "شو تشيان! أنتِ قتلتِني! سأقتلُكِ!"
اختبأت في السَّرير و الخوفُ ينهشُ دواخلَها.
إذًا هدفُ رين يينغ طوال هذا الوقت كان شو تشيان!
"أنتِ مخطئة! أنا لم أقتُلكِ!"
صرَخَت بأعلى صوتِها محاولَةً تغييرَ رأيها، لكن عبثًا.
بدت رين يينغ كأنّها لا تسمع ما تقول شو تشيان.
ارتَسَم على ملامح وجهِها المشوّه غضبٌ شيطانيّ، و غرزت إصبعَها الحادّ في ذراعِ شو تشيان.
"أنتِ السَّببُ في قتلِي! لو لم تكوني السّبب، لما قُتلت!"
عندَما أخذَت تقترِبُ بوجهِها الدّامي أكثر فأكثر، ضغطت شو تشيان على أسنانِها مستجمِعة كلّ شجاعتِها و قوتِّها، متماسكَة رغم الرّعب، تناولَت الزنجفر الذّي أعطاها إياه رونغ تزي من جيبِها و نثرَته بقوّة عليها.
"آآه!"
صَرخَت رين يينغ ناحِبَةً فورمَا لامس الزنجفر وجهَها.
تفجّرت على جلدها تقرّحات كثيرة في الحين، بدا و كأن النّار قد حرَقت وجهها.
انتهزَت شو تشيان الفرصَة للهرَب، لكن سرعانَ ما أمسَكت رين يينغ بكاحِلِها بالرّغم من الألم الذي تغلغل في جسدِها.
وقَعت شو تشيان بقوّة على الأرض.
همّت أن تمسِك بحفنة أخرى من الزنجفر بسرعة، لكن رين يينغ كانت قد تعلّمت الدّرس بالفعل.
أمسَكت بشعرِ شو تشيان بقوّة لدرجَة أنّها كادَت تقتلعُه من فروَة رأسِها، مانعَة إيَّاها من الحركة.
صرخت شو تشيان من شدّة الألم، رمَقتَ رين يينغ شو تشيان بعينين تتطاير منهما نيران الغضب، و أمسكت برأسِها بسرعة و همّت أن تسحَقه بقوة على الطّاولة.
عندَما أوشك رأسُها على الارتطام بالطّاولَة، أغمَضت عينيها تلقائيًّا استعدَادًا للألم.
لكن، ما أدهشها، أنّ الألم المُنتَظر لم يأتِ.
فتحتَ عينيها بصدمة، لتقع عيناها على يد رفيعَة، بيضاء، تحمِي جبهتَها.
رفَعَت بصرَها، و لمحَت ثوبًا أسودَ مألوفًا.
ارتَفَع الردّاء قليلاً في الظلّام، مبرِزًا بنيَته الفارِعة الطّول و القويّة.
ثمّ وقَعت عينُها على وجهٍ بارعِ الجمال، يخطِف الأنفاس.
إلا أنّ ذلك الوجه الوسيم، قد تلوّنت تقاسيمُ وجهِه بالغضَب العارم، توهّجَت عيناه الحالكتَا السّواد في الظلّام كشعلتين من نار، تقدِخان غضبًا و هو ينظرُ إليها.
كانَ رونغ تشي.
"شو تشيان، تركتُك لبضعة أيَّام فقط، و الآن أعود لأجدكِ مطارَدةً من نفسِ الشّبحِ مجدَّدًا؟"
قالَ رونغ تشي بصوتٍ باردٍ ساخر، و نبرة متعجرِفة كعادتِه.
على الرّغم من أن شو تشيان كانت تخافُ من هذا الشّبح الذّكر، إلا أنّها لم تنكر أنَّها شعرَت بالرّاحَة عندَ رؤيتِها له هذه المرة.
بأنَّها علمَت أنّه في حضورِه، لا يمكن لأيّ شبحٍ أن يؤذيَها.
عندما رأته رين يينغ التي كانت خلف شو تشيان، خافت إلى حد البكاء، فأطلقت سراحها على الفور، و أرادت الفرار من النافذة، و في أقلّ من الثّانيَة، تلاشى شرّها في الحين كأنّها لم تنوِ أذيّتها قبل بضعِ ثوانٍ.
لكنّه لم ينظر خلفَه حتّى.
فقط أدارَ كفّه، و فجأة و في الحال، حاصرَها عددٌ لا يُحصَى من الأضواءِ الزّرقاء الشّبحيّة التّي هبّت من العدم.
تعالت صرخاتُها المرُعبة بصوتٍ حادٍّ تنشقّ له الآذان، بينما كانت الأضواء الشّبحيّة تحرِقُ كيانَها.
"ما الذّي تفعلَه؟!"
هرَعَت شو تشيان.
"حاولَت إيذاءكِ مرات عديدة، هل تظنين أنني قد أبقِي عليها؟"
ردّ ببرود.
"لكن كان لديها سوء فهم لما حصلَ فقط، أرجوك، أطلق سراحها."
كانت متوترة و قلقَة، رين يينغ كانت رفيقتَها في السّكن و زميلتَها في الدّراسة في نهايَة المطَاف.
وفاتُها المأساويّة كانت مؤلمة بما فيه الكفايَة، لذلك، كيفَ لها أن تشاهدَ بأم عينيها روحَها و هي تتبدّد؟
بقيَت عيناه باردتَان كما هما، صقيعٌ جليدي.
لكن، بعد توسّلاتِها له بضع مرات، سحَبَ الأضواء الشّبحية منها بحرَكة واحدة من يده.
جثت شو تشيان إلى جانب رين يينغ المنهكة، اقتربَت منها و سألتها بصوتٍ مليء بالحيرَة و الحزن على ما حلّ بها
"لماذا قلتِ أنَّني أنا السّبب في موتِكِ؟"