تفحَّمت رين يينغ بالكامِل جرّاء الأضواء الشّبحية التّي حرَقتها.

كانت ترتجِف، تحدجُ شو تشيان بنظرَات تحملُ حقدًا دفِينًا.

"لأنّك لم تأتي! قُتِلتُ لأنكِ لم تأتي!"

لم يَسع شو تشيان سوى الشعور بالحيرَة و التّعجُبِ أكثر من كلامِها.

سألَتها سؤالًا آخر "من الذّي أرادَ قتلَكِ بالضّبط؟"

أخذَت رين يينغ ترتعش ارتعاشا هستيريًّا، تهزُّ رأسَها نفيًا كأنّها فقدَت عقلها.

"لا أستطيعُ أن أفصحَ عن ذلك...لا أستطيعُ أن أفصِح عن ذلك..."

كانَت شو تشيان متلهفَّة لمعرفة الإجابة و أرادَت أن تسألها المزيد.

أمسَكَها رونغ تشي من يدِها و جذَبَها إلى حضنِه بغتَةً.

"كفّي عن السؤال." قال بصوتٍ خافت كان أقربَ ما يكون إلى الهمس.

"قُتِلت لأنّها قامت بتوقيعِ عقدٍ مع شخصٍ ما، لذلك لا تستطيعُ البوحَ بهويّته."

"عقد؟"

"قتلُ الأبرياء يجلِبُ العقابَ لا محالة، و لذلك، الكثيرُ من الأشباح يلجؤون إلى إمضاء عقد مع الأحياء، حتى يُعفَى عنهم و لا يُحمّلوا مسؤوليَة موتِهم."

بدت عليه اللامبالاة، رغم أن الحديث كانَ يدور عن حياة و موت البشر، إلا أنه ظل متمسكًا بعجرَفتِه و شموخِه.

ثمَّ فجأة، سكَنت رين يينغ و توقّفت عن الاضطراب، و أخذَ جسدُها يتلاشى تدريجيًّا، كضوءٍ يخبو في العتمة.

"ما الذّي تفعله؟"

ارتَعَبت شو تشيان، خائفَة أن يلقِيَ رونغ تشي بيدِه مرّة أخرى على رين يينغ.

"أقومُ بإرسالِها للاستنساخ."

هدأ روعها أخيرًا على وقعِ كلماتِه، و عيناها تتابعان بصمت اختفاء جسد رين يينغ حتى تلاشى تمامًا.

بالنّظر إلى تعابير الشّبح الواقِفِ أمامَها الهادئة و غير المبالية، سألته بفضول "هل تعرِف من قَتَلها؟"

رفَع حاجبَه باستعلاء.

"نعم."

"من القاتِل إذن؟"

لم يتفوه ببنت شَفة.

كلّ ما فعَلَه هو أن ضمّها إليه بطريقَة مُهيمنة.

و في الحين، أحاطَت بها أنفاسُه الباردَة كنسمة شتويّة.

"تريدين معرِفَة ذلك؟"

انحنَى برأسه إليها و ابتسم ابتسامَة خبيثة، هامِسًا في أذنها "إذا خدمتِني هذه اللّيلة، فسأخبِرُك."

بحلَقت فيه و ارتَعَشت.

أدرَكت حينها فجأة أنَّه، و على الرّغم من أنّه كان يبتسم، إلّا أنّ الابتسَامة لم تتجاوَز شَفتيه و لم تلمِس عينيِه قطّ اللتين كانتَا مغمورَتين ببرود سرمَديّ لا نهايَة له...

أرادت التّراجع إلى الخلفِ في خوف، لكنّه أعاقَ حرَكَتها قبل أن تدرك ذلك حتّى.

و في اللّحظة المواليَة، شدّها إليه بقسوة، يطوّقها بين ذراعيه الباردتين.

"لا...لا أريدُ أن أعرف! دعني و شأني! لا أريدُ شيئًا منك!"

كافَحت بيأس، تدفَع صدرَه البارِد بكلّ ما أوتيَت من قوّة، لكن جهودُها راحَت عبثًا.

"إن رفضتِ خدمتِي بإرادتكِ، سأخدمكِ أنا بدلًا عن ذلك."

همَسَ بصوتٍ عذبٍ بارد، و ابتسم بمكرٍ أكثر متجاهِلًا مُقاوَمَتها.

ازدادت قبضتُه إحكامًا، و أحاطَها بهالةٍ باردة خانقة، مضيّقًا الخِناق عليها.

فكرّت بيأس أنّه سيستمرّ في إذلالها و فرضِ هيمنته عليها مجدّدًا.

و من قِبَل شبح.

صَرَخت طلبًا للمساعدَة، لكن لم ترد أيّ من شياو مين و لوو هان.

كان الهدوءُ و السّكون يعمّان المكان خارجَ الغرفَة.

"توقفي عن الحرَكَة."

كمَّم صوتَها بقبلتِه ليمنَعها من الصّراخ أكثر.

"لن يُنقِذكِ أحد."

تلاطَمت داخلها مشاعر متناقضة من خوفٍ و غضبٍ و ضعف، تكاد تمزّق صدرَها.

كانَت ترتعشُ غضَبًا، و اليأس المتأجج داخلَها بالكاد يخنِق أنفاسها.

هل ستبقى أسيرة هذا الشّبح طوالَ حياتِها؟

بمجرّد أن مرّ هذا التساؤل في ذهنِها، لم تكترث للخوفِ الذّي يغمرُ كيانَها و صاحت فيه بغضب "اتركني! دعني و شأني أيّها المنحرف المِغتَصب!"

تجمّد الشّبح في مكانِه، كأنّه صُعِق من كلامِها.

في اللّحظة المواليَة، دَفَعَها بقوّة نحوَ الخزانَة بجانبِها.

ارتّجت الخزانَة ارتجاجًا عنيفًا و سرى ألمٌ لاذعٌ في ظهرِها.

رفَعت بصرَها إليه محاولَة تحمّل الألم الشّديد.

التقت عيناها بزوجٍ من الأعين الحالكة السواد، تشعّ غضبًا.

بدا أكثر وسامَةٍ و جاذبيّة حتّى في الظلّام، غير أنّ عينيه المتقدتين بالغضبِ الخانِق و الوحشيّة بدتَا قاتِلتين...ملامحه كانت باعثة على الرّهبة و الخوفِ بحق.

"أوه، تعدّين هذا اعتداءً؟" قال ببرود، و أردف "أنتِ زوجتِي الشَّرعيّة رسميّا شو تشيان، و هذا شأنٌ بين الزّوج و زوجتِه!"

"لم أوافق قط على الزواج بكَ! هذا يعني أنّك تفرض نفسَك عليّ!"

على الرّغم من خوفِها الشّديد، إلّا أنّه لم يعد لديها شيء لتخسره، لذلك آثرت أن تتجرأ و تفصِح عمّا بخاطِرها.

زادَت تقاسيمُ الوجهِ الوسيم أمامَها غضبًا و غيظًا.

"حسنًا، إن كان هذا ما تظنّينه، فسأجعلكِ تندمين على تحدّيكِ لي!" بصَقَ كلماتِه.

و في الحينِ، اجتاحَها بحضوره الطاغي و سيطرته القاسية، غير عابئٍ بمُعارضتِها و دموعِها.

حاولت أن تقاوِمَه لكنَّه قيّد حركتها و أبقاها تحت سلطته، يضغط عليها بقوةٍ باردة تخترق عظامها.

امتدت يدُها صدفة إلى جيبِ فستانِ نومِها.

دقّ قلبُها مضطرِبًا.

تحسّست الزنجفر في يدِها.

الزنجفر الذي أعطاه إياها رونغ تزي للتّعاملِ مع رين يينغ كان لا يزالُ في جيبِها.

تذكّرت الألم الذّي مرّت به رين يينغ عندما لامسَ الزنجفر وجهها، و قبَضت يدها بإحكام.

شو تشيان...هل ستبقين هكذا لبقيّة حياتكِ، تعانين من ذلّ هذا الشّبح؟

ما المعنى من الحياة إذًا؟

حالَما خالَجَتها هذه الفكرة، أطبَقت على أسنانِها بقوّة، مستجمعة كل شجاعَتِها، تناوَلَت الزنجفر ثم رمت به في وجههِ الوسيم!

تناثَر الزنجفر فورًا على جميعِ وجهه.

ما صَدَمها و هزّ كيانها أن الزنجفر تحوّل في الحين إلى سحابَة بُخار في رمشة عين، دون أن يتركَ خدشا واحدًا صغيرًا في وجهِه الخارِق الجمال.

لم يكن لديها وقت لتتساءل عمّا يجري، إذ انفجرَ الغضبُ في عيني الشّبح السوداويتين!

بعدَها مباشرَة، رماها بعنفٍ على السّرير بمحاذاتِها.

أحسّت بالدّوار و حاولَت النّهوض، لكنّه لم يمهلها الوقت لذلك و انتهز الفرصَة ليُثَبّتها و يضغطَها على السّرير.

لم تتحرّك قيد أنملة.

بدأت تحسّ بشيءٍ بارِد يضغطُ رقبَتَها.

حدّقت فيه مرتَعِبة بينما يدُه ملتفة حولَ عنُقِها يخنُقُها.

"هل تريدين قتلَ زوجكِ شو تشيان؟"

كانَ حانِقًا و عينَاه تقدحان الشّرار.

كان مخيفًا لدرجة تفوقُ الوصف.

الشّبَح فوقَها كان مُرعِبًا و مهيبا بحقّ.

"أنتَ لست زوجي! أنت فقط شبحٌ يقيّدني و يتحكّم بي!"

"أنتِ تبحثين عن موتِكِ!"

أصبَح الشّبحُ أكثر برودة بينَمَا طبّق قوّة فجأة على رقبَتِها.

لم تمض بضع أجزاء من الثانيّة حتى حاصرَها إحساسُ الاختناق.

إنّه يريد قتلي.

أغمَضت عينيها و لم تتجرأ على فتحِهما.

لم يأتِ الألم كما توقّعت.

بل على العكس، اختفت تلك اللّمسة الباردة من عنقها.

"فقط انتظرِي، شو تشيان. يومًا ما، ستتوسلينَني حتى أختارَ أنا أن أقتربَ منكِ!"

رنّ صوتُه الغاضِبُ بنبرَة غامضَة باردة في أذُنِها.

ثم فجأة، أحسّت به يبتعد عنها، شهَقَت دفعَة واحدة، و في طرفَة عين، البرودَة من حولِها اختفت كليّة.

فتحَت عينيها ببطء و جالَت ببصرِها في أنحاء الغرفَة الفارغة.

لم يكن أيّ أثر له، اختفى بكلّ بساطة و كأنّه لم يكن.

أحسّت بأنّ طاقتها قد استُنزِفَت كلّها عندَمَا استلقت على السّرير، تبكِي بحرقة كأنّها تذرفُ عبراتِ قلبِها.

في الصّباحِ الموالي، أيقَظَتها شياو مين و لوو هان.

"شو تشيان، ما الذّي حصَلَ لكِ؟ لماذَا عدتِ إلى سريرِك في كبِدِ اللّيل؟"

فتحت عينيها لتجدهما تقِفان فوق رأسها تسألانِها بإلحاح.

أخبرَتهُما بما حصلَ ليلة البارحَة مع رين يينغ، و لم تذكر الجزء المتعلّق برونغ تشي.

كلّ ما ذكرتُهما لهما هو أنّ رين يينغ قد رحلَت إلى الاستنساخِ بملئ إرادتِها.

"قالت أنّها قُتلِلت بسببكِ؟"

سألتها لوو هان بحيرَة بالغة.

"هل تعرفين لما أخبرتكِ بهذا؟"

هزّت شو تشيان رأسها نفيًا.

أخذت شياو مين تفكرّ بعمق.

"شو تشيان، هل حصلَ شيء مميز ليلَة وفاة رين يينغ؟"

شيء مميّز؟

بالطّبع، تزوّجت شبحًا رغمًا عنها تلك الليلَة.

لكنّها لن تذكر ذلك لهما بطبيعة الحال.

حاولت بجهد أن تسترجع ذكرياتِ تلك اللّيلة، ثمّ فجأة، تذكرت أنّه بالفعل حدث شيء ما تجاهلَته شو تشيان من قبل.

"صحيح! تذكرت! رين يينغ اتّصلت بي ليلتها!"

ثمّ أردفت بسرعة "لكنّني كنتُ نائمة، و لم أرد على مكالمتها."

تغيّرت تعابيرُ وجهي الفتاتين قليلًا.

"هل يعقل أنّها اتّصلت بكِ طلبًا للمساعدَة؟" خمّنت شياو مين.

لكنّ شو تشيان شعرت بالغرابة.

إذا أرادت رين يينغ الاتصال طلبًا للمساعدة، كان بإمكانِها الاتصال بأمن الحمايَة أو الشّرطة.

لماذا اتّصلت بها تحديدًا؟

لم يستطعن التّوصل إلى نتيجة بعدَ التفكير في ذلك لفترة من الوقت.

استسلمن في نهايَة المطاف، و ذهبن إلى المُحاضَرة.

و خرجن عند انتهاء الحصّة.

لكن لسوء الحظ، شخصٌ غيرُ متوقّع بتاتًا كان بانتظار شو تشيان.

2026/02/28 · 1 مشاهدة · 1215 كلمة
لونــا
نادي الروايات - 2026