كانَ ذلك رونغ تزي.
بدَا على ملامِحِه التّوتر الشديد.
فورَ رؤيتِه لـ شو تشيان، سحَبَها معه مباشرَة دون أن يتفوّه بأي كلمة، تاركًا النّاس من حولِهم يتغامزون و يتشاورون في صدمَة عندَ رؤيتهم لذاك المشهد.
سحَبَها معه إلى غاية وصولِهما إلى رِواق فارغ من النَّاس ثمّ تركَها.
"ما الذّي تفعله، رونغ تزي؟"
سألته شو تشيان مقطّبَة حاجِبَيها.
لم يبدُ بحالة جيّدَة، ملامِحه متعبة و شاحِبَة.
"هل أهنتِ ذلك السّيد؟" قال بصوتٍ منخفِض عليه نبرة مضطَرِبَة.
صُدِمَت لوهلة، قبلَ أن تدرِك أنّه يقصِد رونغ تشي.
رمَقته بنظرَة حذرة يعلوها التّوجس.
كيف عرف رونغ تزي عن شجارها الحاد الذّي دار بينها و بين رونغ تشي؟
"نعم، لا أريد أن أتعامَل معه بعد الآن." أجابت بهدوء.
بدا و كأنّه سيجهش بالبكاء في أيّ لحظة حينَها.
"يا إلهي، أنتما الإثنان متزوجان، ما الذّي تتحدثين عنه؟!"
"لقد أجبرني على هذا! ثمّ ما هو هذا النوع من زيجات الأشباح على أي حال؟ هذا ليس حتى زواجًا مسجلًّا حقا." قالت باستنكار و هي تنظر إليه بازدراء.
"ليس زواجًا مسجّلا؟"
بهت رونغ تزي و انعقد لسانُه.
"شو تشيان، هذا الزواج الشبح مسجّل في العالم السّفلي. لا تحاولي التفكير حتى في الزواج من شخص آخر في حياتك!"
اصفرّ لونُها.
لطالمَا ظنّت أنّ مسألة زواجَها من ذاك الشّبح لا تتعدّى كونها مزحة، لكنّها لم تتصوّر أبدًا أن يكون الأمر رسميًّا و جادّا هكذا.
أردَف محاوِلًا إقناعَها "لا ينبغي عليك مخاصمته، لن يعود عليك ذلك بأي نفع."
أحسّت بقلبِها يخفق في انقباضٍ و هي تبحلِق فيه، ثمّ سألته "إن كنت لا تمانِع سؤالي رونغ تزي، لماذا أنت متخوّف هكذا من شجاراتي مع رونغ تشي؟"
توقّف رونغ تزي لوهلة و تسمّر مكانَه.
ضيّقت عينها عليه قليلًا في شك.
"ما الرّابطة بينك و بين رونغ تشي؟"
تنحنح بتصنّع، كان اعترافا بأنه لم يعد قادرًا على التهرب من سؤالها.
"رونغ تشي هو السّلف القديم لعائلة رونغ."
أصيبت بالذهول.
كان بديهيًّا أن اسم عائلة رونغ الخاص بـ رونغ تشي لم يكن صدفة.
"لكن ما علاقةُ ذلك بي؟"
أتبعت تسأله.
"لا داعيَ لإخباري أنّك لا زلتَ تكترث لزواج سلفِك الأكبر."
احمرّ وجهه إحراجًا و لم يجد مفرّا من إجابتِها.
"شو تشيان، إخبارُكِ حول شؤون عائلة رونغ ليس من اختصاصِي، لكن اسمعيني جيّدًا، لا تحاولي التّفكير أبدًا في التّخلص من السّيد رونغ تشي، و لا تحاولي البحث عن أشخاصٍ لطرده أمثال الرّاهبين الطاويين. قواه الرّوحيّة تفوقُ تصوّرك بكثير. لن تجلبِي سوى المتاعِبَ لنفسكِ بإثارة غضبه."
كان محقًّا.
بتذكرّ كيف كانت رين يينغ ترتعشُ ارتعاشا جنونيًّا عند رؤية رونغ تشي، أيقنَت شو تشيان أن كلامَه لم يكن كذِبًا.
شعَرَت بأنّها أسوأ حالًا، الهمّ أثقلَ كاهلَها.
إذن، هل كان من المستحيل لها التّخلص من ذاك الشّبح؟ هل ستبقى مرتبطة به إلى الأبد؟
ربّت كتِفَها و غادَر بسرعة، تارِكًا إيّاها لوحدِها في الرّواق، مصدومة مما سمعته لتوها.
شخصَ بصَرُها صدفَة في سوار الوشم على معصمِها.
لم تجد الكلمات الكافِية للتعبير عن الاشمئزاز و النفور الذّي تحمِلهُ في صدرِها.
رمزُ خطوبة إذًا؟
لم ترغب به على الإطلاق!
كافَحَت لنزع السّوار العاجي بيأس، لكنّه بدا و كأنّه قد تجذّر في يدِها.
لم تستطع انتزاعه مهما حاولت.
استسلمت في النّهاية غصبًا عنها.
عادَت إلى المهجع ساخِطَة، و وجدت لوو هان و شياو مين في انتظارها.
"شو تشيان، لماذا كان رونغ تزي بانتظاركِ؟"
تبادلتا النظرات نحوها، يملؤهما نهم الفضول.
"حسنًا...وجدَ كتابِي و عادَ ليرجعه إليّ." كذَبت.
أحسّت الفتاتان بالإحباط.
جلست على السّرير، متردّدة لوهلة، ثم تفوّهت فجأة "لوو هان، ما الذّي تعرفينه عن عائلة رونغ؟"
لمَعت عينا لوو هان بفضول.
"لماذا، شو تشيان؟ هل أنتِ معجبَة حقّا ب رونغ تزي؟ لكن عليّ تحذيرُكِ، صحيحٌ أنّه وسيم و غنيّ، لكنّه رجلٌ متقلّب الطّبع، عليكِ الحذر."
"أنا أسأل للمعرِفة فقط.."
"اوه... حسنًا إذًا، عائلة رونغ هي الأغنى في المدينة، الجميعُ يعرِف هذا. لكن بالحديث عنهم، تذّكرت أنّ عائلة رونغ ليست مستقرّة في الآونة الأخيرة."
"ليست مستقرّة؟"
دبّ الحماسُ في أوصالِها.
"نعم..سجّلت العديد من حالات الوفاة في ورشات البناء التّابعة لعائلة رونغ. و قد ضجّت وسائل الإعلام بهذا الخبر."
فتحت شو تشيان هاتفها و كتبت في محرّك البحث 'عائلة رونغ، ورشات البناء'.
و بالفعل، الكثيرُ من الأخبار كانت عن انتحار العمّال.
حدثَ جميعهم هذا العام.
العشرَات من العُمّال لدى عائلة رونغ ماتوا منتحرين فقط خلال سنة واحدة.
لم تكن مجرّد صدفة عابرة قطعًا.
هل للأمرِ علاقة ببحث الشّبح رونغ تشي عن زوجة؟
كانت غارقَة في التّفكير و الأفكار تتلاطم في رأسِها، عندما رنّ هاتِف شياو مين فجأة و ردّت عليه.
"حسنًا لا بأس بقدومكَ....هل وافقت السيّدة المكلفة بشؤون السّكن على ذلك؟....نعم، جميعنا هنا."
أنهت شياو مين المكالمة، فسألتها شو تشيان بفضول "من المتصل؟"
"يو تاو، حبيبُ رين يينغ. قال فجأة أنّه رغب في القدوم إلى غرفتِنا اليوم."
عندما تذكرت آخر مرة رأت فيها الفتى، الذي كان بشوشَ المُحيّا و مليئًا بالحيوية، لم تستطع إلا أن تتساءل في خاطِرِها عن سبب قدومه.
لم تمضِ بضع لحظَاتٍ حتى أتى يو تاو.
فورَ دخولِه للغرفة، وجدَت شو تشيان أنّ وجهه كان شاحِبًا كورقة بيضاء.
لم يسعها سوى سؤاله "يو تاو، هل أنت بخير؟"
ابتسَم بمرارَة.
"ما مررتُ به خلال اليومين الفائتين يفوق الوصفَ غرابة، و أخشى أنكنّ لن تصدقنني حتى لو أخبرتكن بذلك."
أطلقت الفتيات الثلاثة ضحكاتٍ جافة متكلّفة.
مهما كانَ ما مرّ به غريبًا، هل سيكون بغرابَة ما صادفنَه؟
لكنّهن توقّفن عن الضّحك.
"في اللّيالي الماضية....كنتُ أرى رين يينغ..." تأتأ يو تاو بصوتٍ مرتجف.
تغيّرت تعابيرُهن فورًا.
"هل كانت تبحثُ عنك أيضًا؟" سألته لوو هان التي لطالما كانت صريحَة و مباشرة.
دُهَش يو تاو بدورِه.
"كانت تبحثُ عنكنّ أيضًا؟"
أمأن برؤوسهن و أخبَرنه بجميعِ ما حصلَ مع رين يينغ، بما في ذلك ذهابِها للاستنساخ.
بعدَ معرِفته بذلك، بدَا عليه الارتياح أخيرًا و الامتنان.
"شكرًا، لولاكن، لكانت لا تزالُ رين يينغ إلى الآن روحًا هائمة. مقابِل ذلك، أدعوكنّ إلى العشاء."
حاولن رفضَ عرضِه بأدبٍ لكنّه ألحَّ.
لم ترد الفتيات إحراجه برفضِ طلبه، لذلك اتفقن معه على الذّهاب إلى مطعم مرق ساخن بالقرب من هناك.
خلال العشاء، التهمن الطّعام بنهم و جوع شديدين.
على عكسِ يو تاو الذّي لم يأكل إلا القليل.
ما إن شعرت شو تشيان بالشّبع، حتى أخرجت هاتفها و راحت تتصفّح أخبار عائلة رونغ من جديد.
لكن شاءَت الصُّدَف أن يرتطِم بها يو تاو على حين غفلة.
"مهلًا!"
كان ارتطامُه بها عنيفًا.
تحرّكت يداها فجأة لقوّة الاصطدام، فانزلق الهاتف من قبضتها و سقط مباشرة في وعاء المرَقِ السّاخن.
"يا إلهي!"
أسرَعت لوو هان و الآخرون بالتقاط هاتِفِها بملعقة، لكن الأوان قد فات.
تلوّن وجه يو تاو إحراجا و خجلًا على ما تسبّبَ به.
"أنا آسف جدّا، شو تشيان، سأعوّضكِ."
قالَ ذلك و أخرَج من جيبِه هاتفًا ذا آخر طراز.
"لا داعي لذلك."
أحسّت بعدمِ الرّاحة عندما عرَض هديّته.
"هاتِفي كان قديمًا على كلِّ حال."
"لا بأس بذلك، لقد كنتُ السّبب بإتلافِه."
كانَ مصرًّا على أن تأخذه.
و لأنها لم تستطع مجادلته، اكتفت بحساب فارق السعر في صمت، عازمةً على تحويل المبلغ المتبقي إليه لاحقًا.
بعد أن استلمت هاتفه المحمول و غيّرت شريحة الاتّصال، شعرت فجأة بأن الهاتِف يبعَثُ حرارَة ساخنَة جدًّا.
"اه..."
انتَفَضت يدُها لمّا كادَ الهاتِف يحرِقُ باطنَ كفِّها.
ما الخطب مع هذا الهاتف؟
هل البطارية فاسدة؟
كان يومَ جُمُعَة.
بعد إنهاءِ العشاء، قرّرَت لوو هان و شياو مين الذّهاب إلى محطّة الميترو القريبَة لأخذ سيّارة إلى المنزل، في حين قرّرت شو تشيان العودة إلى السّكن سيرًا على الأقدام.
"شو تشيان، الوقتُ متأخر، دعيني أرافِقكِ في العودَة." اقترَح يو تاو بعدَ أن دَفَع فاتورَة العشاء.
"ليس عليك ذلك..." رفضت عرضَه مجدّدًا.
"القاتِل الذّي قتل رين يينغ حرٌّ طليق و لا ندري منه هو بعد. قد يكون بالقربِ من الجامِعة. من الخطَرِ عليكِ أن تعودِي وحدكِ." قال مصرًّا.
"نعم، شو تشيان، دعيه يرافقكِ." قالت الفتاتان موافقتان.
عاجزة عن الجدال معهم، سارَت معه نحو الباب الخلفي للجامِعة.
لسببٍ غامضٍ ما غيرِ معروف، خلت الطّريق من أيّ روح بشريّة.
كانت الأرجاءُ هادئة و ساكنة لدرجَة أنّها بعثت فيها التّوتر و القلق.
كان الجوّ حارّا اليوم على غير المعتاد.
لم تتوقف شو تشيان عن التّصبب عرقًا رغم أن أكمامَها كانت قصيرة.
حين لمحت يو تاو يرتدي معطفًا، انتابها الفضول و سألته.
"ألا تشعر بالحرّ؟"
تفاجأ قليلاً و ارتبَك.
"الجو حار فعلًا."
بقولِه هذا، خلع معطَفه كاشِفًا عن قميصِه قصيرِ الأكمام الذي كان يرتديه تحته.
تحتَ ضوءِ مصباحِ الشّارع، أبصرت وحمةً حمراء على ذراعه، على شكل فراشَة.