كرمه وجوده وسخاؤه - صلى الله عليه وسلم -

• فهو أكرم من خلق الله، وأزكى البرية نفسًا، وأكرمهم عشرة، وأجودهم كفًا ويدًا، فكفّه غمامة بالخير، ويده غيث الجود، بل هو أسرع بالخير من الريح المرسلة.

• ولا جرم أن يكون هذا موقعه من الكرم، الذي هو جامع لمكارم الأخلاق؛ وهو الذي بُعث ليتمم مكارم الأخلاق - صلى الله عليه وسلم - (1).

• وهو الذي شهد له أكرم الأكرمين، عزَّ وجلَّ، بالكرم، شهادة مؤكدة بقسمه؛ فقال سبحانه: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لَا تُبْصِرُونَ * إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} [الحاقة: 38 - 40].

فوصفه سبحانه في هذا الموضع بالكرم دون غيره من أخلاقه العظيمة؛ كالصدق والأمانة؛ لكون كلِّ هذه الأخلاق مندرجة فيه؛ فأخلاقه - صلى الله عليه وسلم - كلُّها عظيمة كريمة، ولأنهم رأوا آثار هذا الكرم ويعرفونها جميعًا، حتى قبل بعثته - صلى الله عليه وسلم - (2).

• تصفه زوجه خديجة رضي الله عنها، لما جاءها فزعًا بعد نزول الوحي عليه أول مرة، وهي تهدئ من روعه؛ فتقول له: «إنَّك لتصل الرَّحم، وتحمل الكلَّ،

(1) روى الحاكم في مستدركه (2/ 670) وصححه على شرط مسلم، والبيهقي في الكبرى (10/ 191) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -: «إنِّما بعثت لأتمِّم مكارم الأخلاق». وصححه الألباني في الصحيحة (45).

(2) أخلاق النبي - صلى الله عليه وسلم - في القرآن والسنة (2/ 647) بتصرف.

وتكسب المعدوم، وتقري الضَّيف، وتعين على نوائب الحقِّ» (1).

هكذا تصفه رضي الله عنها، بهذه الصفات البالغة عظمةً ودلالةً على بالغ كرمه وعظيم جوده - صلى الله عليه وسلم -!!

• وهذا كله قبل أن يكرمه الله بالنبوة؛ فكيف يكون كرمه بعد بعثته ونبوته؟!! كيف يكون كرمه وقد أدَّبه ربُّه وأحسن تأديبه (2)؟!! كيف يكون كرمه وقد نزل عليه القرآن؛ الذي هو خلقه - صلى الله عليه وسلم -؟!!

• فلا جرم أن يكون - صلى الله عليه وسلم - أكرم الناس وأجود الناس، ولم يمنع يومًا أحدًا شيئًا سأله إياه، بل كان ينفق مع العدم، ويعطي مع الفقر، يعطي عطاء من لا يخشى الفقر؛ فهو سيِّد الأجواد على الإطلاق.

(1) أخرجه البخاري (4)، ومسلم (160) من حديث عائشة، رضي الله عنها. و (الكلَّ): العاجز الضعيف الذي يحتاج لمن يعوله، و (وتكسب) وضبط (وتكسب) بضم أوله، ورجحه النووي في شرح مسلم، ومعناها: تعطي الناس ما لا يجدونه عند غيرك، و (المعدوم): المفلس أو الفقير، و (تقري): القرى: الضيافة وحسن الوفادة، و (نوائب الحقِّ): النوائب: المصائب. أي: إذا وقعت نائبة لأحد في خير أعنت فيها، وقمت مع صاحبها.

(2) لم يثبت حديث: «أدَّبني ربِّي فأحسن تأديبي»، ولا يعرف له إسناد ثابت، لكن المعنى صحيح، كما قال ابن تيمية في «المجموع» (18/ 375). وانظر: الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة للشوكاني ص 327، واللآلئ المنتثرة في الأحاديث المشتهرة للزركشي، ص 160، والدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة للسيوطي، ص 160، والضعيفة للألباني (2185).

• شهد له بذلك أعداؤه قبل أصحابه - صلى الله عليه وسلم -؛ يقول أحدهم – وقد أدهشه هذا الكرم؛ فأسلم ولم يجد بدًّا من محبته - صلى الله عليه وسلم - يقول: أعطاني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم حنينٍ وإنَّه

لأبغض الخلق إليَّ، فما زال يعطيني حتَّى إَّنه لأحبُّ الخلق إليَّ!! (1).

• وكان كرمه وجوده - صلى الله عليه وسلم - مشهورًا مستفيضًا عند أصحابه رضي الله عنهم، بل متواترًا عندهم.

• يصفه خادمه أنس بن مالك ٍ - رضي الله عنه -، فيقول: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحسن النَّاس، وكان أجود النَّاس، وكان أشجع النَّاس (2).

• ويقول ابن عمر - رضي الله عنه -: ما رأيت أحدًا أنجد، ولا أجود، ولا أشجع، ولا أضوأ وأوضأ من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (3).

• ويقول جابر بن عبد الله - رضي الله عنه -: ما سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيئًا قطُّ، فقال: لا (4).

(1) أخرجه الترمذي (666)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (666)، وأصله عند مسلم (2213) مختصرًا، والقائل هو: صفوان بن أميَّة.

(2) أخرجه البخاري (2820)، ومسلم (2307).

(3) أخرجه الدارمي (59)، وابن أبي الدنيا في مكارم الأخلاق (396)، ورجال إسناده ثقات. و (أنجد): أسرع في النجدة، وهذا دليل على عظم شجاعته - صلى الله عليه وسلم -. و (أوضأ): أجمل وأحسن.

(4) أخرجه البخاري (6034)، ومسلم (2311).

ما قال [لا] قط ُّإلا في تشهده ... لولا التشهد كانت لاؤه نعم (1)

وكان لا يردُّ طالب حاجة، حتى مع حاجته هو نفسه - صلى الله عليه وسلم - لها!!

• وكحِّل عينيك – أيها القارئ – لترى موقفًا من مواقفه العظيمة في الكرم والبذل والجود، لا نظير له – بأبي هو وأمي عليه الصلاة والسلام!!

• عن سهل بن سعد - رضي الله عنه -: أنَّ امرأةً جاءت النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - ببردةٍ منسوجةٍ؛ قالت:

نسجتها بيدي، فجئت لأكسوكها.

فأخذها النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - محتاجًا إليها، فخرج إلينا وإنَّها إزاره، فقال رجلٌ من القوم: يا رسول الله، اكسنيها.

فقال: «نعم» فجلس النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في المجلس، ثمَّ رجع فطواها، ثم َّأرسل بها إليه. فقال له القوم: ما أحسنت، لبسها النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - محتاجًا إليها، ثمَّ سألته، وعلمت أنَّه لا يردُّ!! قال: إنِّي والله، ما سألته لألبسه؛ إنَّما سألته لتكون كفني. قال سهلٌ فكانت كفنه (2).

• إذا كان هذا هو عطاؤه - صلى الله عليه وسلم - حال عسره وحاجته؛ فكيف يكون عطاؤه حال اليسار؟!!

تعوَّد بسط الكفِّ حتى لو أنَّه ... ثناها لقبضٍ لم تجبه أنامله

(1) قاله الفرزدق في زين العابدين رحمه الله.

(2) أخرجه البخاري (1277)، و (البرد): رداء يلبس فوق الثياب، أو كساء مخطط.

تراه إذا ما جئته متهللاً ... كأنك تعطيه الذي أنت سائله

هو البحر من أي ِّالنواحي أتيته ... فلجَّته المعروف والجود ساحله

لو لم يكن في كفِّه غير روحه ... لجاد بها فليتق الله سائله (1)

• فكان أسعد بالعطية يعطيها من السائل، وكان يأمر بالإنفاق والكرم والبذل، ويدعو للجود والسخاء، ويذمُّ البخل والإمساك.

• لو تحول جبل أحدٍ من الحجارة والذهب ثم صار ملكاً له؛ ماسرة ذلك حتى

ينفقه في سبيل الله!! يقول أبو ذرٍ - رضي الله عنه -: كنت أمشي مع النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في حرَّة المدينة، فاستقبلنا أحدٌ، فقال «يا أبا ذرٍّ»؛ فقلت: لبَّيك يارسول الله، فقال: «مايسرُّني أنَّ عندي مثل أحدٍ ذهباً، تمضي عليَّ ثالثةٌ وعندي منه دينار ٌ، إلا شيٌ أرصده لدينٍ، إلا أن أقول به في عباد الله هكذا وهكذا وهكذا- عن يمينه، وعن شماله، ومن خلفه -» ثمَّ مشى ثمَّ قال: «إنَّ الأكثرين هم الأقلُّون يوم القيامة، إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا –عن يمينه، عن شماله، ومن خلفه-وقليلٌ ماهم ... » (2).

(1) قاله أبو تمام في مدح المعتصم، ديوان أبي تمام ص 15، وعزاه ابن رجب في لطائف المعارف ص 195 لبعض الشعراء، يمدح فيها بعض الأجواد، وقال: وما تصلح إلا أن تكون للرسول - صلى الله عليه وسلم -.

(2) أخرجه البخاري (6268)، ومسلم (94). و (الحرّة): كل أرض ذات حجارة سود.

• وتلك حقيقة سجَّلها أصحابة بعيدة عن التزيد والمبالغه؛ فقد جاءته الكنوز من الذهب والفضه وأنفقها في مجلس واحد، ولم يدَّخر منها درهمًا ولا دينارًا ولا قطقه.

• ولما جاءه مال البحرين، وكان أكثر مالٍ أتي به رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: «انثروه في المسجد»؛ إذ جاءه العبَّاس، فقال: يا رسول الله، أعطني؛ إنِّي فاديت نفسي وفاديت عقيلاً. قال: «خذ». فحثا في ثوبه، ثمَّ ذهب يقلُّه، فلم يستطع. فقال: أمر بعضهم يرفعه إليَّ. قال: «لا». قال: فارفعه أنت عليَّ. قال: «لا» فنثر منه، ثمَّ ذهب يقلُّه، فلم يرفعه، فقال: فمر بعضهم يرفعه عليَّ. قال: «لا». قال: فارفعه أنت علي. قال: «لا».

فنثر منه، ثم َّاحتمله على كاهله، ثمَّ انطلق، فما زال يتبعه بصره حتَّى خفي علينا

عجبًا من حرصه!! فما قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وثمَّ منها درهمٌ (1).

• ويجمع الغنائم ويوزعها في ساعة، ولا يأخذ منها شيئًا، وأعطى غنمًا بين جبلين (2).

(1) أخرجه البخاري (3165)، ومسلم (2314)، من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما. و (حثا): الحثي: الأخذ بملء الكفين. وإنما لم يرد النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يرفعه عليه؛ لأنه رأى شدة حرص العباس - رضي الله عنه -، ولكمال كرمه، وبالغ سماحته وجوده - صلى الله عليه وسلم - لم يمنعه ولم يعترض عليه، وتركه يغترف ما شاء حتى عجز.

(2) أخرجه مسلم (2312) من حديث أنس بن مالك - رضي الله عنه -.

• ولم يكن - صلى الله عليه وسلم - ينتظر حتى يأتي سائل ليعطيه؛ بل كان يبتدئ بالنوال قبل السؤال كلما وجد عنده المال، بل أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يتضايق من بقاء المال عنده إذا لم يتهيأ له إنفاقه!!

• فعن أمِّ سلمة رضي الله عنها، قالت: دخل عليَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو ساهم الوجه. قالت: فحسبت أنَّ ذلك من وجع، فقلت: يا نبيَّ الله، مالك، ساهم الوجه؟! قال: «من أجل الدَّنانير السَّبعة، الَّتي أتتنا أمس أمسينا، ولم نقسمها، وهي في خصم الفراش» (1)!! ..

• وعن جبير بن مطعم - رضي الله عنه -، أنَّه بينا هو مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ومعه النَّاس مقبلاً من حنينٍ؛ علقت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الأعراب يسألونه، حتَّى اضطرُّوه إلى سمرةٍ، فخطفت رداءه. فوقف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: «أعطوني ردائي، فلو كان عدد هذه

العضاه نعمًا، لقسمته بينكم، ثمَّ لا تجدوني بخيلًا ولا كذوبًا ولا جبانًا» (2).

• هذا هو بعض كرمه - صلى الله عليه وسلم -؛ مائدته معروضة لكل قادم، وبيته قبلة لكل وافد، يضيف وينفق، ويعطي الجائع بأكله، ويؤثر المحتاج

(1) أخرجه أحمد (25975)، والبيهقي في الكبرى (12809)، وابن حبان في صحيحه (5160)، وقال شعيب الأرناؤوط في تعليقه على المسند (44/ 272): إسناده صحيح رجاله ثقات رجال الشيخين. و (ساهم): أي من أثر التفكير والهمِّ. و (خصم): طرف الثوب.

(2) أخرجه البخاري (2821)، و (سمرةٍ): نوع من شجر الطَّلح. و (العضاه): شجر عظيم له شوك.

بذات يده، ويصل القريب بما يملك، ويواسي المحتاج بما عنده، ويقدِّم الغريب على نفسه.

• فكان - صلى الله عليه وسلم - آية في الجود والكرم، ويجود جود من هانت عليه نفسه وماله وكلُّ ما يملك في سبيل ربِّه ومولاه، فهو أندى العامين كفَّاً، وأسخاهم يدًا، غمر أصحابه وأحبابه وأتباعه، بل حتى أعدائه ببرِّه وإحسانه وجوده وكرمه وتفضله (1).

• أكل اليهود على مائدته، وجلس الأعراب على طعامه، وحفَّ المنافقون بسفرته، ولم يحفظ عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه تبرَّم بضيف، أو تضجَّر من سائل، أو تضايق من طالب، بل جرَّ أعرابيٌّ برده حتى أثَّر في عنقه، وقال له: أعطني من مال الله الذي عندك، لا من مال أبيك وأمِّك فالتفت إليه - صلى الله عليه وسلم - وضحك وأعطاه (2).

• ومع هذا العطاء والسخاء في اليد؛ إلا أن سخاءه منقطع النظير في الجود والبذل وطيب النفس وحسن المعاشرة وصدق المحبة؛ فكان من عادته أن يبشَّ ويبتسم إلى كل من يجلس إليه، حتى يظنَّ أنه أحبُّ أصحابه إلى قلبه.

• قد وسع النَّاس برُّه؛ طعامه مبذولٌ، وكفُّه مدرارٌ، وصدره واسعٌ، وخلقه

(1) محمد - صلى الله عليه وسلم - كأنك تراه، للشيخ عايض القرني، بتصرف يسير، ص 16.

(2) أخرجه البخاري (5809)، ومسلم (1057)، وتقدم في عفو النبي - صلى الله عليه وسلم -.

سهلٌ، ووجهه بسَّامٌ.

• يقول أنس ٌ - رضي الله عنه -، خادم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو يصف شيئًا من تلك الصفات العظيمة والخصال الكريمة، التي قلَّ أن تجد بعضها في رجل، أو أن تجتمع في أناس- يقول: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أشدَّ النَّاس لطفًا؛ فما سأله سائلٌ قطُّ إلا أصغى إليه؛ فلا ينصرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى يكون السائل هو الذي ينصرف، وما تناول أحدٌ قطُّ إلا ناوله إياها، فلا ينزع - صلى الله عليه وسلم - يده حتى يكون الرجل هو الذي ينزعها منها» (1).

•وقد فاق جوده - صلى الله عليه وسلم - كل جود؛ فجاد بجاهه الشريف، وجاد بوقته وراحته، تعباً وكدًّا في مصلحة أمته من ذكر وأنثى وحرٍّ وأمه!!

غيثٌ يجود بماله وبجاهه ... والجود كلُّ الجود بذل الجاه

يقول أنس بن مالك - رضي الله عنه -: «إن كانت الأمة من إماء المدينة لتأخذ بيد النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فتنطلق به حيث شاءت» (2)!!.

•وكان - صلى الله عليه وسلم - يحثُّ على بذل الجاه والشفاعة لأصحاب الحاجات ليبلغوا حاجاتهم؛ ويعد بالأجر فيما أنزل عليه من الذِّكر؛ {مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا} [النساء: 85]

ويندب إلى ذلك؛ فيقول - صلى الله عليه وسلم -: «اشفعوا تؤجروا» (3)، ويعد على ذلك بالأجر الجزيل، فيقول - صلى الله عليه وسلم -: « ... ومن مشى مع أخيه في حاجةٍ حتى

(1) أخرجه أبو نعيم الأصبهاني في دلائل النبوة (116)، وذكره الحافظ في المطالب العالية (3916). وانظر: صحيح الجامع (4780).

(2) أخرجه البخاري (6072)، معلّقاً وجزم به.

(3) أخرجه البخاري (7476)، ومسلم (2627).

يتهيأ له، أثبت الله قدمه يوم تزول الأقدام» (1)

• ويثبت ذلك بفعله - صلى الله عليه وسلم -؛ فيشفع لُمغيث؛ ذلك العبد الأسود الذي فارقته امرأته بعد أن أعتقت؛ فكان يطوف خلفها ويبكي ودموعه تسيل على لحيته؛ فطلب من النَّبي - صلى الله عليه وسلم - أن يشفع إليها، فما كان من أجود الخلق وأكرمهم - صلى الله عليه وسلم - إلا أن جاد بجاهه وذهب بنفسه الشريفة ليشفع لهذا العبد؛ فيذهب - صلى الله عليه وسلم - إلى بريرة، وقال لها: «يا بريرة، اتَّقي الله؛ فإنه زوجك وأبو ولدك»!! فقالت ـ وقد استقر في نفسها التفريق بين أمره - صلى الله عليه وسلم - وبين شفاعته ـ: يا رسول الله أتأمرني بذلك؟ فقال - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّما أنا شافع».

فنظرت وقد قام في نفسها من بغض مُغيث وعدم قدرتها على معايشته؛ ما جعلها أن ترد من يعظم ردُّ شفاعته؛ فتقول: لا حاجة لي فيه يا رسول الله!! فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للعباس: «ألا تعجب من حبِّ مُغيث بريرة وبغضها إيَّاه؟!» (2).

• فيرجع - صلى الله عليه وسلم - وقد جاد بجاهه الشريف، وإن رُدَّ فلا يضيره:

فالغيث ليس يبالي أينما انسكبت ... منه الغمائم ترباً كان أو حجراً.

(1) أخرجه الطبراني في الكبير (ج 12 / رقم 13646)، وفي الأوسط كما في المجمع (8/ 194)، وحسنه الألباني بشواهده في الصحيحة (906).

(2) أخرجه أبو داود (2231)، واللفظ له، وأخرجه النسائي (5417)، وابن ماجه (2075) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (1933)، وهو عند البخاري بنحوه (5283).

• بل كان من عظم جوده - صلى الله عليه وسلم - أنه جاد بنفسه الشريفه، ولم يضنَّ أو يبخل بها!!

يجود بالنَّفس إن ضنَّ البخيل بها ... والجود بالنَّفس أقصى غاية الجود

فجاد في سبيل الله بيده ولسانه وقلبه طيلة عمره وعدد أنفاسه، وكان أقرب الناس إلى عدوِّه في كل معركة، وأشدَّهم بأساً، فالأبطال الشجعان تلوذ به وتتقي به!!.

ومع هذا كله؛ فقد كان - صلى الله عليه وسلم - يستصغر جوده وبذله؛ وهذا قمة الجود وغاية البذل والكرم؛ دميت إصبعه الشريفة - صلى الله عليه وسلم - في بعض تلك المشاهد فقال مخاطباً لها ومستصغراً بذله وعطاءه وجوده «هل أنت إلا إصبعٌ دميت وفي سبيل الله مالقيت» (1).

• فهل مثل هذا الكرم والجود كرمًا وجودًا؟!!

وصدق الله: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ}

***

(1) أخرجه البخاري (2802)، ومسلم (1796)، من حديث جندب بن سفيان - رضي الله عنه -.

2025/05/26 · 15 مشاهدة · 2459 كلمة
نادي الروايات - 2026