شجاعته وقوته - صلى الله عليه وسلم -
• كان - صلى الله عليه وسلم - أشجع النَّاس وأثبتهم قلبًا، لا يبلغ مبلغه في ثبات الجأش وقوة القلب والجسم مخلوق، فهو الشجاع الفريد الذي كملت فيه صفات الشجاعة، وتمَّت فيه سجايا الإقدام وقوة البأس.
• ولم تكن شجاعته - صلى الله عليه وسلم - في ميادين الجهاد والقتال فحسب؛ بل سبقتها شجاعة أدبية عظيمة، ظهرت في محاوراته ومخاطباته مع كبار قومه منذ حداثة سنِّه، وقبل أن يكرمه الله بالنبوة، كما تجلت في صدعه - صلى الله عليه وسلم - بالحق من غير مواربة، لا يخشى في ذلك لومة لائم (1).
• وكان يظهر بغضه الشديد لآلهة قومه المزعومة، ويسفِّهها، ويجتنبها، دون أن يلتفت لإنكار أحدٍ أو غضبهم لذلك (2).
(1) أخلاق النبي - صلى الله عليه وسلم - في القرآن والسنة (3/ 1334 - 1335) بتصرف.
(2) انظر: دلائل النبوة لأبي نعيم (127)، وطبقات ابن سعد (1/ 1/100)، والسيرة النبوية لابن كثير (1/ 247)، وصحيح سنن الترمذي للألباني (2862).
• فلما أكرمه الله بالنبوة صدع بكلمة التوحيد، بجنان ثابت، وفي شجاعة منقطعة النظير، وسفَّه آلهتهم وأحلامهم، ولم يأبه بعداوتهم الشديدة، ولا بإيذائهم وتهديدهم له.
• وكما ظهرت شجاعته - صلى الله عليه وسلم - الأدبية منذ حداثة سنِّه؛ فإن شجاعته القتالية أيضًا كانت حاضرة بقوة منذ نعومة أظفاره؛ حيث اشترك - صلى الله عليه وسلم - مع أعمامه في حرب الفجار؛
فكان يردُّ عنهم نبل عدوِّهم إذا رموهم بها.
• وبعد بعثته - صلى الله عليه وسلم - والإذن له بالقتال، سنَّ الجهاد، وضرب أروع الأمثلة البشرية على الشجاعة والثبات، وفر الكماة والأبطال عنه غير مرة، وهو ثابت ثبات الجبال الرواسي لا يبرح، مقبل لا يدبر ولا يتزحزح، وما من شجاع سواه - صلى الله عليه وسلم - إلَّا وقد أُحصيت له فرَّة، وحفظت عنه جولة.
• وهو القائل: «والَّذي نفسي بيده، لولا أنَّ رجالًا من المؤمنين لا تطيب أنفسهم أن يتخلَّفوا عنِّي، ولا أجد ما أحملهم عليه؛ ما تخلَّفت عن سريَّةٍ تغزو في سبيل الله، والَّذي نفسي بيده لوددت أنِّي أقتل في سبيل الله، ثمَّ أحيا، ثمَّ أقتل، ثمَّ أحيا، ثمَّ أقتل، ثمَّ أحيا، ثمَّ أقتل» (1).
(1) أخرجه البخاري (2797)، ومسلم (1876) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -.
• وبرز يوم بدر وقاد المعركة بنفسه، وخاض غمار الموت بروحه الشريفة.
• وقد شُجَّ عليه الصلاة والسلام في وجهه، وكسرت رباعيته (1)، وقُتِل سبعون ما أصحابه، فما وهن ولا ضعف ولا خار، بل كان أمضى من السيف.
• لا يخاف التهديد والوعيد، ولا ترهبه المواقف والأزمات، ولا تهزُّه الحوادث والملمَّات، فوَّض أمره لربِّه، وتوكل عليه، وأناب إليه، ورضي بحكمه، واكتفى بنصره، ووثق بوعده.
لاتسألنَّ القوافي عن شجاعته ... إن شئت فاستنطق القرآن والصٌّحف
• يصفه خادمه أنس بن مالك ٍ - رضي الله عنه -، فيقول: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحسن النَّاس،
وكان أجود النَّاس، وكان أشجع النَّاس (2).
• ويقول ابن عمر - رضي الله عنه -: ما رأيت أحدًا أنجد، ولا أجود، ولا أشجع، ولا أضوأ وأوضأ من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (3).
(1) أخرجه البخاري (2903)، ومسلم (1790) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -.
(2) أخرجه البخاري (2820)، ومسلم (2307).
(3) أخرجه الدارمي (59)، وابن أبي الدنيا في مكارم الأخلاق (396)، ورجال إسناده ثقات. و (أنجد): أسرع في النجدة، وهذا دليل على عظم شجاعته - صلى الله عليه وسلم -. وتقدم قريبًا.
• فكان - صلى الله عليه وسلم - يخوض المعارك بنفسه ويباشر القتال بشخصه الكريم، يعرِّض روحه للمنايا، ويقدِّم نفسه للموت، غير هائب ولا خائف، ولم يفرَّ من معركة قط، وما تراجع خطوة واحدة ساعة يحمي الوطيس، وتقوم الحرب على ساق، وتشرع السيوف، وتمتشق الرماح، وتهوي الرءوس، ويدور كأس المنايا عل النفوس، فهو في تلك اللحظة أقرب أصحابه إلى الخطر، يحتمون أحيانًا به وهو صامد مجاهد.
لا يكترث بالعدوّ ولو كثر عدده، ولا يأبه بالخصم ولو قوي بأسه، بل كان يعدل الصفوف ويشجع المقاتلين ويتقدم الكتائب.
• فعن البراء - رضي الله عنه - قال: «كنَّا والله، إذا احمرَّ البأس نتَّقي به، وإنَّ الشُّجاع منَّا للَّذي يحاذي به- يعني النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم -» (1).
يكون أمام الخيل أول طاعنٍ ... ويضرب أخراها أذا هي ولت
• بل إن الفارس الشجاع صاحب المواقف المشهورة والوقائع المعروفة علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -،يقول عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «كنَّا إذا احمرَّ البأس، ولقي القوم
القوم؛ اتَّقينا برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فما يكون منَّا أحدٌ أدنى من القوم منه» (2).
(1) أخرجه مسلم (1776)، وهو عند البخاري مختصرًا (4317)، و (احمرَّ البأس وحمي): كناية عند شدة الحرب.
(2) أخرجه أحمد (1349)، وقال الأرناؤوط: إسناده صحيح.
يتقي الموت به أشياعه ... حين جفَّ الريق وأنشقَّ البصر
• وقد فرَّ الناس يوم حنين، وما ثبت إلا هو - صلى الله عليه وسلم -، وطفق يركض بغلته قبل الكفار، وعمُّه العباس آخذٌ بلجامها، يكفُّها عن الإسراع؛ فأقبل المشركون إليه فلما غشوه لم يفرَّ، ولم ينكص؛ بل نزل عن بغلته؛ كأنما يمكنُّهم من نفسه، وجعل يقول: «أنا النَّبيُّ لا كذب، أنا ابن عبد المطَّلب» (1). كأنما يتحداهم ويدُّلهم على مكانه!!
• وكان صدره بارزًا للسيوف والرماح، يُصرع الأبطال بين يديه، ويُذبح الكماة أمام ناظريه، وهو باسم المحيا، طلق الوجه، ساكن النفس.
• إنها شجاعة لم تعرف لها البشرية نظيرًا؛ ولقد حقَّ لشجاعة الشجعان أن تتواضع لشجاعته - صلى الله عليه وسلم - إكبارًا لها وإجلالاً!!
• وكان أول من يهبُّ عند سماع المنادي، ولقد فزع أهل المدينة ذات ليلةٍ، فانطلق أناسٌ قبل الصوت، فتلقاهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - راجعًا، وقد سبقهم إلى الصَّوت، وقد تبيَّن الخبر، وهو على فرسٍ لأبي طلحة عريٍ؛! ما عليه سرج، وفي عنقه السَّيف، وهو يقول: «لم تراعوا لم تراعوا» (2).
فيا لها من شجاعة!! إذ هبَّ إلى موطن الخطر وحده، قبل أن يتحرك الناس،
(1) أخرجه البخاري (2930)، ومسلم (1776).
(2) أخرجه البخاري (2908)، ومسلم (2307)، من حديث أنس بن مالك - رضي الله عنه -، و (عُريٍ): ليس عليها سرج، و (تراعوا): الروع؛ الخوف والفزع.
وهذا من أصعب الأشياء، حتى على نفوس الشجعان.
فإن طاعنوه كان أول طاعونٍ ... وإن نازلوه كان أول نازلٍ
• وتكالبت عليه الأحزاب يوم الخندق من كلِّ مكان، وضاق الأمر وحل َّالكرب، وبلغت القلوب الحناجر، وزلزل المؤمنون زلزالاً شديدًا، فقام - صلى الله عليه وسلم -، يصلي ويدعو ويستغيث مولاه، حتى نصره ربُّه، وردَّ كيد عدوِّه، وأخزى خصومه، وأرسل عليهم ريحًا وجنودًا، وباءوا بالخسران والهوان.
• وما غزواته الكثيرة التي غزاها - صلى الله عليه وسلم - وسطّرتها كتب السير والمغازي والأحاديث الصحيحة التي تحدثت عن بسالته وشجاعته في المعارك التي خاضها ضد الكفار والمشركين واليهود- التي لم نذكر منها إلا النذر اليسير- ما هي إلا دليل صدق لا مرية فيه، يؤكد ويدلل على خلق الشجاعة والبسالة الذي كان يتحلى به ويتصف به - صلى الله عليه وسلم -.
• ولم تأخذه - صلى الله عليه وسلم - في الله عزَّ وجلَّ، لومة لائمٍ، فكان لا يهاب إلا الله عزَّ وجلَّ، وكان يجاهد بنفسه وماله لإعلاء كلمة الله تعالى؛ لتكون هي العليا، ولكي يظهر الحق ويزهق الباطل ويسحقه؛ فكان له - صلى الله عليه وسلم - ما أراد، ونصره الله عزَّ وجلَّ، وأعلى قدره وشأنه، وأظهر دينه على الأديان كلِّها.
• فإذا ذكرت الشجاعة ذكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وإذا ذُكرت البطولة والبسالة ذكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
• وكانت قوته - صلى الله عليه وسلم - الجسدية عظيمة، تبلغ قوة ثلاثين رجلاً؛ فعن أبي قتادة، قال: حدَّثنا أنس بن مالكٍ - رضي الله عنه -، قال: كان النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، يدور
على نسائه في السَّاعة الواحدة من اللَّيل والنَّهار، وهنَّ إحدى عشرة. قال: قلت لأنسٍ: أو كان يطيقه؟! قال: كنَّا
نتحدَّث أنَّه أعطى قوَّة ثلاثين (1).
وهذا رُكانة الذي ما صرعه أحدٌ على وجه الأرض، قبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، كما يقول هو عن نفسه- خلا يومًا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بعض شعاب مكة؛ فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يا ركانة، ألا تتّقي الله، وتقبل ما أدعوك إليه؟»، قال: «إنّي لو أعلم أنّ الّذي تقول حقٌّ لاتّبعتك»، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أفرأيت إن صرعتك، أتعلم أنَّ ما أقول حقٌّ؟» قال: «نعم»، قال: «فقم حتّى أصارعك».
قال: فقام إليه ركانة يصارعه، فلمَّا بطش به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أضجعه وهو لا يملك من نفسه شيئًا، ثمَّ قال: «عد يا محمّد». فعاد فصرعه. فقال: «يا محمّد، والله، إنَّ هذا للعجب، أتصرعني؟!!» (2).
فصرعه - صلى الله عليه وسلم - ثلاث مرات، كل مرة على مائة من الغنم، فلما كان في الثالثة قال: «يا محمد، ما وضع ظهري على الأرض أحدٌ قبلك، وما كان أحدٌ أبغض إليَّ منك، وأنا أشهد أن لا اله إلا الله، وأنك رسول الله» فقام عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وردَّ عليه غنمه (3).
•ومع هذه الشجاعة البالغة، وتلك القوة العظيمة التي كان يتحلى بها - صلى الله عليه وسلم -؛ إلا أنها لم تكن أبدًا شجاعة تهور، ولا قوة بطش؛ وإنما كانت شجاعة مضبوطة
(1) أخرجه البخاري (268)، ومسلم (309).
(2) والراوي هو: إسحاق بن يسار، والقصة في كتب السيرة، راجع السيرة النبوية لابن كثير (2/ 82)، وحديث مصارعة ركانة في سنن أبي داود (3556)، وحسنه الألباني في إرواء الغليل (1503).
(3) السيرة النبوية لابن كثير (2/ 83)، وراجع صحيح السيرة للألباني ص 217.
بالعقل، وقوة مشوبة بالرحمة؛ فلم يستعملها قطُّ إلا في مواطن الوغى في الجهاد في سبيل إعلاء كلمة الله.
• فلم ينتقم - صلى الله عليه وسلم - لنفسه قطُّ، ولم يضرب بيده إلا في سبيل الله؛ فعن عائشة رضي الله تعالى عنها، قالت: «. . . وما انتقم - صلى الله عليه وسلم - لنفسه قطُّ، إلا أن تنتهك حرمة الله؛ فينتقم لله تعالى» (1).
• وقالت رضي الله عنها: «ما ضرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خادمًا له ولا امرأة، ولا ضرب بيده شيئًا قطُّ، إلا أن يجاهد في سبيل الله (2).
وصدق الله: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ}
***
(1) أخرجه البخاري (3560) واللفظ له، ومسلم (2328).
(2) نفس الحديث السابق، وهذا لفظ مسلم.