20 - كيف ننصر هذا النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم -؟

كيف ننصر هذا النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم -؟

• سؤال يجب أن يسأله كلٌ محبٍّ صادقٍ في محبته لهذا النبيِّ الكريم - صلى الله عليه وسلم - لنفسه، وهو: كيف انصر هذا النبيَّ الكريم - صلى الله عليه وسلم -؟ كيف أذبُّ عن عرضه الشريف - صلى الله عليه وسلم -؟

• وكيف أردُّ على حملات التشويه الظالمة، والإساءة الغاشمة، التي يتعرَّض لها شخصه الكريم - صلى الله عليه وسلم - في الشرق والغرب؟

• وماذا يجب عليَّ وفاء بحقه وتأكيدًا لمحبته - صلى الله عليه وسلم -؟

• وقبل أن أجيبك على هذا السؤال؛ لتسأل نفسك: من اتصف بكل هذه الصفات الرائعة العظيمة التي بلغت الكمال البشري- أليس جديرًا بأن يحبَّ؟!!

• فكيف إذا علمت أنه يحبُّك؟!! بل كيف إذا علمت أنه هو يشتاق لك ويتمنى رؤيتك (1)؟!! بل ويبكي من أجلك خوفًا عليك وشفقةً بك (2)؟!

•لا أشكُّ لحظةً أنك ستقول من كل قلبك وكيانك: بلى، أحبه - صلى الله عليه وسلم -.

• عندها سأقول لك: إن مجرد محبته - صلى الله عليه وسلم - لا تكفي وحدها!! بل لابد أن تحقق حقيقة قول نبيك وحبيبك - صلى الله عليه وسلم -: «لا يؤمن أحدكم حتَّى أكون أحَّب إليه من ولده ووالده

والنَّاس أجمعين» (3).

• وهذا هو الجواب على كل الأسئلة المتقدمة: لكي ننصر نبيَّنا وحبيبنا - صلى الله عليه وسلم - لابدَّ أولاً أن نحقق في أنفسنا حقيقة محبته - صلى الله عليه وسلم -، وأن يكون

(1) أخرج مسلم من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «وددت أنَّا قد رأينا إخواننا». قالوا: أولسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال: «أنتم أصحابي، وإخواننا الَّذين لم يأتوا بعد ... ».

(2) كما في حديث عمرو بن العاص عند مسلم (202)، وفيه: «أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - تلا قول الله عزَّ وجلَّ في إبراهيم: {رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} وقال عيسى - عليه السلام -: {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} فرفع يديه، وقال: «اللَّهمَّ أمَّتي أمَّتي، وبكى ... ». وتقدم كاملًا ص 69.

(3) أخرجه البخاري (15)، ومسلم (44).

حبُّه - صلى الله عليه وسلم - أعظم في قلوبنا من كلِّ حبٍّ؛ بل أعظم من محبينا أنفسنا، وأن نجعل ذلك الحبَّ واقعًا ملموسًا مشاهدًا لا زعمًا.

• حبَّاً كذاك الحبِّ الذي ملأ قلب الصِّدِّيق - رضي الله عنه -، حتى وجد ري َّظمأ حبيبه - صلى الله عليه وسلم - في جوفه حقيقة لا ادعاء ولا مبالغة؛ فرضي لذلك!!

• يحكي أبو بكر - رضي الله عنه -، عن رحلة الهجرة مع حبيبه من مكة إلى المدينة؛ فيقول: «مررنا براعٍ وقد عطش رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فحلبت كثبةً من لبنٍ في قدحٍ، فشرب حتَّى رضيت ... » (1).

بالله ما أعظم وأصدق هذا الحب!: «فشرب حتَّى رضيت»!!

وكيف يرضى الصِّدِّيق إلا وقد ذهب العطش عن حبيبه - صلى الله عليه وسلم -؟!!

وكأنَّ أبا بكر - رضي الله عنه -، هو الذي ارتوى؛ فذهب عطشه، والصِّدِّيق الذي جاء بالصدق وصدَّق به، لا يبالغ في حديثه، ولا يقول إلا ما وجده حقيقة!!

• وهو نفسه الحبُّ الذي ملأ كيان هذا الصحابي كلَّه؛ حتى لا يكاد يصبرُ على رفاق حبيبه - صلى الله عليه وسلم -، فيرجع لينظر إلى وجهه الشريف - صلى الله عليه وسلم -؛ بل إن هذا الشوق يتجاوز حدود الزمان والمكان؛ ليمتد إلى يوم القيامة، حتى وهو في الجنة!! فيقول له: يا رسول الله، والله إنك لأحبُّ إليَّ من نفسي، وإنك لأحبُّ إليَّ من أهلي، وأحبُّ إليَّ

من ولدي، وإني لأكون في البيت فأذكرك؛ فما اصبر حتى آتيك؛ فأنظر إليك، وإذا ذكرت موتي وموتك؛ عرفت أنك إذا دخلت

(1) أخرجه البخاري (5607)، ومسلم (2009). و (الكُثبة): الجرعة في الإناء. والمقصود: كمية قليلة.

الجنة رفعت مع النبيين، وإني إذا دخلت الجنة خشيت ألَّا أراك ... (1)!!

• وهو نفسه الحبُّ الذي ملأ قلب بلال - رضي الله عنه -، حتى جعله يستعذب الموت فرحًا مستبشرًا لقدومه؛ لأنه سيمكنه من رؤية حبيبه - صلى الله عليه وسلم -!!

تقول امرأته عند احتضاره: واويلاه! ويقول هو: وافرحاه! غدًا نلقى الأحبة محمدًا وحزبه (2)!!

• وهو الحبُّ الذي جعل زيد بن الدَّثنة - رضي الله عنه -، يؤثر الموت راضيًا مطمئنًا، على أن تصيب حبيبه - صلى الله عليه وسلم - شوكةٌ تؤذيه وهو في مجلسه!!

يقول له أبو سفيان- وقد أخرجوه من الحرم ليقتلوه- فيسأله حين قدم ليقتل: أنشدك الله، يا زيد، أتحبُّ أنَّ محمّدًا عندنا الآن في مكانك، نضرب عنقه، وأنَّك في أهلك؟ قال: والله، ما أحبُّ أنَّ محمّدًا الآن في مكانه الَّذي هو فيه، تصيبهُ شوكةٌ تؤذيه، وأنَّي جالسٌ في أهلي. قال: يقول أبو سفيان: ما رأيت من النَّاس أحدًا يُحبُّ

(1) أخرجه الطبراني في الصغير (1/ 53)، والأوسط (1/ 152)، وقال الهيثمي في المجمع (7/ 63): ورجاله رجال الصحيح غير عبد الله بن عمران العابدي، وهو ثقة. وقال الحافظ ابن حجر في العجاب (2/ 914): رجاله موثقون. وحسنه سليم الهلالي ومحمد آل نصر في الاستيعاب في بيان الأسباب (1/ 429 – 430)، وبقية الحديث: «فلم يردَّ عليه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - شيئًا حتى نزل جبريل عليه السلام بهذه الآية: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ} [النساء: 69]».

(2) سير أعلام النبلاء (1/ 359).

أحدًا؛ كحبِّ أصحاب محمّدٍ محمَّدًا!! (1).

• وهو نفسه الحبُّ الذي ملأ قلب سعد بن الرَّبيع؛ فجعل نصرة حبيبه - صلى الله عليه وسلم - وفداءه بالمهج والأرواح، هي آخر وصية يوصي بها قومه الأنصار، وهو يجود بنفسه شهيدًا - رضي الله عنه -!!

يقول زيد بن ثابت - رضي الله عنه -: بعثني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم أحد أطلب سعد بن الربيع.

قال: فجعلت أطوف بين القتلى، فأتيته وهو بآخر رمق، وبه سبعون ضربة؛ ما بين طعنة برمح، وضربة بسيف، ورمية بسهم، فقلت: يا سعد! أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمرني أن أنظر أفي الأحياء أنت أم في الأموات؟

قال: أنا في الأموات، فأبلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عنِّي السَّلام، وقل له: إنَّ سعد بن الرَّبيع يقول لك: جزاك الله عنَّا خير ما جزى نبيَّاً عن أمّته، وأبلغ قومك عنِّي السَّلام، وقل لهم: إنَّ سعد بن الرَّبيع يقول لكم: إنَّه لا عذر لكم عند الله، إن خلص إلى نبيّكم - صلى الله عليه وسلم - وفيكم عينٌ تطرف، وفاضت نفسه من وقته (2).

(1) أخرجه ابن إسحاق عن شيخه عاصم بن عمرو مصرحًا بالتحديث عنه؛ سيرة ابن هشام (3/ 172)، والمغازي للواقدي (2/ 362). وانظر: السيرة النبوية الصحيحة (2/ 400).

(2) أخرجه الحاكم في المستدرك (3/ 201)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي، وذكره ابن هشام في السيرة (2/ 94)، وابن عبد البرِّ في الاستيعاب (4/ 145). وقال العمري في السيرة النبوية الصحيحة (2/ 386) هامش (3): من رواية ابن إسحاق، بإسناد رجاله ثقات.

• فأيُّ عذرٍ تعتذر به اليوم أمة المليار، وقد خلص إلى رسولها - صلى الله عليه وسلم - واجترأ عليه الأراذل والسفهاء؟!!

• إن الحبَّ الحقيقي لرسولنا - صلى الله عليه وسلم - إذا لامس شغاف قلوبنا حقًا وصدقًا، وأصبح

حقيقة لا دعوية لابدَّ وحتمًا أن يصبح واقعًا ملموسًا نعيشه، ونلمس آثاره في أخلاقنا، وفي سلوكنا وفي اهتماماتنا، وفي حياتنا كلِّها.

• إن هذا الحبَّ يدفعنا أول ما يدفعنا إلى نصرة دين حبيبنا - صلى الله عليه وسلم -، وأن نبذل لأجل الدعوة إليه، والحفاظ عليه، مهجنا وأرواحنا، وشعارنا هو كلمة أعظم محبٍّ وأصدق محبٍّ - رضي الله عنه -، يوم تعرض دين محبوبه - صلى الله عليه وسلم - للخطر؛ فصاح صيحته الخالدة: إنَّه قد انقطع الوحي، وتمَّ الدِّين، أينقص وأنا حيٌّ؟! (1).

• وما أفقه إمام دار الهجرة، وفقيه الإسلام رحمه الله، وهو يقول: «من ابتدع في الإسلام بدعةً يراها حسنة، فقد زعم أنَّ محمدًا - صلى الله عليه وسلم - خان الرّسالة، لأنَّ الله يقول: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة: (3)] فما لم يكن يومئذٍ دينًا، فلا يكون اليوم دينًا» (2).

(1) جامع الأصول في أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - (6426).

(2) الاعتصام للشاطبي (1/ 49) وقال في تعريف البدعة: «والبدعة شرعاً: طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعيّة، يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله» فما كان من الاخترعات في أمور الدنيا فلا يعتبر من البدعة المذمومة شرعاً. قال ابن رجب: «وأمّا ما وقع في كلام السلف من استحسان بعض البدع فإنّما ذلك في البدع اللغوية لا الشرعية» جامع العلوم والحكم (2/ 128).

• فليت شعري كيف يدعي محبته - صلى الله عليه وسلم - أقوامٌ؛ ثم هم أولُ معول هدمٍ لشريعته ومحاربة سنته - صلى الله عليه وسلم -؛ بالابتداع في دينه بدعوى محبته، متجاهلين تحذيره الشديد - صلى الله عليه وسلم -: «إياكم ومحدثات الأمور، فإنَّ كلَّ محدثةٍ بدعةٌ، وكلَّ بدعةٍ ضلالة» (1)؟!!

• فالمحبُّ الصادق لرسوله - صلى الله عليه وسلم - الذي يريد نصرته بحقٍ، حريصٌ على إتباعه - صلى الله عليه وسلم - في كل شئونه، والاحتكام إلى شريعته الطاهرة، والرضا بها، والتسليم التام لها، وتعظيم سنته الشريفة.

• والمحبُّ الصادق الذي يريد نصرة حبيبه - صلى الله عليه وسلم - يطيعه في نهيه عن الغلو فيه، ولا يُنزله فوق منزلته، التي أنزله الله إياها، ورضيها له ربُّه عزَّ وجلَّ؛ وهي أنه عبد الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -.

• والمحبُّ الصادق الذي يريد نصرة حبيبه - صلى الله عليه وسلم - حرصٌ أشدَّ الحرص على أن يتعرف على سنَّة حبيبه - صلى الله عليه وسلم -، وعلى سيرته الشريفة، وأن يعلِّمها أولاده وأهله وزملاءه في العمل.

والمحبُّ الصادق الذي يريد نصرة حبيبه - صلى الله عليه وسلم -، يحرص أشدَّ الحرص على التأسي بأخلاقه - صلى الله عليه وسلم - الكريمة وخصاله الشريفة، ليعطي صورة مشرفة لدينه ودعوته - صلى الله عليه وسلم -، ولينعم بالقرب منه - صلى الله عليه وسلم - ويحظى

(1) أخرجه أبو داود (4607)، والترمذي (2676)، وابن ماجه (42)، من حديث العرباض بن سارية - رضي الله عنه -، وصححه الألباني في الصحيحة (2735).

بجواره يوم القيامة، تلك المنزلة العالية التي لا تُنال إلا بحسن الخلق، كما أخبر - صلى الله عليه وسلم - بذلك؛ فقال: «إن َّمن أحبِّكم إليَّ، وأقربكم منِّي مجلسًا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا» (1).

• والمحبُّ الصادق الذي يريد نصرة حبيبه - صلى الله عليه وسلم - لا تفارق محبته - صلى الله عليه وسلم - قلبه طرفة عينٍ، فهو دائمًا يستحضر عظيم فضله وإحسانه - صلى الله عليه وسلم - عليه، وعلى كلِّ واحد منا؛ فقد بلغنا الرسالة أتم البلاغ، وأدى الأمانة أحسن الأداء، ونصح الأمة أعظم النصح وأصدقه.

• والمحبُّ الصادق الذي يريد نصرة حبيبه - صلى الله عليه وسلم - يحبُّ أهل بيته الكرام الأخيار الأبرار؛ من أزواجه وذريَّته وقرابته الأطهار، ويواليهم ويجلُّهم، ويبغض كلَّ من يبغضهم، أو ينتقص من قدرهم.

ويا لها من كلمة محبٍّ ما أصدقه وأصدقها: «والذي نفسي بيده، لقرابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحبُّ إليَّ أن أصل من قرابتي» (2)!!

• والمحبُّ الصادق الذي يريد نصرة حبيبه - صلى الله عليه وسلم -، يحبُّ أصحابه الكرام رضي الله عنهم أجمعين، ويوقِّرهم، ويقتدي بهم، ويهتدي بهديهم، ولا يذكرهم إلَّا بالجميل، ويكفُّ عمَّا شجر بينهم، ويدعو ويستغفر لهم، ويعتقد فضلهم على من جاء بعدهم، في العلم، والعمل، والمنزلة، ويبغض كلَّ من يبغضهم، أو ينتقص منهم.

(1) أخرجه الترمذي (2018)، من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، وصححه الألباني في الصحيحة (791).

(2) هو قول الصِّدِّيق - رضي الله عنه -؛ جزء من حديث طويل أخرجه البخاري (3712)، ومسلم (1759).

أيا ساكني أكناف طيبة كلكم ... إلى القلب من أجل الرسول حبيب

والمحبُّ الصادق الذي يريد نصرة حبيبة - صلى الله عليه وسلم -، يحبُّ العلماء الربانيين، والدعاة الصادقين، ويقدِّرهم،

2025/05/26 · 10 مشاهدة · 1871 كلمة
نادي الروايات - 2026