زهده - صلى الله عليه وسلم -

• وليس زهده - صلى الله عليه وسلم - كأي زهد؛ وإنما هو زهد من لو أراد جبال الدنيا أن تكون له ذهبًا وفضة لكانت ... زهد من عرضت عليه الدنيا، وتزيَّنت له، وأقبلت إليه؛ فقال: «ما لي وللدُّنيا، إنَّما مثلي ومثل الدُّنيا كمثل راكبٍ قال في ظلِّ شجرةٍ في يومٍ صائفٍ ثمَّ راح وتركها» (1)

• فلم يكن زهده - صلى الله عليه وسلم - من عوزٍ وحاجة؛ بل كان زهدًا مختارًا، فإذا جاءه المال الكثير من الغنيمة أو الفيء؛ أنفقه كلَّه، ولم يبق لنفسه منه شيئًا؛ إيثارًا لما عند الله، وزهدًا في الدنيا ومتاعها.

• ويقول - صلى الله عليه وسلم -: «يا أيُّها النَّاس، إنَّه لا يحلُّ لي مَّما أفاء الله عليكم، قدر هذه -وأشار إلى وبرةٍ من جنب بعيرٍ - إلَّا الخمس، والخمس مردوٌد عليكم» (2).

• ولمَّا جاءه مال البحرين، قال: «انثروه في المسجد» فما قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وثمَّ منها درهمٌ (3).

(1) أخرجه أحمد (4196)، والترمذي (2377)، من حديث عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -، وصححه الألباني في الصحيحة (439). و (قال): قال يقيل: نام وسط النهار.

(2) أخرجه أبو داود (2694)، والنسائي (4139)، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، رضي الله عنهما، وصححه الألباني في صحيح الجامع (7873)، و (وبرةٍ): أي شعرة. و (مردود ٌعليكم): أي والخمس المذكور؛ مع كونه لي؛ فهو مصروفٌ في مصالحكم؛ من السلاح والخيل وغير ذلك.

(3) أخرجه البخاري (3165)، ومسلم (2314)، من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما. وسيأتي بتمامه في مبحث كرمه وجوده - صلى الله عليه وسلم -.

• فكان - صلى الله عليه وسلم - أزهد الناس في الدنيا، وأرغبهم في الآخرة، خيَّره الله تعالى، بين أن يكون ملكًا نبيًا أو يكون عبدًا رسولاً؛ فاختار أن يكون عبدًا رسولًا (1).

• وكان الزهد شعاره - صلى الله عليه وسلم - في كلِّ شئونه؛ في مسكنه، وفي فراشه، وفي ملبسه، وفي طعامه وشرابه.

• أما مسكنه - صلى الله عليه وسلم -؛ فكان بيته - صلى الله عليه وسلم - من طين، متقارب الأطراف، داني السقف.

يقول الحسن البصري رحمه الله: كنت أدخل بيوت أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم -، في خلافة عثمان بن عفان، فأتناول سقفها بيدي (2).

وقال عطاء الخراساني رحمه الله، وهو فيما بين القبر والمنبر: أدركت حجر أزواج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من جريد النخل، على أبوابها المسوح من شعر أسود (3).

• وأما فراشه - صلى الله عليه وسلم -؛ فكان نام على الحصير، ليس تحته شيء غيره، فيؤثر في جنبه الشريف، حتى يبكي سيِّدنا عمر - رضي الله عنه -، تأثرًا على حال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (4).

(1) أخرجه أحمد (7120)، وابن حبان (2137)، من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -، وصححه الألباني في الصحيحة (1002).

(2) الطبقات الكبرى لابن سعد (1/ 500)، سير أعلام النبلاء (4/ 569).

(3) الطبقات الكبرى لابن سعد (1/ 500)، وحياة الصحابة للكاندهلوي (4/ 105). و (المسح): الكساء من الشعر.

(4) أخرجه البخاري (4913)، ومسلم (1479).

• يقول أنس بن مالك - رضي الله عنه -: دخلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو على سريرٍ، مضطجعٌ، مرملٌ بشريطٍ، وتحت رأسه وسادةٌ من أدمٍ حشوها ليفٌ.

فدخل عليه نفرٌ من أصحابه، ودخل عمر، فانحرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - انحرافة ًفلم ير

عمر بين جنبه وبين الشَّريط ثوبًا، وقد أثَّر الشَّريط بجنب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فبكى عمر.

فقال له النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «ما يبكيك يا عمر؟» قال: والله إلَّا أن أكون أعلم أنَّك أكرم على الله عزَّ وجلَّ من كسرى وقيصر، وهما يعبثان في الدنيا فيما يعبثان فيه، وأنت يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمكان الَّذي أرى!

فقال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «ما ترضى أن تكون لهم الدُّنيا ولنا الآخرة؟» قال عمر: بلى. قال: «فإنَّه كذاك» (1).

• ويقول أنسٌ - رضي الله عنه -: ما علمت النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أكل على سكرجةٍ قطُّ، ولا خبز له مرقَّقٌ قطُّ، ولا أكل على خوانٍ قطَّ (2).

(1) أخرجه أحمد (12009)، وابن حبان في صحيحه (6362)، وقال شعيب الأرناؤوط: صحيح لغيره. وأصله في الصحيحين؛ أخرجه البخاري (4913)، ومسلم (1479). و (مرمل): قد نسج وجهه بالسَّعف، يقال: أرملت النَّسج أرمله: إذا باعدت بين الأشياء المنسوج بها، فهو مرمل. وقال الحافظ في الفتح (8/ 43): (مرمَّل) براء مهملة ثمَّ ميم ثقيلة؛ أي معمول بالرِّمال، وهي حبال الحصر الَّتي تضفَّر بها الأسرَّة.

(2) أخرجه البخاري (5386). و (السكرجة): إناء صغير يوضع فيه المشهيات. و (الخوانٍ): السُّفرة المرتفعة عن الأرض.

• وأما ملبسه - صلى الله عليه وسلم -؛ فكان ربما لبس إزارًا ورداء فحسب؛ فعن أبي بردة قال: أخرجت إلينا عائشة كساءً ملبَّدًا وإزارًا غليظًا؛ فقالت: «قبض روح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هذين» (1).

• وأما طعامه وشرابه - صلى الله عليه وسلم -؛ فكان من زهده - صلى الله عليه وسلم - وقلة ما بيده؛ أن النار لا توقد في

بيته في الثلاثة أهلة في شهرين؛ فعن عروة - رضي الله عنه -، قال: عن عائشة رضي الله عنها، أنها كانت تقول: «والله يا ابن أختي، إن كنَّا لننظر إلى الهلال ثلاثة أهلَّةٍ في شهرين، وما أوقدت في أبيات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نارٌ. فقلت: ما كان يعيشكم؟ قالت: الأسودان؛ التَّمر والماء» (2).

• وعن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يبيت اللَّيالي المتتابعة طاويًا وأهله لا يجدون عشاءً، وكان أكثر خبزهم خبز الشَّعير» (3).

• وكان - صلى الله عليه وسلم - يربط على بطنه الحجر من الغرث (4).

• وخطب النعمان بن بشير - رضي الله عنه -، وهو يذكر حال النبي عليه أتم الصلاة وأزكى التسليم؛ فقال: ذكر عمر ما أصاب النَّاس من الدُّنيا؛ فقال: «لقد رأيت نبيَّكم - صلى الله عليه وسلم -، وما يجد من الدَّقل ما يملأ به بطنه» (5).

(1) أخرجه البخاري (3108)، ومسلم (2080)، والترمذي (1733)، واللفظ له. و (الملبَّد): هو المرقع من الثياب.

(2) أخرجه البخاري (6459)، ومسلم (2972).

(3) أخرجه الترمذي (3260)، وحسنه الألباني في الصحيحة (2119).

(4) أخرجه ابن الأعرابي في معجمه (3/ 1)، من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -، وحسنه الألباني بشواهده في الصحيحة (1615). و (الغرث): الجوع

(5) أخرجه مسلم (2977)، و (الدَّقل): رديء التمر.

• ويا له من موقف عجيب؛ أن تخلو بيوت سيد الخلق - صلى الله عليه وسلم - كلُّها حتى من هذا الدَّقل!! حتى يعجز - صلى الله عليه وسلم - عن أن يضيف رجلاً جائعًا قصده؛ فيدفعه لمن يضيفه!!

• فعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال: «جاء رجلٌ إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: إنِّي مجهودٌ. فأرسل إلى بعض نسائه فقالت: والَّذي بعثك بالحقِّ ما عندي إلَّا ماءٌ. ثمَّ أرسل إلى الأخرى، فقالت مثل ذلك. حتَّى قلن كلُّهن مثل ذلك: لا والَّذي بعثك بالحقِّ ما عندي إلَّا ماءٌ.

فقال: «من يضيف هذا اللَّيلة رحمه الله؟» فقام رجلٌ من الأنصار فقال: أنا يا رسول الله ... » (1)!!.

تخلو بيوت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كلُّها من كلِّ شيء إلا من الماء!! أي زهد هذا؟!!

• فكيف إذا لم يجد فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نفسه، ما يسدُّ به جوعه؛ فيخرج من بيته علَّه يجد ما يسدُّ جوعه؟!

فعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال: خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات يومٍ أو ليلةٍ، فإذا هو بأبي بكرٍ وعمر، فقال: «ما أخرجكما من بيوتكما هذه السَّاعة؟» قالا: الجوع يا رسول الله. قال: «وأنا والَّذي نفسي بيده، لأخرجني الَّذي أخرجكما ... » (2)

(1) أخرجه البخاري (3798)، ومسلم (2045)، واللفظ له، و (إني مجهودٌ): أي أصابني الجهد؛ وهو المشقة والحاجة وسوء العيش والجوع.

(2) أخرجه مسلم (2038).

• وأما مدخراته - صلى الله عليه وسلم -؛ فما ترك - صلى الله عليه وسلم - عند موته درهمًا ولا دينارًا ولا عبدًا ولا أمةً ولا شيئًا، إلَّا بغلته البيضاء وسلاحه، وأرضًا جعلها صدقةً (1).

• وقد رهن درعه في ثلاثين صاعًا من شعير عند يهوديٍّ، فمات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ودرعه مرهونةٌ عنده. (2).

وصدق الله: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ}

***

(1) أخرجه البخاري (2739)، من حديث عمرو بن الحارث - رضي الله عنه -.

(2) أخرجه البخاري (2916)، ومسلم (1603)، من حديث عائشة رضي الله عنها.

2025/05/26 · 14 مشاهدة · 1356 كلمة
نادي الروايات - 2026