كانت الشمس تغرب خلف أبنية المدينة، لكن جاي هيون لم يكن يرى أي جمال في ذلك المشهد. كان جالسًا على كرسي بارد في عيادة خاصة، ينظر إلى الطبيب الذي يحدق في الأوراق أمامه بنظرة لا تبشر بخير.
جاي هيون، شاب في العشرينات من عمره بشعر وردي نادر وجسم رقيق نحيل، رفع نظره أخيرًا. كانت عيناه الزرقاوان واسعتين، مصدومتين، وكأنه يسمع حكم إعدام.
"يا إلهي..." تمتم الطبيب بصوت خافت.
جاي هيون تحدث بصوت متعب: "قلها مباشرةً يا أيها طبيب. كم تبقى لي؟"
نظر الطبيب إليه بجدية قاتلة، ثم تنهد بعمق. "مستحيل. حتى مع أعظم الموارد في البوابات العلاجية، حتى مع كل أموال العالم... لا يمكن علاج مرضك."
شعر جاي هيون كأن الأرض تهتز تحته. "هل هذا صحيح... يا سيدي؟"
أومأ الطبيب برأسه ببطء، وكانت نظراته تحمل أسفًا صادقًا. "نعم. ربما ستموت... لكنه موت بطيء. على الأقل، إن عشت لهذا الشهر، ستكون معجزة."
لم يقل جاي هيون شيئًا. نهض من الكرسي كالآلي، ودفع ثمن الكشف دون أن ينطق بكلمة، وخرج من العيادة.
في الخارج، كان الجو باردًا رغم أن الخريف لم يبدأ بعد. سار جاي هيون في الشوارع كالضائع، رأسه منحني، وخطواته ثقيلة كالحجارة.
لماذا يحدث هذا معي؟ فكر بمرارة. لقد ولدت بمواهب عظيمة... لكنني لم أستفد منها بشيء. لماذا حياتي هكذا؟
تذكر كل السنوات الماضية. عندما كان طفلاً، اكتشفوا أنه من رتبة S، نادر وقوي. قالوا إنه عبقري، إنه سيكون أعظم صياد في التاريخ. لكن بعد ذلك، بدأت الأمور تنهار. قوته لم تكن مستقرة، وكان ينهار في اللحظات الحاسمة. تحول من البطل المنتظر إلى "أضعف صياد من رتبة S في العالم". حتى جمعية الصيادين ظنت أن هناك خطأ في النظام، وأعادوا فحصه مرات عديدة.
والآن هذا.
وصل جاي هيون إلى الميناء القديم. كان المكان هادئًا، بعيدًا عن صخب المدينة. وقف على حافة الرصيف، ينظر إلى المياه العميقة تحته. الرياح الباردة صفعت وجهه، لكنه لم يشعر بشيء.
كان يفكر في القفز.
وفجأة، سمع همسات خلفه. التفت قليلاً فرأى مجموعة من الفتيات يتهامسن وينظرن إليه.
"أليس هذا جاي هيون؟" قالت إحداهن بصوت منخفض لكنه مسموع.
"أجل، البطل ذو الرتبة S القمامة!" ضحكت الأخرى.
"سمعت حتى أخاه الكبير ذو الرتبة S تخلى عنه!"
شعر جاي هيون وكأن سكينًا تغرز في صدره. رفع يده ليغطي وجهه، وصعد بسرعة إلى الرصيف البعيد حيث لا أحد هناك.
وقف وحيدًا، ينظر إلى البحر. كانت السماء تميل للظلام أكثر، والنجوم بدأت تظهر واحدة تلو الأخرى.
كم حياتي حقًا صعبة... تمتم في نفسه.
فجأة، اهتز هاتفه. نظر إلى الشاشة، كان المتصل: دو هيون. أخوه الأكبر.
تردد للحظة، ثم ضغط على زر الرد.
"أين أنت؟!" صرخ صوت دو هيون من السماعة. "لقد انتشرت الإشاعات! هل تعرف ماذا سيحصل لي بسببك؟ لماذا ولدت حقًا أيها العاها؟!"
جمد جاي هيون للحظة. الكلمات تخترق قلبه كالرصاص. أراد أن يرد، أن يصرخ، أن يقول شيئًا، لكن صوته خانقه. ضغط على زر إنهاء المكالمة بصمت، وأغلق هاتفه.
نظر إلى البحر من جديد. كان هادئًا، أسود، عميقًا. خطا خطوة نحو الحافة.
"وداعًا أيتها الحياة..." همس.
وفجأة، قبل أن تلمس قدمه الفراغ، ظهر أمامه ضوء أزرق مبهر. تطايرت أمام عينيه شاشة شفافة، وكأنها من الخيال العلمي.
نظام نقاط السعادة
وقف جاي هيون مذهولاً. رمش بعينيه عدة مرات. هل كان يتوهم؟ هل بدأ المرض يؤثر على عقله؟
قرأ ما على الشاشة:
قواعد النظام:
· نقاط الصحة ونقاط الموت.
· بمجرد إسعاد شخص آخر، يحصل المضيف على نقاط صحة.
· إذا حزن المضيف أو تسبب في حزن شخص مرتبط بالنظام، تُخصم نقاط من عمره.
· الوقت المتبقي من حياة المضيف: 73 ساعة و45 دقيقة.
حدق جاي هيون في الأرقام. ثلاث وسبعون ساعة فقط. هذا أقل من ثلاثة أيام.
شد يده على حافة الرصيف بقوة، والدموع تتجمع في عينيه. هل هذه فرصتي؟ فكر بيأس وأمل في آن.
ظهرت على الشاشة كلمتان:
موافق أو إلغاء
بدون تردد، ضغط جاي هيون على "موافق".
تم ربط المضيف بالنظام.
وقف جاي هيون مكانه، قلبه يدق بعنف. هل كان هذا حقيقيًا؟ هل كان يهلوس؟ أم أن هناك أملًا أخيرًا؟
نزل من على الرصيف وعاد إلى المنطقة العامة في الميناء. كان يتجول بخطوات مترددة، يراقب الناس من حوله. كان قلقًا، متحيرًا.
وفجأة، رصد فتاة تجلس على مقعد خشبي منعزل. كانت ترتدي ملابس بسيطة، وشعرها البني الطويل منسدل على كتفيها. لكن الأهم كان وجهها: كانت تحدق في الأسفل، في قدميها، وكأن العالم كله لا يعنيها. كانت حزينة، حزينة جدًا.
ظهرت رسالة أمام عينيه:
تم ربط المضيف بالفتاة.
ماذا؟ فكر جاي هيون. ماذا يعني هذا؟
لكن لم يكن هناك وقت للتساؤل. أخذ نفسًا عميقًا واقترب منها.
"مرحبًا... هل أنتِ بخير؟"
نظرت الفتاة نحوه لبرهة، ثم أدارت وجهها سريعًا وعادت للتحديق في الأرض.
تردد جاي هيون، لكنه تذكر كلمات النظام. إذا كان يريد البقاء على قيد الحياة، يجب أن يسعد الآخرين. قال بصوت لطيف: "هل يمكنني مساعدتك في شيء؟"
قالت الفتاة ببرود: "ابتعد. أنا لست بحاجة للغرباء."
"لكن..." تمتم جاي هيون. "أنا فقط رأيتك حزينة."
لم ترد. لكن عينيه لمحتا شيئًا بجانبها: علبة كمان سوداء.
"هل تحبين الكمان؟" سأل.
رفعت الفتاة نظرها قليلًا نحو العلبة، ثم نحوه. كانت عيناها لا تزالان حزينتين، لكن فيها شيئًا من الاهتمام. "نعم... كثيرًا."
"إذن لماذا أنت حزينة هكذا؟" سأل برقة.
نظرت إليه الفتاة مطولاً، وكأنها تدرس إن كان يستحق أن تشاركه ما في قلبها. ثم همست: "أمي... لا تريد أن أعزف."
"آسف، لكن ما علاقة أمك بهذا؟ أعني، أنتِ التي تحبين الكمان، أليس كذلك؟"
"نعم... لكنها تقول إنه مضيعة للوقت، إنه ليس مستقبلاً حقيقيًا." قالت الفتاة بصوت مبحوح.
حاول جاي هيون أن يفهم. "لكن إذا كنتِ تحبينه، فهذا مستقبل حقيقي. المستقبل ليس فقط ما يريده الآخرون لنا."
نظرت إليه الفتاة بغضب مفاجئ. "أنت لا تفهم! تقول أي ترهات فقط! أنا أخبرك أن عائلتي غير موافقة، وهذا أمر مفروغ منه!"
صمت جاي هيون للحظة. ثم قال بهدوء: "ربما لا أفهم كل شيء... لكني أفهم شيئًا واحدًا."
رفعت الفتاة نظرها قليلًا نحوه.
أشار إلى الكمان بجانبها. "الأشخاص الذين يحبون شيئًا حقًا... لا ينظرون إليه هكذا."
تجمدت الفتاة. نظرت إلى علبة الكمان، ثم إليه.
جلس جاي هيون على حافة الرصيف بجانبها، رغم أنها لم تدعه. نظر إلى السماء وقال بصوت هادئ: "عندما كنت صغيرًا، قالوا إنني عبقري. قالوا إنني سأصبح أقوى صياد في العالم."
نظرت الفتاة إليه باهتمام هذه المرة.
ابتسم ابتسامة صغيرة لكنها كانت متعبة. "لكن انظري إليّ الآن. أنا لا شيء. أنا أضعف صياد رتبة S في العالم. حتى أخي تخلى عني."
صمت للحظة، ثم أضاف: "إذا كان الشخص سيتوقف فقط لأن الآخرين قالوا لا... فربما لم يكن ذلك حلمه منذ البداية."
صمتت الفتاة طويلاً. كانت تفكر في كلماته. ثم قالت بصوت منخفض: "لكن... ماذا لو خيبت أمل عائلتي؟"
فكر جاي هيون قليلاً. "خيبة الأمل مؤقتة." أشار إلى الكمان. "لكن الندم... قد يبقى طوال الحياة."
ترددت الفتاة، ثم مدت يدها ببطء نحو علبة الكمان. فتحتها بحذر، وكأنها تفتح صندوق أحلامها. أخرجت الكمان البني اللامع، ووضعته تحت ذقنها.
نظرت إلى جاي هيون بعينين ممتلئتين بالدموع، وقالت بصوت متهدج: "أريد... أن أعزف، أن أعيش حلمي... لكن قلبي ثقيل جدًا... كل مرة أفكر أن أبدأ... أجد نفسي عاجزة عن الحركة... كأنني أختنق بين ما أريد وما يجب أن أفعل."
تنهدت، ثم أضافت: "لكن... عندما أنظر إلى الكمان... وعندما أرى شخصًا يؤمن بي كما تؤمن أنت الآن... أشعر أن قلبي ينبض مرة أخرى... وأنني قد أتمكن يومًا من أن أصنع شيئًا جميلًا... حتى لو كلفني ذلك كل شيء."
رفعت رأسها، ودموعها تتساقط على وجنتيها. "هل... هل يمكنني حقًا المحاولة؟ أم أنني سأفشل كما توقعت كل حياتي؟"
نظرت إليى جاي هيون بإلحاح: " سيدي... هل تثق بقدراتي؟"
نظر جاي هيون إليها بعينين متلألئتين، وابتسامة خجولة رسمت على وجهه. قال بصوت ناعم وحنون: "أوه... حقًا ستفعلينها؟ واو... هذا رائع! أنا متأكد أنكِ ستبدعين، فقط افعلي ذلك على طريقتك الخاصة... وأنا سأشجعك دائماً!"
أشار إلى الكمان بطريقة لطيفة، وأضاف بابتسامة: "وعد مني، سأقف بجانبك... حتى لو أخطأتِ، سأكون هنا لأرفعك من جديد!"
أخذت نفسًا عميقًا، ووضعت القوس على الأوتار. بدأت تعزف.
كان اللحن بسيطًا، لكنه كان صادقًا. كان يخرج من أعماق قلبها، من كل السنوات التي كتمت فيها حلمها. النغمات كانت ترتجف أحيانًا، لكنها كانت جميلة، جميلة جدًا.
جاي هيون أغلق عينيه واستمع. شعر بشيء غريب ينتشر في جسده، دفء غامر، وكأن الموسيقى تداوي جروحه.
وفجأة، ظهرت رسالة أمام عينيه:
لقد نجحت في المهمه الاولى! (+10 نقاط صحة)
المضيف يتلقى مكافأة إضافية: مهارة "معزوفة النوم"
فتح عينيه مذهولاً. معزوفة النوم؟ ما هذه المهارة؟
لكن الفتاة كانت لا تزال تعزف، غارقة في عالمها. لم يرغب في مقاطعتها. ابتسم لنفسه. المهم الآن هو الصحة. عشر نقاط! ربما هذا يعني عشر ساعات إضافية؟
أكملت الفتاة عزفها، ثم نظرت إليه بدموع الفرح. "شكراً لك... شكراً جزيلاً."
نهض جاي هيون واقفاً، وابتسم. "بالعكس، أنا من يجب أن يشكرك."
نظرت إليه بتساؤل، لكنه لم يفسر. فقط قال: "استمري في العزف. لا تدعي أحدًا يوقفك."
ومشى بعيدًا، تاركًا الفتاة تحت أضواء المساء، تمسك بكمانها وكأنها تمسك بحلمها أخيرًا.
أما هو، فقد فتح شاشة النظام من جديد. نظر إلى الوقت المتبقي: ٠عشرة ايام واثنين وسبعين ساعه وا خمسه وخمسون دقيقه.
نعم، لقد ربحت عشرة أيام اضافيه.
رفع نظره إلى السماء، حيث كانت النجوم تتلألأ. ابتسم للمرة الأولى منذ زمن طويل.
"يبدو أن لدي فرصة... لكني أحتاج لي نقاط أتمنا إلى تواجهني اي صعاب."
كان يعلم أن الطريق صعب، وأنه سيواجه الكثير من التحديات. لكنه كان مستعدًا. لأول مرة في حياته، كان لديه هدف حقيقي: أن يبقى على قيد الحياة، وأن يحصل على نقاط سعاده كان الأمر مضحك بعض شيئ لكنه ممتع وليسى شيئسيئ.
مشى في شوارع الميناء، وخطواته أصبحت أخف. كان يتأمل المارة، عائد للمنزل بعد ارتياح .
وفجأة، تذكر شيئًا. معزوفة النوم. ما كانت هذه المهارة؟ وكيف يمكنه استخدامها؟
لم يكن يعرف، لكنه كان متأكدًا من شيء واحد: هذه المهارة ستكون مفيدة في الأيام القادمه.
نظر إلى السماء من جديد، وتذكر كلمات الفتاة: "أشعر أن قلبي ينبض مرة أخرى."
تمتم في نفسه: أنا أيضًا... أشعر أن قلبي ينبض من جديد.