مع عدم وجود مال، وانعدام أي فكرة عما يجب القيام به، أخذت الفكرة تدور في ذهنه مراراً وتكراراً.
لم يكن من الدقيق تماماً القول إنه "لا يملك مالاً". محفظته في جيبه كانت ممتلئة بماله الخاص، وهو مبلغ يكفي لشراء بقالة أسبوع كامل في الظروف العادية. لكن في هذه الحالة، كان مصطلح "مفلس" هو الوصف الأدق للموقف. نعم، تفكيرك صحيح؛ السبب هو فرق العملة. رمى الشاب بقطعة الـ 10 دنانير المعدنية في الهواء وتلقفها، متنفساً الصعداء بحسرة.
لم يكن الشاب مميزاً حقاً. شعر أسود قصير، طول متوسط، وبنية جسدية توحي بأنه يمارس بعض التمارين الرياضية الخفيفة. كان يرتدي ملابس عادية تماماً: سترة جينز فوق كنزة بقلنسوة تناسبه بشكل جيد. عيناه البنيتان ذواتا القزحية الصغيرة كانتا تبرزان بياضهما، وتعكسان إحباطاً واضحاً. لم يكن عدوانياً ولا اجتماعياً.. كان باختصار من النوع الذي لن تميزه أو تتذكره إذا مررت بجانبه في حشد من الناس.
ولكن الآن، كان معظم المارة يختلسون النظر إليه من زوايا أعينهم، وكأنهم ينظرون إلى كائن فضائي. وكان هذا متوقعاً؛ فلم يكن لأي من هؤلاء المارة شعر أسود. بل كانت رؤوسهم تتدرج بين الأشقر، الأحمر، البني، وحتى الأزرق والأخضر! ولم يرتدِ أي منهم ملابس تشبه ملابسه؛ بل ارتدوا دروعاً، وعباءات سوداء، وأزياء تبدو وكأنها مسروقة من فرقة مسرحية.
وحينما عبرت من أمامه عربة تجرها سحلية عملاقة، يتبعها شخص يحمل سلاحاً لم يشاهده إلا في الأفلام التاريخية، طرقع الشاب أصابعه قائلاً بابتسامة بلهاء:
"لابد أنني مثل هؤلاء الأشخاص الذين يتم استدعاؤهم إلى عالم آخر!"
كان زين سامر شاباً عادياً للغاية. وُلد على كوكب الأرض، لعائلة من الطبقة المتوسطة في العراق. إذا أردت موجزاً لثمانية عشر عاماً من حياته، فالجمل السابقة تكفي. وإذا شعرت بالحاجة لإضافة شيء آخر، فهو أنه طالب في سنته الثالثة في مدرسة ثانوية عامة، ويميل كثيراً للتهرب من حصصه. في الوقت الذي كان يجب أن يقرر فيه مستقبله بين الجامعة أو العمل، فضل زين الهروب من الواقع، بمساعدة غياباته المستمرة وقسوة والديه.
"حسناً، بما أنه تم استدعائي إلى هنا، فهذا يعني أن ذهابي للمدرسة لم يعد ضرورياً، ههه.. لكن بجدية، ما الذي يحدث بحق الجحيم؟"
ظن أنه يحلم، لكن بعد أن قرص خده، وصفع نفسه، ورطم رأسه بلطف على الحائط، أدرك الحقيقة المرة: هذا ليس حلماً. تنهد زين وهو يجلس القرفصاء في زقاق ضيق يطل على الشارع الرئيسي.
"هذا العالم الخيالي يبدو خالياً من الآلات، مما يعني أنني في عصر يشبه العصور الوسطى. أموالي بلا أي فائدة هنا، رغم أنه لا يمكن إنكار أن طرقاتهم مرصوفة بشكل جيد..."
الغريب في الأمر هو طريقة وصوله. لم تدهسه شاحنة، ولم يقتله إله بالخطأ ليعتذر منه. كل ما يتذكره هو أنه كان يمشي ليلاً في شارع مدينته، في ظل حرارة خانقة ورياح جنوبية لاهبة تُعرف بـ "الشّرجي"، وهو طقس صيفي اعتيادي. فجأة، حدث تشوه مكاني مفاجئ ووجد نفسه هنا. لم يكن الأمر سحرياً أو مميزاً، بل كان مفزعاً ووقحاً.
رغم ذلك، لم يشعر بالرغبة في البكاء على عالمه الأصلي. هو يدرك أنه قد لا يستطيع العودة، وكشاب شبه منعزل، لم تكن ثقافة الأنمي غريبة عليه. لطالما كان تصنيف "الإيسيكاي" هو أكثر ما يحتقره... وأكثر ما يحلم به سراً. فمن جهة، كان يكره الكليشيهات والبطل الذي يحصل على قوى خارقة دون مجهود، ومن جهة أخرى، من منا لا يريد أن يكون ذلك البطل؟ من لا يريد إنقاذ العالم، وتأسيس حريم يحبونه، وأن يجد مكاناً ينتمي إليه حقاً؟
نفض زين هذه الأفكار من رأسه، ونهض بحماس. فكرة واحدة سيطرت عليه الآن:
"بالتأكيد لدي قدرة خارقة! هيا أيها النظام، أنا آمرك بالخروج! اظهر وبان عليك الأمان أمام سيدك منقذ العالم!"
مع جملته الغبية تلك، اتخذ وضعية درامية مبالغاً فيها، ومد يده نحو الفراغ بوقفة مسرحية. انتظر لثوانٍ ظهور ذلك الصوت الميكانيكي الجاف.
وفجأة.. هبت رياح قوية وسريعة جداً.
ارتسمت ابتسامة متعجرفة وبشعة على وجه زين العادي:
"أوه! إذن أنا لا أمتلك نظاماً، أنا أمتلك سحر الرياح! نعم، أنا إله الرياح وسوف أنقذ العالـ... آآخ!"
طااااااخ!
صُفع بقوة على وجهه. لم تكن صفعة سحرية، بل كانت منشفة قذرة ومبللة طيرتها الرياح بقوة لتلتصق بوجهه تماماً. ملأت رائحتها العفنة أنفه، بينما احمرت وجنته اليسرى بشدة من قوة الضربة.
سحب المنشفة عن وجهه باشمئزاز وصدمة
"ما هذا بحق الجحيم؟! ابتعدي لعنة!"
حسناً.. لقد ولد إله الرياح المزعوم ومات في نفس اللحظة. الرياح كانت طبيعية تماماً. لا توجد قوة سحرية، لا يوجد نظام، وما فعله للتو لم يكن سوى حركة خرقاء أثبتت أنه بلا أي قوة على الإطلاق. حركته المسرحية جعلته أقرب إلى مهرج بائس منه إلى ساحر.
يبدو أن لعنة "كونه شخصاً عادياً تماماً" قد طاردته، حتى في العوالم الأخرى.
كيف على أي حال أتت هذه المنشفة القذرة؟ أليس من المفترض أن تكون هناك مناشف هنا؟ هل هذه المدينة قذرة لتلك الدرجة؟"
تلوى نظره من حوله لمعرفة من أين أتت هذه المنشفة
"لا بد من أنكم تسخرون مني!"
لم يكن هناك أي متجر، أو شخص، أو حتى حاوية قمامة جانباً خرجت منها المنشفة، إذن من أين بحق السماء أتت هذه المنشفة؟ هل العالم يسخر منه لتلك الدرجة؟ هل هو سيئ الحظ لدرجة تجلب له منشفة قذرة تدمر أحلامه؟
كونُ عدم وجود منشفة قذرة في الأسواق البدائية التي تشبه العصور الوسطى يعتبر أمراً نادراً لدرجة الاستفزاز التي تكاد تفجر زين.
"غرووووووووووووووو~"
لم يكسر غضبه وحبل أفكاره عن المنشفة سوى انبعاث نغمة مهيبة من أحشائه تنادي بطلب الطعام، الذي كان ذاهباً لجلبه من البقالة قبل أن يُجلب إلى هذا العالم، مما تسبب له بإحراج؛ فقد كان صوتاً عالياً تقريباً جعل بعض السحالي التي تشبه البشر تنظر إليه بشفقة وكأنه مسكين يريد طعاماً.
"سحقاً لماذا الآن.. حسناً لا يهم، تفاحة ناضجة تفي بالغرض".
مع اختياره لما يريده، انطلق يتمشى بالأسواق بعيداً عن المكان الذي غرغرت به أحشاؤه. كان يراقب الأسواق وقد أخذ نفسه شارد الذهن بتفكير غريب أتى عليه فجأة عندما رأى رجلاً بعيداً يشبه البشر، ولديه أذنتا قط وذيل قط جميلان، كان يتم تنمر عليه.
أشباه البشر أو أنصاف الأعراق، بالتأكيد من قد لا يعرفهم؟ دائماً ما يجب أن تكون هناك عنصرية تجاههم بسبب أن دمائهم مخلوطة بين الأعراق، كمثل أن يتزوج بشري من إيلف ويكون هناك نصف إيلف يجمع دمه بين بشري وإيلف، هم بالطبع سيكون مكروهاً هذا نصف الإيلف بسبب كونه ذو دم مخلوط، وبالتأكيد قد يكونون مكروهين بين أوساط سكان العالم الآخر، هذا شيء متكرر دائماً. على الرغم من أن سكان عالم زين بالتأكيد قد يحبون الأنصاف أكثر من الجنس الكامل؛ العنصرية مقلوبة تماماً وتثير الضحك، فبينما العالم الآخر يتعنصر على الأنصاف من جهة، ومن جهة أخرى سكان عالمه يعشقون الأنصاف بينما لا يحبون الكائن الذي يحمل جنسه الكامل!
أليس هذا مثيراً للضحك حقاً؟
عندما توقف ينظر حول الأسواق يبحث عن شخص يبيع طعاماً يمكن أكله دون الحاجة لطبخه، كان أمامه خياران: التفاح والبرتقال. خيارات غريبة، لكن كونه منتقلاً إلى عالم آخر يجب أن يثبت جدارته واختلافه عن أي بطل ذهب إلى العالم الآخر.
"جميعهم اختاروا التفاح.. لكنني سوف آخذ البرتقال!"
هذا ما قاله قبل أن ينطلق نحو بائع البرتقال بابتسامة مثالية لدرجة الإشراق، كان يفعل ذلك لأنه يريد الاحتيال على البائع.
أليس زين غبياً لدرجة أنه لا يعرف أنه مفلس تماماً؟ فالـ 10 دنانير لا فائدة منها هنا، واختلاف العملة كبير وقد يبقى اليوم بأكمله بلا طعام وهو لا يريد ذلك، من يريد أصلاً أن يبقى بمعدة دون طعام أو غذاء؟ بالتأكيد لن يأكل من القمامة فهو ليس واحداً من حيوانات الشارع.
"سيدي، كم سعر البرتقال؟" قال زين بإشراق وهدوء.
نظر إليه البائع، وهو رجل كان ضخماً ذو بنية عضلية جيدة بل مثالية، ذو عين زيتية وشعر أزرق يشبه السماء، لكن هذا الإشراق لا ينطبق على وجه البائع، فوجهه يميل إلى الملل والبرود.
شيء طبيعي لأي بائع يستقبل الكثير من العملاء أو القليل منهم أينما كان مدى ربح هذا الرجل، الأهم هو أخذ البرتقال بسهولة.
"هلوقت لم حضو"
عندما قال البائع هذا الكلام لم يفهم زين أي شيء مما يقوله، هل البائع لم يقله جيداً بصوت عالٍ؟ أم أنه يعاني من شيء؟ ربما عليه فقط أن يفهم البائع بأنه لا يفهم شيئاً مما يقوله لربما قد ينفع ذلك ويرفع البائع صوته.
"ما... ماذا تقول يا صديقي البائع؟"
عندما قال زين كلامه، بدت على البائع ملامح الانزعاج ونفاذ الصبر وكأنه لا يريد التعامل مع زين، هل هو نفور أم نفاذ صبر؟
على أي حال قرر البائع إعادة كلامه
"اديج ثدحتو ءارهالب ثدحت نع فقوت هلوقت لم حضو كتربخ اذلم ما قمحا تنا له كب لم"
هنا لم يفهم زين أي شيء من الطلاسم التي تقال، لم يفهم ولا حرفاً! هل البائع لديه مشكلة في فمه؟ هل هذه حماقة؟ هل هو يحاول أن يلعب معه أو يمازحه؟ إن كان كذلك فهذه مزحة ثقيلة جداً. ماذا قد يحدث لو اعتقد أنه لا يفهم لغة العالم الآخر؟
سيكون جحيماً بحد ذاته!
"عـ... عذراً أيها القط، هل يمكنك إخباري عما يقوله هذا الشخص؟"
استدار زين وألقى هذا الكلام إلى أحد المارة، قد يكون يفهم ما يقوله البائع لأنه لا يريد زين أن يضيع الوقت لكونه جائعاً ويريد البحث عن مأوى، لكن في البداية هو يشتهي البرتقال ويريد برتقالة واحدة فقط.
عندما نظر ذلك الرجل الذي يشبه القط إلى زين، نظر القط إلى البائع ثم إلى زين وكأنه يقيم الموقف، يبدو أن زيه أنيق جداً أشبه بالمستثمر الذي يقيم استثماره.
لكنه نظر إلى زين الذي ناداه
"اذلم" بنبرة تحمل حيرة.
نظر زين باستغراب إلى الرجل ذي أذني القط وأشار إلى البائع:
"هل يمكنك فهم ما يقوله هذا البائع؟"
نظرات الحيرة ملأت الرجل ذا أذني القط، ثم نظر الشخص ذو الأذنين القطيتين إلى البائع الضخم.
"هلوقي لمم ءيش مهفت له"
هز البائع رأسه وكأنه ينفي شيئاً لم يفهمه زين، لكن بدا على البائع ملامح نفاذ صبر أكثر.
"نونجمك اودبي لولاا رايخلا لضفو يرخا ةكلمم نم وا نونجم اما"
ابتسم رجل القط ابتسامة متعبة وكأنه مرهق.
"طقف هلهاجتو هعم فطلب فرصت ءاجر قمحااك ودبي"
عند قول القط كلماته استدار مغادراً، بينما نظر له البائع بشفقة ممزوجة باشمئزاز وأشار له بأن يرحل وكأنه يهشه كذبابة.
عند هذه الكلمات بينهم وعند كل ما قيل، أدرك زين شيئاً جعل عيناه تتوسعان بصدمة ورعب:
"هل أنا لا أمتلك القدرة على فهم ما يقولونه؟"
وكل شيء يجيبه بأن نعم، لا يوجد شيء يجعله يفهم أو يُفهم، لم تكن المشكلة بمن حوله بل فيه هو؛ لا يفهم ما يقال أو يقال إليه، لا هو الذي يفهم ولا هم سوف يفهمون أبداً ما سيقوله!
"لكن كيف سوف أعيش هكذا؟" قالها برعب بينما تراجع خطوة إلى الوراء.
مستحيل! مستحيل! مستحيل! كيف لهذا أن يحدث؟ لا يجب أن يحدث! يجب أن يحصل على ترجمة تلقائية، هذا دائماً ما يحدث! هذا دائماً ما يحصل! لماذا لا توجد ترجمة تلقائية؟!
لقد مشى زين مبتعداً عن البائع، لم يعد يريد حقاً أخذ طعام، لقد انشغل بأمر اللغة.
يتمشى برعب...
زين يتحرك وهو مرعوب وينظر بين الناس بذعر لا يصدق، يبحث عن شخص يتكلم بشيء قد يفهمه.
"سحقاً! سحقاً! هذا لا يصدق! ما فائدة الذهاب إلى عالم آخر إن كنت لا تستطيع فهم ما يقوله الجميع؟!" همس بغضب ورعب أكبر.
تقدم زين نحو شخصين لديهما وجوه سحالي
"أهلا أيها السادة، أو أياً كنتم، هل تفهمون كلامي؟ أو هل لديكم أحد يفهم الكلمات هنا؟!"
نظرت إليه سحليتان بحيرة، ونظرت السحلية ذات اللون الأصفر القريب إلى الأخضر قائلة
"هاوقي امم ءيش مهفت له"
هزت السحلية ذات اللون الأخضر رأسها بنفي
"ثلاثلا قوس يلا تاهاجتلاا ديري امبر ءيش مهف لا لا"
أشارت السحلية الخضراء نحو مكان معين في زقاق مظلم، مع لمحة من نور تدل على اختصار يؤدي إلى سوق آخر. نظر زين إلى ذلك المكان وابتسم
"كنت متأكداً من وجود شيء كهذا، من المستحيل أن يتم تجاهلي إلى تلك الدرجة!"
نظر زين إلى السحليتين
"على الرغم من أنني لا أفهم شيئاً مما تقولانه، لكن شكراً لكم!"
لوح لهما بسعادة وذهب ركضاً نحو الزقاق.
هل هو أحمق؟، لدرجة أنه يقرر أخذ بشارتهم، دون أن يفهم اي من طلاسم الذي يقولونها.
عندما دخل، كان زين يركض لعبور الزقاق، كانت هناك انعطافة واحدة فقط ويمكن الخروج منها إلى السوق الآخر. بينما يركض نحو العبور وسماع أصوات الشارع الآخر تقترب..
شعر بشيء بارد... شعر وكأنه يسقط
"هـ..؟" همسة حيرة لم تكتمل.
شعر زين بسقوط، وكأنه يهوي.. ثم.. ظلام.. صمت خانق.
ثانية، ثانيتان، ثم.. سُمِعت أصوات المارة من جديد!
فتح زين عينيه، كان أمامه نفس البائع وهو يهشه كالذبابة المزعجة التي يريد التخلص منها. نظر زين بحيرة إلى البائع، ثم إلى الرجل ذي أذني القط الذي استدار ليغادر.
"ماذا أفعل هنا بحق الجحيم؟! أليس من المفترض أنني متوجه إلى الزقاق؟"
نظر زين إلى نفس الجهة التي ذهب إليها وهو مرعوب
"هل قدرتي هي إعادة الزمن؟ وقد عدت بالزمن وأنا لا أعلم؟!"
أمسك زين رأسه وهو يشعر بصداع
"ويبدو أن لها تأثيراً جانبياً.. صداع مخفف. يا إلهي، هل أصبحت في لعبة فيديو الآن؟"
وقف زين في منتصف الشارع المزدحم، وفرك رقبته التي لا تزال تحتفظ بشبح البرودة الخانقة. ابتسامة واسعة، تكاد تكون هستيرية، شقت طريقها على وجهه العادي.
"إذن، هي تلاعب بالزمن.. أو العودة به؟" همس لنفسه وعيناه تلمعان ببريق جنون العظمة.
تنحنح، وعدّل وقفته ليقف مباعداً بين قدميه. رفع يده اليمنى نحو السماء، ووضع اليسرى على خصره-وضعية بطل درامية شاهدها في عشرات الأنميات.
دائما ما تكون ممتعه!
"النظام! فتح القائمة!" صرخ بها بصوت خفيض لكنه مشحون بالحماس.
مرت ثانية. ثانيتان. نسمة هواء دافئة حركت شعره، لكن لم تظهر أي شاشة زرقاء متوهجة في الهواء.
تجاهل زين النظرة الجانبية المتشككة التي ألقاها عليه أحد المارة، وقرر تغيير تكتيكه. ضم يديه معاً كمن يصلي، وأغمض عينيه بشدة حتى تجعدت جبهته.
"نقطة تشوه! العودة التلقائية! تفعيل مهارة الزمن.. الآن!"
فتح عيناً واحدة خلسة ليرى النتيجة. العالم لم يتوقف، والزمن لم يتباطأ. بل إن البائع الضخم ذا الشعر الأزرق كان يحدق فيه الآن بحاجبين معقودين، ممسكاً ببرتقالة بيده وكأنه يفكر جدياً في رشقها على رأس هذا المعتوه.
أنزل زين يديه ببطء، وشعر بحرارة الإحراج تزحف لتشعل أذنيه. سحب ياقة سترته الجينز ليخفي جزءاً من وجهه، وتظاهر بسعال خفيف لتبرير حركاته الغريبة.
"حسناً... لا يوجد نظام، ولا أستطيع التحكم بالزمن بمزاجي،" تمتم وهو ينظر إلى أسفل قدميه ليهرب من نظرات المارة. "إذن هي ليست لعبة. ربما هي قدرة سلبية تعمل تلقائيا؟ أو... ربما كل هذا كان مجرد هلوسة سخيفة بسبب التعب؟"
رفع نظره ببطء، وتجاوزت عيناه حشود المارة لتستقر على مكان الذي ذهب إليه. إلي ذالك الزقاق قبل عودته.
"هناك طريقة واحدة فقط للتأكد..." بلع ريقه بصعوبة. تلاشت ابتسامته الغبية تماماً وهو يخطو بحذر نحو ذلك الظلام. مجرد إلقاء نظرة سريعة من الخارج لن تضر، أليس كذلك؟
عند نفس الزقاق.. أو أليس داخل الزقاق؟ ظهر رأس زين وهو ينظر إلى الزقاق بخوف، إلى المكان الذي كان يركض فيه
"لا أعرف حقاً ما حدث".
استكشف الزقاق حوله بعينيه دون الدخول إليه، لم يكن هناك شيء مثير للاهتمام أو مريب، مجرد طوب مرصوص بشكل جيد، ونور يخرج من الانعطاف البسيط الذي يطل على السوق الآخر.
"لا يوجد شيء؟"
ترك مكانه ووقف ينظر إلى الزقاق بالكامل، ووضع يديه على وركيه
"حسناً، اكتشفت أنني لا أتلعب بالزمن بعد عدة محاولات، لذا الأمر غريب حقاً. هل هي نكتة سمجة وقاسية فعلها أحدهم؟ على أي حال، لا يعجبني هذا الزقاق، لن أدخل إليه".
تنهد زين بارتياح، ثم أراد الاستدارة والتحرك للابتعاد.
لكن قبل أن يستدير وقبل أن يفعل أي شيء، شعر بشيء مؤلم لدرجة فظيعة.. بارد وحاد جداً!
اخترق ظهره لدرجة أنه خرج من الجهة الثانية!
كان الألم فظيعاً، ألماً لا يحتمل، اخترق لحمه، عظامه، وأعضاءه. نظر بسرعة باتجاه الألم الذي يعتصره؛ كانت سكين كبيرة قد اخترقت جسده!
توسعت عينا زين برعب نقي وأراد أن يصرخ، وفجأة امتدت يد على فمه مفعّلة شيئاً أضاء قليلاً، أشبه بسحر.. لم يكن سحراً رائعاً بل سحر كمم فمه.
ثم تم إخراج السكين بلا رحمة منه، وتم ركله على الأرض.
سقط زين وهو يمسك معدته من شدة الألم الحارق، والدموع تتساقط منه. لم يدرك زين أن هذا هو نفس المكان الذي سقط فيه قبل أن يظلم المكان تماماً.. إنه نفس المكان!
الألم..
الألم..
الألم..
أوقفوا الألم! لماذا لا أستطيع الصراخ أو الكلام؟ من فعل هذا؟
نظر زين ببطء إلى الشخص الذي طعنه، يريد معرفة هوية الشخص الذي سوف ينهي حياته. لقد رآه؛ كان شخصاً ملثماً تماماً، مغطى بقناع وعباءة سوداء تغطي كل جسده، والقناع ذو شكل يد مرفوعة إلى السماء بينما يشع نور وكأنه يبارك هذه اليد المرفوعة.
نظرت عينا زين إلى السكين التي سوف تأخذ حياته بيد ذلك الشخص الملثم.. تلك السكين.. مهلاً.. مهلاً! هل ذلك الشيء البارد سابقاً كان.. سكيناً؟ هل مُت؟ هل مُت هناك؟ هل تم قطع رأسي؟ هل ذلك السقوط كان بسبب قطع رأسي؟!
إنها نفس اليد التي قطعت رأسه فور وصوله إلى هذا الزقاق، لكن على ما يبدو هو.. أو أنهم لن يقتلوه بسرعة هذه المرة!
ثم خرج اثنان أو ثلاثة أشخاص إضافيين ملثمين ينظرون إليه ببرود. تملك زين الرعب وحاول الزحف للهروب، لكن تم الإمساك بيده بعنف، ثم اخترقت سكين يده مثبتة إياها في أرض الزقاق المظلم!
قبل أن يستوعب الألم الحارق الفظيع الذي يتملك عقله شيئاً فشيئاً.. عقله لم يستوعب أن الألم فجأة زاد أكثر؛ لقد تم طعن يده الأخرى وتثبيتها في أرض الزقاق!
أصبح مستلقياً على الأرض تماماً على ظهره، يمكنه رؤية جلاديه الذين على ما يبدو لن يقتلوه فوراً كما فعلوا في حياته السابقة.
الألم..
لم يُحتمل، لا يريد أن يحتمله، يريد أن يموت فقط: "اقتلوني! لا تفعـ..."
لم يكمل، ولن يكمل صراخه الذي لا يُسمع إلا في الأعماق.
شعر بألم آخر كبير، ما هذا؟ ما الذي يحدث؟
أظافره.. تُقتلع!
يتم اقتلاعها بآلة حادة، وكان الشخص الملثم عازماً على إصابته بأكبر ألم ممكن.
الأولى اقتُلعت..
الثانية اقتُلعت..
الثالثة اقتُلعت..
الرابعة اقتُلعت..
الخامسة اقتُلعت..
السادسة اقتُلعت..
السابعة اقتُلعت..
الثامنة...
تم نزع حذائه بلطف، ثم تم قطع إصبع قدمه الأكبر من قِبَل الشخص الآخر.
الثامنة اقتُلعت..
التاسعة اقتُلعت..
العاشرة اقتُلعت..
ببطء وبلا رحمة.. تم انتزاع كل أظافره، وتم قطع إصبع قدمه الأكبر.
"واحدة تلو الأخرى... صراخه المكتوم يمزق حنجرته مع كل مسمار يُنزع. لم يعودوا يقتلعون أظافره فقط، بل كانوا يسلخون عقله مع كل قطرة دم تسقط. بحلول الظفر الخامس، كان يتمنى لو أن قلبه يتوقف. بحلول العاشر، لم يعد يشعر بأصابعه، بل بكتلة من النار المشتعلة، ليتبعها بتر إصبعه الأكبر كخاتمة لهذه السيمفونية المريضة
اقترب الملثم الثالث، ومد يده في عباءته وأخرج سكيناً أخرى، نزل على ركبتيه ثم بدأ يغرز سكينه في جانب جسد زين أو خصره؛ طعنة، طعنة، طعنة، طعنة، طعنة، طعنة، طعنة.. مرة تلو الأخرى!
لماذا ما زلتُ على قيد الحياة؟
توقف الملثم عن طعنه، وطلى يده بدم زين ثم وقف واستدار مبتعداً، بينما الملثم الثاني الذي انتهى من تقطيع أظافره.. قرّب السكين نحو عينه اليسرى.
فقد بصره الأيسر!
دماؤه تغطي جسده، ثقوب في كل مكان، وحتى عينه لم تسلم.
ماذا؟ ماذا؟ ماذا فعلتُ لكي أستحق ذلك؟ ما هو الشيء الذي فعلته لكي يعاقبني الرب على ذلك؟ هل تنتهي حياتي هكذا؟ هل هذا ما أنجزته؟ هل هذه هي حياتي التافهة؟ هل هذا كل شيء فعلته؟ حماقاتي ردتني إلى هنا.. ما زلتُ أحمق، ما زلتُ لا شيء!"
ببطء سقط رأس زين جانباً من شدة الألم والتعب.
ثم وسط ألمه الشديد الذي يكاد يغمى عليه، تلاحظ عيناه -بينما عقله غائب تماماً بسبب الألم- أن الملثم الثالث الذي أخذ دمه، كان يكتب جملة بدمه على الجدار.. كتب بخط دمه:
"اهنطو درتست فوس ماكروغولا"
"حتى آخر لحظة في حياتي لن أعرف ما قيل هناك.."
عند هذا، تم طعن زين في منتصف جبهته.
ظلام.. واسودّت عيناه.